سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:23/09/2026 | SYR: 11:22 | 23/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 مجلس الشيوخ... غرفة الحكمة التي يحتاجها السوريون
23/09/2026      




سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر أسعد

في اللحظات التأسيسية من تاريخ الدول، لا يكون السؤال: من يحكم؟ بل أيضاً: من يراجع؟ ومن يفكر بعيداً عن ضغوط السياسة اليومية؟ ومن يحفظ للدولة ذاكرتها المؤسسية وخبراتها الوطنية؟
سورية الحرة، وهي تدخل مرحلة إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، لا تحتاج فقط إلى سلطة تنفيذية قوية، ولا إلى مجلس شعب يمارس دوره التشريعي والرقابي، بل تحتاج كذلك إلى مؤسسة وطنية هادئة، ذات خبرة واستقلالية، تقدم المشورة، وتراجع التشريعات، وتفتح أبواب الحوار الوطني. ولهذا تبدو فكرة إنشاء مجلس الشيوخ السوري واحدة من أهم الأفكار الدستورية التي تستحق أن تناقشها لجنة إعداد الدستور الدائم.
ولعل ما يمنح فكرة إنشاء مجلس شيوخ سوري قوةً انسجامها مع الرؤية التي طرحها الرئيس أحمد الشرع في خطابه أمام مجلس الشعب، عندما دعا إلى تعزيز ثقافة الحوار وسيادة القانون، معتبراً افتتاح أعمال المجلس بداية فصل جديد في بناء سورية الحرة، وأن البلاد انتقلت من مرحلة تحرير الوطن واستعادة الحرية إلى مرحلة بناء مؤسسات الدولة على أسس المسؤولية والكفاءة. ونجاح هذه المرحلة يتطلب تغليب مصلحة السوريين على كل اعتبار آخر، وترسيخ الشورى وتبادل الآراء باعتبارهما الطريق إلى القرار الرشيد
.
ليس الهدف هنا إنشاء سلطة جديدة تنافس مجلس الشعب أو الحكومة، ولا إضافة طبقة بيروقراطية أخرى، وإنما تأسيس غرفة وطنية للحكمة والخبرة تساعد الدولة على اتخاذ قرارات أكثر توازناً، وترفع جودة التشريعات، وتمنح القضايا المصيرية مساحة أوسع للنقاش والتفكير.
لقد أظهرت التجارب الدستورية الحديثة أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الانتخابات فقط، وإنما أيضاً بجودة المؤسسات التي توازن بين سرعة القرار وحكمة المراجعة. ولهذا اعتمدت معظم الدول المستقرّة نظام المجلسين التشريعيين، بحيث تعمل الغرفة الثانية مساحةً للتأمل والمراجعة والتوافق، بعيداً عن الانفعالات السياسية والاصطفافات الحزبية.

يمكن أن يضم مجلس الشيوخ المقترح شخصيات وطنية ذات كفاءة عالية في القانون، والاقتصاد، والإدارة، والمالية العامة، والتعليم، والصحة، والعلاقات الدولية، والدفاع، إضافة إلى ممثلين عن المحافظات

وفي سورية، يمكن أن يؤدي مجلس الشيوخ دوراً استشارياً واضح الصلاحيات، دون أي تداخل مع اختصاصات مجلس الشعب أو الحكومة، فيراجع بعض مشاريع القوانين قبل إقرارها، ويقترح تعديلات عليها، ويصدر توصيات غير ملزمة لرئيس الجمهورية في القضايا الاستراتيجية، مثل الإصلاح الدستوري، والسياسات الاقتصادية الكبرى، والإدارة العامة، والعلاقات الدولية، واللامركزية الإدارية، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار.
كما يمكن أن يشكل المجلس قناة مؤسساتية للحوار بين الدولة والقوى السياسية والمجتمعية، بحيث تصبح الخلافات تُدار داخل المؤسسات لا خارجها، وبالحوار لا بالاستقطاب.
ومن أهم مزايا هذه المؤسسة أنها تتيح للدولة الاستفادة من خبرات وطنية يصعب أن تصل إلى مجلس الشعب عبر الانتخابات العامة، فليس كل خبير دستوري، أو اقتصادي، أو أكاديمي، أو دبلوماسي، أو إداري ناجح، يمتلك القدرة أو الرغبة في خوض الانتخابات، رغم أن خبرته قد تكون بالغة الأهمية في رسم السياسات العامة.
ولهذا يمكن أن يضم مجلس الشيوخ المقترح شخصيات وطنية ذات كفاءة عالية في القانون، والاقتصاد، والإدارة، والمالية العامة، والتعليم، والصحة، والعلاقات الدولية، والدفاع، إضافة إلى ممثلين عن المحافظات، بما يضمن نقل احتياجات المناطق السورية المختلفة إلى مركز صنع القرار، ويمنح المحافظات صوتاً مؤسسياً مستقراً داخل الدولة.
ويقدم النموذج الفرنسي تجربة تستحق الدراسة، فمجلس الشيوخ يمثل الغرفة العليا للبرلمان، ويتألف من 348 عضواً يمثلون الجماعات المحلية والأقاليم. ووفق المادة الرابعة والعشرين من الدستور الفرنسي، لا يُنتخب أعضاؤه مباشرة من الشعب، بل عبر هيئة انتخابية تضم النواب والشيوخ والمستشارين الإقليميين والمحليين ورؤساء البلديات وغيرهم من المنتخبين المحليين. وتستمر عضوية الشيوخ ست سنوات، مع تجديد نصف المقاعد كل ثلاث سنوات، بما يضمن الاستمرارية والاستقرار المؤسسي. ويقوم المجلس بمراجعة مشاريع القوانين، ودراسة آثارها على المحافظات، والمشاركة في التعديلات الدستورية، ومراقبة أداء الحكومة عبر لجانه المتخصصة، مع احتفاظ الجمعية الوطنية بالكلمة الأخيرة في معظم التشريعات، وهو ما يمنع تعطيل العمل التشريعي.
أما التجربة الأميركية فتقدم بعداً آخر بالغ الأهمية، إذ يقوم مجلس الشيوخ على مبدأ المساواة بين الولايات، حيث تمتلك كل ولاية عضوين بغض النظر عن حجمها السكاني، ليصل عدد أعضاء المجلس إلى مئة عضو. ويضمن هذا النموذج ألا تطغى الولايات الكبرى على الصغيرة، ويحقق توازناً بين الوحدة الوطنية والتمثيل الإقليمي، وهو مبدأ يمكن لسورية الاستفادة منه بصورة تتلاءم مع خصوصيتها الإدارية والاجتماعية والجغرافية.
ولا ينبغي أن يُفهم ذلك باعتباره نسخاً لأي تجارب أجنبية، فلكل دولة ظروفها، لكن الاستفادة من الخبرات الدستورية العالمية تبقى أمراً طبيعياً عند بناء المؤسسات الجديدة.
تعيش سورية اليوم مرحلة انتقالية دقيقة، حيث تشكل مجلس الشعب الجديد، وأُنيط به إعداد مشروع الدستور الدائم. وهذه فرصة تاريخية للتفكير في بنية مؤسسات الدولة لعقود مقبلة، لا لسنوات قليلة فقط.

قد لا يكون مجلس الشيوخ السوري حلاً سحرياً لكل تحديات المرحلة الانتقالية، لكنه قد يكون إحدى أهم لبنات سورية الحرة

وفي ظل نظام رئاسي يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة، يمكن لمجلس الشيوخ أن يشكل مؤسسة استشارية مستقلة تقدم الرأي والخبرة والمشورة، دون أن تدخل في صراع مع الحكومة أو مجلس الشعب، ودون أن تتحول إلى مركز جديد لتقاسم النفوذ. بل إن وجوده قد يسهم بصورة مباشرة في إنجاح العدالة الانتقالية، عبر مراجعة مشاريع القوانين المتعلقة بكشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، وجبر الضرر، والمصالحة الوطنية، وضمان مشاركة أوسع للخبراء والمجتمع المدني وممثلي المحافظات، بما يمنح هذه التشريعات شرعية وطنية أوسع، ويخفف من مخاطر الانتقائية أو التسييس.
كما يمكن أن يكون المجلس أحد أهم أدوات تعزيز السلم الأهلي، لأن الحوار المؤسسي يقلل من احتمالات الاحتقان، ويمنح مختلف المكونات شعوراً بأنها شريكة في التفكير بمستقبل الدولة، حتى وإن لم تكن جزءاً من السلطة التنفيذية.

يرتبط نجاح هذه الفكرة، قبل كل شيء، بحسن تصميمها الدستوري، فلا بد من تحديد صلاحيات المجلس بدقة بحيث تبقى استشارية، من دون أن تتحول إلى سلطة تعطل عمل المؤسسات الأخرى. كما ينبغي اعتماد آلية متوازنة لاختيار أعضائه، تجمع بين التمثيل الإقليمي والكفاءة الوطنية، مع ضمان استقلاليته المالية والإدارية، وتجديد عضويته بصورة دورية تضمن الاستمرارية وتجدد الأفكار في آن واحد.
الدول المتقدمة لم تبنِ قوتها فقط بقوة الحكومات، وإنما بقوة المؤسسات التي تراجع وتصحح وتوازن. والمؤسسات الرشيدة لا تُبنى على الثقة بالأشخاص، بل على توزيع المسؤوليات، وتكامل الأدوار، واحترام الاختصاصات
.
قد لا يكون مجلس الشيوخ السوري حلاً سحرياً لكل تحديات المرحلة الانتقالية، لكنه قد يكون إحدى أهم لبنات سورية الحرة، بحيث لا تحتكر فيها الحكمة جهة واحدة، ولا ينفرد بالقرار صوت واحد، بل تُصاغ سياساتها عبر الحوار، وتُراجع تشريعاتها بعين الخبرة، ويصبح فيها الاختلاف مصدر قوة لا سبباً للانقسام.
وإذا كان مجلس الشعب المنبر الدستوري الذي يجسد الإرادة الشعبية ويقود العملية التشريعية، فإن مجلس الشيوخ يمكن أن يكون منبراً للحكمة والخبرة الوطنية، ومساحة مؤسساتية تجمع أصحاب التجربة والكفاءة من مختلف المحافظات والتخصصات، لتقديم الرأي والمراجعة والتوصية بعيداً عن التجاذبات السياسية، وبما يعزز جودة التشريعات، ويدعم الرئيس والحكومة ومجلس الشعب في مواجهة التحديات الاستراتيجية. فسورية الحرة لا تُبنى بإرادة سياسية قوية فحسب، بل بمؤسسات تتسع لتعدد الآراء، وتحول التنوع الفكري إلى مصدر قوة، وتجعل الحوار المؤسسي وسيادة القانون أساساً لصناعة القرار.
وعندها يصبح مجلس الشيوخ امتداداً عملياً للدعوة التي أطلقها الرئيس بأن يكون العمل العام قائماً على المسؤولية والكفاءة، وأن تتحول مؤسسات الدولة إلى جسور للتوافق الوطني، ومنابر للحكمة، ودعم للدولة، وصوت لمصالح السوريين جميعاً.
إنها فكرة تستحق أن تُناقش بجدية داخل لجنة إعداد الدستور، لأن بناء سورية الحرة لا يحتاج إلى مؤسسات أكثر عدداً فحسب، بل إلى مؤسسات أكثر حكمة
.
ملحق العربي الجديد



طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق