مع اقتراب انتهاء مهلة استبدال العملة القديمة، لمست جولة لنا تضييقاً تدريجياً في منافذ الاستبدال، إذ اقتصر المصرف العقاري في محافظة دمشق على استقبال طلبات الاستبدال في فرع بدمشق، فيما توقفت بقية الفروع عن استلام العملة القديمة، بينما حددت فروع المصرف التجاري السوري سقف الاستبدال بمليون ليرة، وفي المقابل، اعتذرت شركات الصرافة والحوالات عن استقبال العملة، بالتزامن مع توقف عدد من أصحاب وسائل النقل والتجار وشركات التوصيل والبيع الإلكتروني عن التعامل بها، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول انعكاسات مرحلة سحب العملة القديمة على المواطنين، ولا سيما في ظل الشروط الجديدة التي أعلنها مصرف سورية المركزي.
الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم يرى في حديث له أن البيان الصادر عن مصرف سورية المركزي يستحق قراءة دقيقة، لأنه يتضمن تفاصيل تقنية تبدو في ظاهرها إجراءات تنظيمية، لكنها تحمل في جوهرها آثاراً اقتصادية واجتماعية عميقة، لافتاً إلى أن البيان أعلن بدء مرحلة سحب الأوراق النقدية القديمة اعتباراً من 31 تموز 2026 ولمدة خمس سنوات، على أن يتم التنفيذ حصراً عبر مصرف سورية المركزي في دمشق باعتباره المركز الوحيد المعتمد لاستقبال طلبات السحب، كما حدد شروط تقديم الطلب، بحيث لا يقل عدد الأوراق النقدية عن 100 ورقة من أي فئة، مع عدم قبول الطلبات التي تقل عن هذا العدد، على أن تحول القيمة المستحقة بعد التدقيق والموافقة إلى الحساب المصرفي المحدد بالليرة السورية الجديدة.
الفرق بين الاستبدال والسحب
ويؤكد عبد الكريم أنه قبل تحليل هذه الشروط، لا بد من توضيح الفرق بين مرحلتي الاستبدال والسحب، لأن كثيرين يخلطون بينهما، فمرحلة الاستبدال التي تنتهي في 30 تموز كانت عملية مباشرة يحصل خلالها المواطن على النقد الجديد فور تسليم النقد القديم، وفي المكان نفسه وخلال دقائق ومن دون أي رسوم، أما مرحلة السحب التي تبدأ في 31 تموز فهي ليست عملية استبدال، وإنما عملية إيداع مصرفي، يتقدم خلالها المواطن بطلب مرفق بالأوراق النقدية، ثم يخضع الطلب للتدقيق والموافقة، قبل أن تُقيّد القيمة في حساب مصرفي باسمه.
ويشير إلى أن الفرق بين المرحلتين جوهري، ففي الأولى يخرج المواطن بنقد سائل بين يديه، بينما في الثانية يحصل على رصيد في حساب مصرفي قد لا يتمكن من سحبه بحرية، في ظل استمرار القيود المفروضة على السحوبات اليومية نتيجة شح السيولة لدى المصارف، وبذلك فإن من تأخر عن مهلة الاستبدال لا يخسر أمواله بالضرورة، لكنه يخسر سيولتها، وهي خسارة حقيقية في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النقد.
إقصاء جغرافي يرفع كلفة الاسترداد
ويرى عبد الكريم أن أول الآثار المباشرة لهذه الشروط يتمثل في الإقصاء الجغرافي، إذ إن حصر استقبال الطلبات بمركز واحد في دمشق يعني أن مواطنين في الحسكة أو دير الزور …سيضطرون إلى قطع مئات الكيلومترات لاسترداد قيمة أوراق نقدية قد تكون أقل من كلفة الرحلة نفسها.
ويوضح أن سعر ليتر البنزين أوكتان 95 يبلغ 149 ليرة جديدة، بينما يبلغ الحد الأدنى للأجور 12,560 ليرة جديدة شهرياً، أي نحو 419 ليرة يومياً، ما يعني أن رحلة الذهاب والإياب إلى دمشق، مضافاً إليها يوم عمل ضائع وربما تكاليف مبيت، قد تعادل عدة أيام من دخل المواطن، ويصف ذلك بما يعرف اقتصادياً بـ”كلفة المعاملة”، أي الكلفة التي يتحملها الفرد لإتمام عملية اقتصادية بصرف النظر عن قيمة العملية نفسها، وعندما تصبح هذه الكلفة أعلى من قيمة المعاملة، فإن القرار الاقتصادي المنطقي يكون الامتناع عنها، وهو ما يعني عملياً أن جزءاً من الكتلة النقدية القديمة سيبقى خارج عملية الاسترداد.
عتبة تستبعد صغار الحائزين
ويشير عبد الكريم إلى أن الأثر الثاني هو الإقصاء بحد أدنى للكمية، فالشرط القاضي بتقديم ما لا يقل عن 100 ورقة نقدية يبدو تنظيمياً بريئاً في ظاهره، لكنه هو فعلياً هو عملياً يستبعد شريحة واسعة من صغار الحائزين للعملة.
ويبين أن مئة ورقة من فئة 5000 ليرة قديمة تساوي 500,000 ليرة قديمة أي 5,000 ليرة جديدة، وهي بسعر الصرف الرسمي البالغ نحو 122.50 ليرة جديدة للدولار تعادل نحو 41 دولاراً، أما مئة ورقة من فئة 1000 قديمة فتساوي 1,000 ليرة جديدة أي نحو 8 دولارات، ومئة ورقة من فئة 500 قديمة تساوي 500 ليرة جديدة أي نحو 4 دولارات، ومئة ورقة من فئة 50 قديمة تساوي 50 ليرة جديدة أي أقل من نصف دولار.
ويلفت إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن من يمتلك 99 ورقة من فئة 5000 ليرة يحمل ما قيمته 4950 ليرة جديدة، أي ما يقارب 40% من الحد الأدنى للأجور الشهري، ومع ذلك لا يستطيع تقديم طلبه لأنه ينقصه ورقة واحدة.
كما يحذر من أن تفسير الشرط على أنه يشترط مئة ورقة من كل فئة على حدة، وليس مئة ورقة إجمالاً، سيؤدي إلى توسيع دائرة الإقصاء،
لأن معظم الحيازات المنزلية تتضمن فئات مختلطة، مؤكداً أن المصرف المركزي مطالب بتوضيح المقصود بهذا الشرط بشكل عاجل، لأن الغموض في هذه الحالة قد يكلّف المواطنين أموالهم.
الفئات الصغيرة.. الحلقة الأضعف
ويعتبر عبد الكريم أن أخطر آثار هذه الشروط يرتبط مباشرة بمصير الفئات الصغيرة، إذ إنها تؤدي عملياً إلى تصفية قاعدة الهيكل النقدي القديم. فالأوراق الأكثر عرضة للإهمال هي الفئات الصغيرة من 50 و100 و200 وخاصة الـ 500 ليرة قديمة، وهي نفسها التي أدت طوال فترة التعايش النقدي دور “الفكة” في التعاملات اليومية.
ويعزو ذلك إلى انخفاض قيمتها الفردية، وإلى أن جمع مئة ورقة منها يتطلب جهداً كبيراً مقابل قيمة لا تتجاوز بضعة دولارات، فضلاً عن أن كلفة الوصول إلى دمشق تفوق قيمتها بالكامل.
وبذلك، فإن هذه الفئات ستخرج من التداول قانونياً مع نهاية تموز، كما ستخرج اقتصادياً من دائرة الاسترداد، في وقت لم تُطرح فيه بعد الفئات الصغيرة الجديدة التي يفترض أن تحل محلها، وهو ما يصفه بأنه فجوة بنيوية في تصميم الإصلاح النقدي، وليست مجرد فجوة زمنية.
أرباح غير مطالب بها
ويشير عبد الكريم إلى أثر آخر يتمثّل فيما يُعرف بالأرباح غير المطالب بها، موضحاً أنه عندما لا تعود نسبة من الأوراق النقدية إلى المصرف المركزي، فإن الالتزام المالي المقابل لها يختفي من ميزانيته، وهو ما يشكّل ربحاً محاسبياً للدولة يعرف في الأدبيات النقدية بـ”ريع الإصدار”.
ويبيّن أن حجم النقد الصادر قبل عملية الاستبدال بلغ نحو 42 تريليون ليرة قديمة، أي ما يعادل 420 مليار ليرة جديدة موزّعة على نحو 13 مليار قطعة نقدية، وإذا لم تعد نسبة تتراوح بين 3 و5 بالمئة من هذه الكتلة بسبب صعوبة الشروط أو تلف الأوراق أو فقدانها أو إحجام أصحابها عن استردادها، فإن القيمة التي ستتحوّل من التزام على الدولة إلى مكسب لها ستتراوح بين 12 و21 مليار ليرة جديدة، ويؤكد أن هذا تقدير توضيحي وليس رقماً مقاساً، لكنه يوضح حجم ما هو على المحك، وخاصة أن الخسارة ستقع غالباً على الفئات الأقل دخلاً والأبعد جغرافياً والأقل ارتباطاً بالنظام المصرفي.
الحسابات المصرفية والشمول المالي
ويضيف أن اشتراط تحويل القيمة إلى حساب مصرفي يفترض أساساً أن مقدم الطلب يمتلك حساباً مصرفياً، بينما يعتمد الاقتصاد السوري بدرجة كبيرة على التداول النقدي المباشر، ويعاني من ضعف الشمول المالي، أي انخفاض نسبة السكان الذين يمتلكون حسابات مصرفية وأدوات دفع رسمية.
ويرى أن هذا الشرط قد يستبعد شريحة واسعة من المواطنين قبل النظر في أي شرط آخر، ورغم أنه منطقي من زاوية الرقابة وتتبع الأموال، إلا أنه يحتاج إلى إجراء مواز يتمثل في تسهيل فتح حسابات مصرفية مبسطة ومنخفضة المخاطر لمقدمي الطلبات في الوقت نفسه، حتى لا يتحول من أداة تنظيمية إلى حاجز يمنع الوصول.
التدقيق.. ضرورة رقابية وآثار جانبية
ويختتم عبد الكريم بالإشارة إلى أن عبارة “بعد التدقيق والموافقة” تعني عملياً بحكم خبرته في مجال الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل، إخضاع الطلب لإجراءات العناية الواجبة والتحقق من مصدر الأموال، وهو إجراء يراه ضرورياً ولا غنى عنه في مرحلة إعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالنظام المالي العالمي.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من آثار جانبية محتملة، إذ قد يعزف أصحاب الحيازات النقدية الكبيرة غير الموثقة عن التقدم بطلبات السحب خشية المساءلة، فيلجؤون إلى تجزئة المبالغ عبر عدة أشخاص، وهو ما يعرف بالتجزئة أو التركيب ويعد بحد ذاته مؤشراً للمخاطر، أو يحتفظون بالأوراق من دون استردادها، وهو ما يؤدي في الحالتين إلى إضعاف الهدف من العملية، لذلك يدعو إلى نشر مصفوفة واضحة ومتدرجة تحدد الحدود التي تبدأ عندها متطلبات التوثيق المشددة، بما يطمئن أصحاب المبالغ الصغيرة والمشروعة، ويمنع في الوقت ذاته استغلال النظام من قبل أصحاب الأموال الكبيرة مجهولة المصدر.
الوطن