في الزارة وعقرب بحماة، وكفر صغير وخان العسل بحلب، وقلب لوزة واشتبرق في إدلب، وقبيلة الشعيطات في دير الزور، المبعوجة في سلمية، وفي تدمر واللاذقية وعدرا…والقائمة تطول بأسماء مجازر خلفتها وحوش هاجمت سكاناً آمنين في منازلهم وعلى أسرّتهم.
الضحايا بالعشرات وغالباً بالمئات، رحل أكثرهم بطريقة موت لا تفي كلمة وحشية لوصفها: ذبحاً ونحراً للبطون، اغتصاباً وتقطيعاً، سلخاً وشيّاً لأطفال أحياء، جرائم كل من اقترب من معرفة بعض تفاصيلها يقول إن التاريخ لم يشهد لها مثيلاً.
لا تقتصر الجرائم المرتكبة على هذا النوع من المجازر الجماعية التي سبق ذكرها، بل هناك مئات أنواع الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين، وإذا التزمنا بالتعاريف الدولية للإبادة الجماعية نكتشف أن الكثير من دول العالم ساهمت أو مولت مجموعات ارتكبت آلاف المجازر في سورية، خاصة عندما يكون تعريف الإبادة الجماعية يطول حتى تهجير الناس من منطقة لأخرى، وانتهاك الحقوق الشخصية لمجموعة أو نقلها من مكان لآخر، وهذا كله يصنف تحت بند جرائم جماعية كما يقول رئيس قسم الطب الشرعي في جامعة دمشق د. حسين نوفل.
ومن ضمن متابعاته يؤكد د. نوفل توثيق أكثر من 18 ألف حالة سرقة أعضاء أغلبها في تركيا، وأنه منذ 2011 حتى الآن تشيع مشافي دمشق وريفها نحو 40 – 50 شهيداً يومياً، و تستقبل نحو 100- 150 جريحاً، وأنه تابع عملية مطابقة (DNA) لأشلاء ملأت أكثر من 34 كيساً تسبب بها أول انفجار حصل في منطقة أمن الدولة خلال عام 2011.
عدد القذائف التي سقطت في الأراضي السورية لعام 2015 نحو 31326 قذيفة وصاروخاً ومدفعية جهنم، ونحو 21 ألف قذيفة في العام الذي يليه.
في هذه الندوة الكثير من المعلومات والقضايا عن الجرائم الإرهابية التي ترتكب في سورية وكيفية تعامل الجهات الرسمية والدولية معها، وذلك من خلال مشاركة اختصاصي الطب الشرعي ومدير هيئة الطب الشرعي سابقاً د. حسين نوفل،ورئيس قسم الطب الشرعي في جامعة دمشق الذي كان متابعاً ميدانياً لضحايا أغلبية الجرائم التي حصلت مع المدنيين والعسكريين. ورئيس تنفيذ الأحكام الجزائية في محكمة قضايا الإرهاب أحمد فجر عيسى، وعضو مجلس الشعب ومقرر لجنة الأمن الوطني أيمن حروق،وبمشاركة كل من عضو مجلس الشعب د.محمد خير العكام، وعضو لجنة تعديل قانون الإرهاب، والمحلل السياسي د. طالب إبراهيم.
محاور عدة نوقشت في هذه الندوة منها ما يتعلق بكيفية حفظ حقوق الضحايا، وما الأسباب التي حالت دون إيصال الحجم الحقيقي للإجرام بحق السوريين إلى العالم؟ وما هي المسؤولية القانونية والدولية للجهات الداعمة، أو التي تنفذ الجرائم.
هذا بعض مما يحصل
لأنه عمل في الميدان وتابع الكثير من الجرائم الإرهابية التي حصلت خلال الحرب كان لما يقوله رئيس هيئة الطب الشرعي سابقاً وأستاذ الطب الشرعي في جامعة دمشق الدكتور حسين نوفل وقع خاص، فقد ذكر أنه منذ يوم 18 آذار من عام 2011 وحتى هذه اللحظة تطورت وارتفعت نسبة الأعمال الإجرامية، وطغى موضوع العنف المرتبط بالأعمال الحربية أو المسلحة من قتل، خطف، تشويه، انفجارات، هاونات.. وأكد د.نوفل أن هناك أكثر من 18 ألف حالة سرقة أعضاء أغلبها في تركيا، وأن مشافي دمشق وريفها تشيع يومياً 40-50 شهيداً، وتستقبل أكثر من 100- 150 جريحاً.
ولأنه يريد الالتزام بالإحصاءات الرسمية أعاد تأكيد الرقم المعتمد عن عدد ضحايا الحرب على سورية والمقدر بأكثر من 400 ألف ضحية، رغم تأكيده أن الرقم أعلى من هذا، وأنه في الحروب يتضاعف عدد الجرحى قياساً بالضحايا من 5- 10 أضعاف كما في المعايير الدولية أي أن عدد المصابين يفوق2-4 مليون مصاب كما يضيف د. نوفل.
وعن أفظع الجرائم التي كشف عليها ذكر نوفل الكثير من الارتكابات الفظيعة التي تم توثيقها كاغتصاب الضحايا قبل القتل، وتشويه الجثث وسرقة أعضائها، والمرعب في الأمر أن الكثير من هذه الجرائم تم على مرأى من الأهل والأقارب كما أكد.
وأن أكثر المجازر وحشية كانت المجزرة التي ارتكبت في ريف اللاذقية وقد وثقوا في مقبرة واحدة 50 جثة تعرضت لكل أنواع التعذيب، علماً أن الطب الشرعي لم يصل إلى كل الارتكابات التي حصلت، تليها الجرائم التي ارتكبت في مدينة عدرا العمالية، وقد عثروا على 250 جثة أجريت عليها الدراسات وتم التعرف على بعضها، في حين تم العثور على 50 جثة من الجيش في منطقة التل في مقبرة واحدة، تبين أنها دفنت في الوقت ذاته، وكانت كل الجثامين معصبة العينين ومقيدة الأيدي أي أسرى.
وذكر نوفل أن ضحايا التفجير الذي وقع في منطقة أمن الدولة وفرع المنطقة أودى بحياة الكثيرين، وأنه تم وضع الأشلاء التي نجمت عن التفجير في أكثر من 34 كيساً لا يقل طول الواحد عن المترين.وقد استغرق ترقيم وتحليل الـ ( DNA) لمعرفة أصحاب هذه الأشلاء جهداً وعملاً طويلاً.
لا تعرف اسم الزوج!
ومن القضايا التي طرحها د. نوفل الجرائم التي ترتكب بحق النساء من حالات زواج قسري، أو تزويج فتيات بقصد التجارة أكثر من ثلاث مرات في العام، حتى أن بعضهن يسألن عن اسم الزوج فلا يعرفن، وبعضهن تجيب بلقبه كقول إحداهن أن أسم زوجها( أبو مصعب) وهذا يعني مولوداً مجهول النسب، أي أن مشكلة مجهولي النسب من أكبر القضايا الاجتماعية التي ستواجهها سورية بعد توقف الحرب.
كما أن كل شخص عمره دون 21 عاماً خارج سورية يحتاج إلى تحديد هوية واستعراف، لأنه خرج من سورية قبل الحصول على الهوية التي يتم الحصول عليها في سورية بعمر 14 عاماً، وهذا يعني أنه يحتاج إلى تحليل DNA، أو تحليل عن طريق القزحية والأسنان وكل هذا يحتاج إمكانات هائلة تعجز عنها أغنى دول العالم، ومع الأعداد الكبيرة من المهجرين والمقدر عددهم بين 5- 6 ملايين نسمة يصبح حجم الأعمال المطلوبة تنوء بها أكثر الدول المتطورة، ولاسيما أن 60% من سكان سورية في العقود الأخيرة تحت سن الـ 15 عاماً أي أن أكثر من 3,5 ملايين شخص في الخارج يحتاجون هذا النوع من الاختبارات.
وأكد نوفل أن عام 2014 شهد نوعاً رائجاً من الجرائم التي يمكن تسميتها الاتجار بالبشر ولم تتم محاكمة أي قضية تحت هذا العنوان في هيئة مكافحة الاتجار بالبشر، وما يحصل أن هذا النوع من الجرائم تتم محاكمة مرتكبيه تحت دعاوى أخرى كقضية «الدعارة» مثلاً.
ومن الجرائم التي ارتكبت خلال هذه السنوات جرائم الخطف، وما يتعرض له المخطوفون حتى أن الأهل لا يستطيعون التعرف على أبنائهم بسبب التغير الكبير في أشكالهم وملامحهم. ويؤكد نوفل أنهم يحاولون الاستفادة من تجربة قبرص في طريقتها بالحل التي اعتمدتها أثناء النزاع بين الأتراك واليونان، ومن الحلول المتبعة من قبل «تشيكوسلوفاكيا» لحل النزاع بين الصرب والبوسنة، حيث اتخذوا قراراً بعدم الملاحقات الجنائية، كي يسهل التعامل مع الحالات الإنسانية، وهذا يفترض السرية في كل مراحل التحقيق.

كل الأنواع المميتة
وضمن السياق ذاته أكد المحلل السياسي الدكتور طالب إبراهيم أن الإحصاءات وثقت أكثر من 7 آلاف جريح لعام 2015 بسبب القذائف فقط، ونحو 1370شهيداً في المناطق المدنية التي لا يوجد فيها قتال، ونحو 4 آلاف جريح في العام التالي، و800 شهيد، وأن العدد الإجمالي للقذائف التي سقطت في الأراضي السورية على المناطق المدنية والمحاصرة مثل كفرية والفوعة ونبل والزهراء كانت في عام 2015 أكثر من 31326 قذيفة وصارخاً ومدفعية جهنم، بينما في 2016 كان عدد القذائف 21 ألف قذيفة.
أما السيارات المفخخة لعام 2015 التي أودت بالكثير من أرواح السوريين فقد وصلت إلى 635 سيارة مفخخة، في حين بلغت الهجمات الانتحارية في 2015 نحو 43 هجوماً انتحارياً، وفي عام 2016 حصل 6 تفجيرات.
العدل توثق
رئيس تنفيذ الأحكام الجزائية في محكمة قضايا الإرهاب القاضي أحمد فجر عيسى تحدث عن دور النيابة العامة في الإشراف على عمل أجهزة الضابطة العدلية، و توثيق الجرائم وملاحقة مرتكبيها في حال معرفتهم, وأكد أن وزارة العدل قامت بتشكيل لجان لتوثيق الجرائم الإرهابية، والجرائم ذات الطابع الدولي، والجرائم الواقعة على الطفل والمرأة أو التي طالت دور العبادة والممتلكات العامة والخاصة.
أضاف عيسى أنه لم تنشر تفاصيل أي جريمة في الإعلام، إلا تم توثيقها وتحريك الدعاوى بحق مرتكبيها في حال كانت ملفاتها كاملة، وقد وصل عدد الضبوط التي نظمت في محافظة حلب مثلاً إلى 17 ألف ضبط خلال خمس سنوات، وتم توثيق أغلب الاعتداءات الإرهابية بقذائف الهاون والصواريخ محلية الصنع والتفجيرات الإرهابية في السيارات المفخخة التي طالت تجمعات المدنيين والمدارس وغيرها من الممتلكات العامة والخاصة، ورأى أن هذه الضبوط تصلح للقيام بملاحقة مرتكبي هذه الجرائم، وهذا حق وواجب على الدولة السورية، وعلى المتضررين مراجعة النيابات العامة في المحافظات واتخاذ صفة الادعاء الشخصي لضمان حقوقهم.
مجزرة عقرب
وأضاف القاضي عيسى أن محكمة قضايا الإرهاب تنظر في جميع الجرائم الإرهابية سواء وقعت على عسكريين أو مدنيين.
وعن عدد المجازر التي تم توثيقها وحركت دعاوى بشأنها ذكر أن الجرائم التي ارتكبت في ريف اللاذقية الشمالي وثقت ولديهم أكثر من 80 ادعاء شخصياً وأن عدد الضحايا المسجلين في تلك المجزرة أكثر من 160 شهيداً، وأنها وثقت بشكل دقيق وحتى بالصور الفوتوغرافية وتقارير الطبابة الشرعية، أما الذين لم يتم العثور على جثامينهم فقد صنفوا بحكم المخطوفين أو المبعدين قسرياً.
وعن مجزرة عقرب التي حصلت في عام 2012 أكد رئيس تنفيذ الأحكام الجزائية في محكمة قضايا الإرهاب أن هذه المجزرة موثقة ويوجد 38 ادعاء شخصياً وشهوداً للحق العام وتقارير صحفية تؤكد ما ورد في ادعاءات المدعين الشخصيين وتحمل الجماعات الإرهابية في تلك المنطقة مسؤولية تلك المجزرة، وكما غاب الكثير من تفاصيل الجرائم المرتكبة من قبل الإرهابيين عن الإعلام كذلك حال هذه المجزرة. وأكد القاضي أنه تم تحريك دعاوى ضد 205 أشخاص ممن يشتبه في ضلوعهم بالمجزرة المذكورة وهم حالياً ملاحقين قضائياً وفق الأصول والقانون.
دعاوى دولية
وعن موضوع الدعاوى الدولية التي رفعتها الدولة أو الأشخاص قال: إن وزارة العدل جهزت عدة ملفات بهذا الشأن مثل ملف سرقة معامل حلب، التي وثقت جميعها، مؤكداً أن جميع المجازر هي موضوع دعاوى موثقة، وكذلك الحال مع مجزرة سجن حلب وقرية حطلة في محافظة دير الزور.
وأكد القاضي عيسى أن وزارة العدل تتابع جميع الضبوط، كحي الزهراء في حمص مثلاً حيث تم توثيق نحو 49 تفجيراً بسيارات مفخخة استهدفت تجمعات المدنيين الآمنين في ذلك الحي، ومنها ما تم بأسلوب متتابع يظهر نهج الجماعات الإرهابية ومشغليهم في إيقاع أكبر عدد ممكن من الشهداء والإصابات، وتم تنظيم تلك الضبوط وجميع الأدلة بإشراف قضائي، ووزارة العدل تستقبل ادعاءات ذوي الشهداء والمتضررين من تلك الجرائم وغيرها من الجرائم، ليتم استكمال تلك الملفات وتحريك دعاوى الحق العام بتلك الجرائم.
أما بالنسبة للصعوبات التي تواجه العمل فقد شكلت وزارة العدل لجنة من المختصين بالقانون للعمل على إجراء مراجعة شاملة لقانون مكافحة الإرهاب ووضع مشروع قانون جديد يستدرك النقص ويذلل العوائق القانونية التي كانت تعرقل العمل.
توحدها الأهداف
عضو مجلس الشعب ومقرر لجنة الأمن الوطني أيمن حروق رأى أنه لا يمكن تحديد أعداد ومواصفات الجرائم المرتكبة ولا حتى التشابة أو الاختلاف بينها، لأن قاعدة البيانات يمكن أن تكون موجودة لدى القضاء السوري، ولكن عموماً العدد الأكبر من الجرائم المنظورة أمام القضاء السوري هو تمويل الإرهاب بالدرجة الأولى، تليها الجرائم الأخرى من خطف وقتل واعتداء على نقاط وحواجز عسكرية وتدمير منشآت اقتصادية وسرقات، منوهاً بأنه رغم اختلاف طبيعة هذه الجرائم لكنها تدخل كلها تحت عنوان جرائم إرهابية وفقاً لأحكام قانون الإرهاب المعمول به حالياً. ورأى أن وجه الشبه فيما بينها هو في أهدافها: تدمير الدولة بجميع مكوناتها .
وعن توثيق هذه الجرائم والجهات المسؤولة عن هذا الأمر بيّن أنه كان يفترض على كل النيابات العامة والضابطة العدلية على مستوى النواحي والمناطق والتي تخضع لسلطة الدولة، أن توثق كل الوقائع والجرائم المرتكبة إن كانت مادية أو جسدية، بتنظيم ضبوط وتوثيق مصور بناء على طلب من نقابة المحامين المركزية إلى رئاسة مجلس الوزراء.
وأضاف حروق أنه تم توثيق جميع الأضرار التي وقعت على المنشآت الحكومية وتم تحديد الأضرار، وأن هناك ملفاً كاملاً لدى نقابة المحامين يتضمن كل ما يرد إليها وما يتعلق بأضرار المنشآت الحكومية من العمليات الإرهابية، مشيراً إلى أن نقيب محامي سورية نزار اسكيف أعطى تعليمات واضحة وصريحة لجميع فروع نقابة المحامين بالإيعاز لأي مواطن تعرض لضرر مادي أو جسدي مراجعة فرع النقابة في محافظته لتوثيق ما تعرض له من خلال العمليات الإرهابية ليتم إعداد ملف دعاوى خاص بذلك ومن دون أتعاب.
حفظ الحقوق
ويرى حروق أن طريقة التعامل مع الجرائم وكيفية حفظ حقوق الضحايا لا يكون إلا من خلال ادعاء مباشر يقوم به ذوو المتضررين، وأن تتوافر لديهم عناصر الصفة والمصلحة، ليتم قبول الادعاء حيث يقوم أهل المتضرر بالادعاء إلى القضاء من خلال توثيق الواقعة بضبوط واضحة لتكون المستند الرسمي لدى الجهة القضائية لتحريك الادعاء بحق الجهات المسؤولة عن ارتكاب الجرائم.
وذكر حروق ضرورة تمثيل الدولة السورية كضحية للإرهاب في الخارج قائلاً: إن الحرب الإعلامية الكاذبة والمزورة للحقائق ولما يجري على مساحة سورية أدى إلى تشويه الحقائق وقلب المفاهيم، وللأسف الدول التي تحالفت وتكالبت ضد سورية عدّت هذه الهمجية على سورية «ثورة» وتجاهلت ما فعلت هذه الكذبة من قتل وتدمير بقصد إسقاط مكونات الدولة السورية، ليحل بدلاً منها عصابات متزمتة همجية لا تؤمن إلا بسفك الدماء للوصول إلى غايتها.
ونتيجة الدعم الخارجي للإرهاب الممنهج الذي وقع على بلدنا وأمام هذا الواقع نحن بحاجة لقضاء دولي محايد ومستقل وغير مسيس، وهذا في الوقت الحالي غير متوافر، ولكن بدأت الأمور تتبلور وستتغير المعطيات والمفاهيم وسيعرف جميع الأعداء قيمة ما قدمته سورية من تضحيات في مقارعة إرهابيي العالم.
أما المسؤولية القانونية الدولية للجهات الداعمة للمتنفذين والداعمين لهؤلاء الإرهابيين، فيؤكد حروق أن هذه المسؤولية حددها القانون الدولي والقوانين الوطنية وهي صاحبة الولاية والاختصاص في ذلك، وهنا تقع المسؤولية الكبيرة على الدول الداعمة للإرهاب لأنها خالفت ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ مجلس الأمن الدولي مبيناً أن كل من دعم العصابات الإرهابية والإرهابيين خالف قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بدءاً من القرار 1267-1373- ومروراً بالقرار 2170-2178-2199-2253 ويمكن تحميل تلك الدول الداعمة والممولة مسؤولية دولية وإحالتها إلى محكمة الجنايات الدولية عن طريق مجلس الأمن، إضافة إلى إمكانية رفع دعاوى ضدها لدى المحاكم الدولية والوطنية ذات الاختصاص، ولفت إلى أن مدير إدارة قضايا الدولة يمثل الحكومة في تنظيم الوكالات، وتوكيل من يريد لاتخاذ صفة الادعاء وبناء عليه قامت نقابة المحامين، وبناء على طلبها، بالحصول على توكيل بغية تقديم الادعاءات، مثلاً الدعوى التي أقيمت على فيصل قاسم لتحريضه على ارتكاب جرائم إبادة جماعية وتحريض طائفي، وكلنا على علم كيف كان يجيش ضد الدولة من خلال تزوير الحقائق وخلق الفتن عبر قناة (الجزيرة)، وقد صدر حكم بحق المذكور من محكمة الإرهاب، كما سبق أن تم إصدار مذكرة «للأنتربول» الدولي بحق أصالة نصري وتم توقيفها في مطار بيروت، إضافة إلى دعوى أقامها نقيب المحامين بحق اللبناني عقاب صقر بجرم تمويل إرهاب وتحريض طائفي وصدر قرار اتهام من قاضي الإحالة وأحيلت إلى محكمة الجنايات في دمشق.
وتحدث عن نماذج وتجارب من العالم الذي حصلت فيه مجازر مشابهة وكيفية الاستفادة منها لتحصيل حقوق الضحايا، مبيناً أن الحرب التي شنت على سورية لا شبيه لها في التاريخ، وأمام هذه المعطيات يجب أن يقف أعداؤنا قبل أصدقائنا لينحنوا لهذا الصمود. وفيما يتعلق بتحصيل حقوق الضحايا لفت إلى أنه يتم وفق القوانين الوطنية باعتبارها مختصة نوعياً ومكانياً ولكون الجرائم ارتكبت على الأرض السورية، وفي حال التنازع مابين القانون الدولي والوطني فالقانون الوطني هو المعني والأولى بالتطبيق مكانياً ونوعياً.
غير منظم
عضو مجلس الشعب، وعضو لجنة تعديل قانون الإرهاب د. محمد خير العكام رأى
أن التقصير في عملية توثيق الجرائم هدر الكثير من الحقوق، ووصف العمل بالضعيف وغير المنظم، وبأنه ردات فعل.
وعن دور مجلس الشعب تجاه الجرائم، ولاسيما الجماعية، قال العكام: إن دورهم هو إيصال كل ما يرد إلى المجلس من شكاوى وادعاءات للسلطات المختصة والتنفيذية بما فيها الوازرات متل وزارة المصالحة الوطنية والدفاع والداخلية وغيرها للنظر فيها.
أضاف العكام: لو أردنا الحديث من الناحية القانونية لوجدنا أن ما يجري في سورية- على مستوى الجرائم الإرهابية- لم يكتب له مثيل في التاريخ، ولم يمارس بحق أي شعب في العالم مثل الجرائم التي حدثت في سورية خلال السنوات السبع، وبالمقابل أكد أننا في سورية بجميع وزاراتها وجهاتها الحكومية وغير الحكومية يجب أن نسأل أنفسنا بصراحة وشفافية: هل قمنا بالدور المنوط بنا تجاه ما يحدث؟ وتأتي الإجابة: بالتأكيد، لا؟ علماً أنه كان بإمكاننا أن نقوم بجهد أكبر وأن نعمل بشكل أفضل.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم نقم بهذا الدور؟
بكل شفافية لأنه في الأساس توصيفنا لما جرى في سورية منذ بداية الأزمة لم يكن بالشكل الواضح والسبب وراء ذلك أنه ليس لدينا مؤسسة مؤهلة لإدارة الأزمات، كما أنه ليس لدينا معايير صحيحة للعمل لأن عملنا ضعيف وغير منظم، وما قمنا به هو ردات فعل لما يجري من أحداث.
قانون للإرهاب
وعن معالجة الدولة للموضوع من الناحية القانونية قال العكام: إن الجهات المعنية قامت بإعداد قانون الإرهاب 19 للعام 2012 علماً أنه كان لدينا ضمن قانون العقوبات السوري المادتان 304 و305- اللتان أوضحتا مفهوم- الجريمة الإرهابية.
وأكد أن القانون السوري من أول قوانين الدول التي توضح هذا المفهوم، ولكن تسارع الأحداث جعلنا بحاجة لأن يكون لدينا قانون إرهاب مستقل لإعطاء القليل من الخصوصية نتيجة ما يجري في سورية، مؤكداً أهمية إصدار قانون الإرهاب الذي كان له صدى ولاسيما أنه جاء في وقت مهم، لكن من خلال تطبيق هذه القانون مدة خمس سنوات وجدنا أن فيه العديد من الثغرات، وهناك محاولة في الوقت الحالي، ولو كانت متأخرة، لإعادة النظر فيه بشكل كلي، ولاسيما فيما يخص الجرائم وفيما يخص التمويل والانضمام إلى المنظمات الإرهابية والحفاظ على حقوق الدولة، ليصبح للدولة الحق في الادعاء على المنظمات الإرهابية ومن يدعمها مؤكداً أن هذه الأمور لم تكن في خلد المشرع عند إقرار القانون.
وأكد العكام أن ما يجري في سورية من أحداث أظهر أن هناك ثغرات ضمن بعض النصوص القانونية عموماً، ويجب تجزئتها إلى فقرات وهو ما يتم العمل عليه خلال المرحلة الراهنة، لافتاً إلى أنه بعد صدور قانون الإرهاب مثلاً قامت نقابة المحامين بتشكيل لجنة للدفاع عن الدولة مهمتها رفع الدعاوى المتعلقة بالأضرار الخاصة بالدولة السورية التي نجمت عن الأعمال الإرهابية وبشكل موثق، لكن هذه اللجنة للأسف لم تعط أي تسهيلات لوجستية أو مادية أو معنوية للقيام بواجبها، ما دفع أعضاء اللجنة إلى الانسحاب بصمت بعد أن تم رفع بعض الدعاوى أمام محكمة الإرهاب ومن ثم توقف عمل اللجنة، علماً أننا كنا مستعدين لتقديم كل ما لدينا من إمكانات لكن بالنتيجة لم يستثمر هذا العرض، لافتاً إلى أن الجميع يعرف أنه يوجد في أروقة الحكومة توثيق لجميع الأضرار الخاصة بكل وزارة على حدة.. لكن هل تحول هذا إلى دعاوى منظورة أمام محكمة الإرهاب؟ لا نعرف الإجابة عن هذا التساؤل!! لكن في المحصلة جميعنا مقصرون.
ضد دول
ولدى الاستفسار منه عن الدول المرشحة لرفع دعاوى عليها، قال: السعودية، قطر،تركيا، ولدينا أمور موثقة عنهم إضافة إلى التحالف الغربي المتمثل بحركة ما يسمى «داعش» إلا أنه حتى الآن لم يتم رفع أي دعاوى بهذا الشأن، لكن ضمن تعديل قانون الإرهاب سوف نلحظ هذه الثغرة لأنه حالياً لا يمكن الادعاء على أي دولة لا بالقانون الدولي ولا الوطني أي لا يمكن السماح بمحاكمة الدول، نستطيع فقط أن نحاكم أفراداً من هذه الدول.
وأشار إلى أن ما صدر في مجلس الأمن من قرارات يمكننا من أن نحمّل هذه الدول مسؤولية كبيرة والقرار21/99 يحمّل تركيا مسؤولية كبيرة، ولدينا صور ووثائق قضائية قد تخولنا خلال المرحلة القادمة رفع دعاوى على تركيا التي تخشى ضمنياً من هذا الإجراء، ورأى أن هذه مسؤولية وزارة الخارجية وبالتنسيق مع الجهات الأخرى كالدفاع والداخلية والصحة.
وأكد أنه يجب العمل بروح الفريق الواحد للوصول إلى النتائج المطلوبة رغم التأخير في العديد من الإجراءات، ورغم الحاجة الماسة للعمل بوتيرة أسرع، مؤكداً أن الوضع العام الحالي مناسب من حيث وضوح الرؤية واختلاف نظرة المواطنين لمجريات الأحداث.
تقصير واضح
وأكد العكام أن هناك تقصيراً في عملية توثيق الجرائم الأمر الذي سيهدر الكثير من الحقوق، علماً أنه هو الخطوة الأولى التي يجب العمل عليها، داعياً إلى تشكيل لجنة حكومية مهمتها التنسيق مباشرة بتوزيع الأدوار على جميع الوزارات والجهات المعنية للتوصل إلى صيغة مناسبة، لافتاً إلى أن عملية التوثيق في بداية الأزمة كانت فردية، ولم يتم توصيف ما جرى في سورية في بداية الأزمة، أما اليوم فالعمل يتم بشكل منظم من قبل وزارة العدل ودرجة التنسيق بين وزارات الدولة حتى على المستوى العسكري في تحسّن ملحوظ الأمر الذي يتيح الفرصة للعمل بشكل موثق أكثر.
وطالب د.العكام بتوزيع مهام واختصاص محكمة الإرهاب في مختلف المحافظات الأمر الذي ينعكس بشكل إيجابي على المواطن، لافتاً إلى أننا نضع ضوابط إجرائية قد نكون محقين فيها لكن نحن بحاجة إلى إعادة النظر فيها لأن هناك الكثير من الناس لم يتقدموا بشكوى عن ذويهم المخطوفين لتجنب الدخول في متاهة المحاكم والوصول إليها.
«بمفردنا!!»
المحلل السياسي د. طالب إبراهيم، وتعقيباً على محاور الندوة، قال: في بداية الأزمة طالبنا، كإعلاميين، الأجهزة الأمنية والمعنية بتشكيل لجنة مركزية إعلامية لتزويد المحللين السياسيين والمتحدثين من داخل سورية بقاعدة بيانات عما يجري، وكانت المعلومات متوافرة لدى الأجهزة الأمنية والعسكرية والجواب الذي تلقيته أنا شخصياً «تحدث بما تريد وعندما تخطئ سوف نحاسبك»!! هذا في الوقت الذي كنا نسعى ونبحث فيه عن أي معلومة من أجل استثمارها في حرب إعلامية طويلة ومعقدة، خاصة أننا كمحللين كان يمارس علينا شكل من أشكال الإرهاب الإعلامي من الإعلام الخارجي، فعندما كنا نتحدث على قناة الجزيرة كان هناك دائماً تشويش لعدم وصول المعلومة إضافة إلى التشويه الإعلامي الفظيع للجرائم الذي اتبعته القنوات المغرضة واستثمرته لمصلحتها سياسياً وهو شكل من أشكال الإرهاب.
وأضاف أن ما نفتقده حتى الآن هو قاعدة بيانات إعلامية ونحن نعمل بجهد فردي مرجعاً السبب إلى المعنيين في وزارتي الإعلام والخارجية، ومشيراً إلى أن التضليل في موضوع سارية وحمزة الخطيب، وغيرها من الصور التي كانت تثير الشارع كان يحتاج آلية عمل مختلفة عندنا.
حقوق محفوظة
أضاف إبراهيم أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم لذلك علينا الاستمرار بالعمل والتوثيق مع التأكيد على تكليف وزارة الخارجية بالتقدم بطلب عقد جلسة لمجلس الأمن لملاحقة داعمي الإرهاب في سورية أمام القضاء الدولي، وحجم التضليل والكذب وتزييف الحقائق قد يرتد باتجاه آخر لذلك علينا أن نعود مجدداً للتوثيق لتكون لدينا ذاكرة طويلة لأن الرياح السياسية سوف تتغير وسيصل صوتنا، وعلينا في هذه الفترة أن نقدم جميع ملفاتنا لاستعادة حقوق الضحايا.
وأضاف إبراهيم أن حجم الحدث كبير، وحجم البؤر الساخنة التي يشتبك فيها الجيش كبير أيضاً، فقد كانت الذروة تصل إلى 1835 بؤرة اشتباك، بعضها يصل إلى 10 نقاط كداريا مثلاً، أي حجم الهجوم كبير جداً، لكن الإعلام لم يكن مجهزاً لمواجهة الأزمة والانفتاح على الخارج، أما حالياً فالوضع اختلف.
وأكد إبراهيم ضرورة توجه كل أنواع الإعلام إلى الرأي العام العالمي وبلغته وبطريقة مهنية وحرفية، فهناك نقص في عدد المحللين السياسيين القادرين على التحدث باللغة الإنكليزية، مشيراً إلى أن هناك فشلاً في الوصول إلى الرأي العام بالأسلوب الإعلامي الصحيح و المهني.
حتى مواقع التواصل الاجتماعي كان من المفترض أن يتم استغلالها باللغة الإنكليزية وبأسلوب احترافي بعيداً عن الهجوم الإعلامي المباشر، لأن الإعلام مثل الحرب خدعة، كما أن الإعلام هو جزء من الحرب النفسية، فالإنسان يتلقى 70% من إحساساته عن طريق الصورة.
والجرائم والمجازر التي ارتكبت لم تستخدم في الإعلام كما يجب، ولم يكن هناك تشبيك مع محللين أساسيين في الدول العربية.
ورأى أن الوقت لم يفت وأن الحرب لم تنته، وسنواجه أشكالاً أخرى من الإرهاب والجرائم وينتظرنا عمل قانوني وأمني وإعلامي كبير جداً وعلينا استغلال ظرف الصدع القطري- السعودي، والسعودي- التركي وتذبذب موقف مصر، علينا أن نستغل هذا من أجل إعادة إظهار تلك الجرائم وربطها بحملات التضليل والتضليل المضادة
وأشار إلى أنه يتم العمل على تعديل قانون للشهداء، يشمل كل من سقط بسبب الأعمال الإرهابية وأثناء قيامه بمهمة عسكرية وعدّ كل من سقط أثناء الخدمة العسكرية شهيداً.
على امتداد القطر
ورأى إبراهيم أن خريطة الأعمال الإرهابية اتسعت لتشمل أغلبية القطر باستثناء محافظة طرطوس، وكان للعاصمة دمشق النصيب الأكبر من الهجمات الإرهابية بقذائف الهاون والصواريخ، في حين شهدت مدينة الحسكة أعلى معدل من السيارات المفخخة والهجمات الانتحارية التي قام بها تنظيم «داعش» أثناء محاولته اقتحام المدينة.
أما الهجمات الأكثر همجية فقد تركزت في مدينة حلب، التي شهدت تساقط ما يقارب العشرة آلاف جرة غاز من الاختراع التركي -القاعدي الذي يسمى مدفع جهنم، وهو أسطوانة غاز منزلي تصمم بطريقة تحولها إلى قذيفة تنطلق لمسافة 1500 متر تقريباً، وتتمتع بقدرة تدميرية تغطي حوالي 200 متر مربع، وقد رأى بعض القنوات الفضائية أن تصميم هذه الوسيلة الإجرامية إنجاز و إبداع لما سمته «ثوار سورية».

سيرياستيبس - تشرين