تجريب المجرب !؟ .. ..
د. نهلة عيسى ..
أخبار
تتناقلها الأفواه, ومواقع التواصل الاجتماعي في الشارع السوري, تبدو أقرب
للأماني منها لليقين عن تغيير أو ربما تعديل وزاري قريب, وهذا إن حدث لن
يغير في واقع حالنا حال, سوى أننا سنتلهى ليومين في معرفة من أتى ومن رحل,
ونتبادل التكهنات حول من كان خلف مجيء فلان, ومن خلف رحيل علان, إضافة إلى
أنه سيصبح للخيبة أسماء جديدة!.
لا شيء سيتغير مهما تعدلت الأسماء,
والعشر سنوات الأخيرة خير مثال, إذ تعاقب على الحقائب الوزارية أكثر من مئة
إسم جديد, بل (117), ولم يكن هناك من جديد, لأن العقل والفكر لم يتغيرا,
ولأن من يأتون بهؤلاء, لا يسمحون لهم بأن يفكروا, وبعضهم لا عيب فيه, سوى
أنه ليس صاحب قرار, بل مجرد موظف على درجة وزير!؟.
مثلهم مثل راتبي
في مواجهة قوائم الأسعار, راتبي لا يتجاوز الـ (70) دولار, والأسعار نار,
ولذلك أضع قوائم الأسعار في شنطة يدي وكأنها حجاب, علها تكفيني شر التفكير
في السوق والشراء, والوزراء, الذين يساهمون بعدم كفاءتهم, وقلة حيلتهم, في
قتلنا كمداً, ثم يطالبوننا بالتقشف بعد أن باتت كلمة الصمود أقل مما
يطلبون, ووصل بهم الحال إلى تحديد ما نحن بحاجته, وما هو كماليات, وانتهى
بهم الأمر إلى اعتبار “البندورة” رفاهية, ثم وبراءة الأطفال في عيونهم,
طلبوا منا إبداء الجدية في الموت!.
لذلك, بما أن “كريه الإسم” مصرٌّ
على البقاء في العلالي, والذهب غالي, والبصل والبطاطا والبندورة والمكدوس
والدواء والثياب والمدارس والملاعب والسجائر والهواء, سعرهم فوق العالي,
وأمريكا تلعب في منطقتنا دور “الوالي”, قررت على طريقة بديع الزمان
الهمذاني, ومقاماته الشهيرة, تذكير من فينا ذهنهم خالي, حيث لا يليق بمن
يحتاجون للتذكير, سوى مقام السخرية المُرَّة, وهم من يساعدون “بنسيانهم
والأصح عدم كفاءتهم” على قتلنا, ثم يطالبوننا بجدية, بإبداء الجدية في
الموت!.
لا شيء سيتغير إن تغيرت الأسماء, لأن من يقع على عاتقهم
واجب إدارة شؤون عيشنا, في ظل الحرب وتبعات الحرب, أفعالهم تشي بأنهم لا
يدرون بالحرب, وإذا درَوا يحملوننا أسبابها وليس فقط أعبائها, ويجعلون
قراراتهم الذابحة لنا من الوريد إلى الوريد, تبدو وكأنها سياحة في روزنامة
الإصلاح ومكافحة الفساد, وفي الحقيقة هي مجرد فرمانات مرتجلة الصنع,
نهايتها ستقود إلى وقوفهم فوق جثثنا “والكاميرات ترصد ملامح شجن تخفي
الفرح”, لتلاوة صلاة الشكر .. أنهم قد كافحونا!؟.
لا شيء سيتغير,
لأن من يديرون لعبة عيشنا يحولون صمودنا وصبرنا على مدار أكثر من عشر سنوات
حرب, إلى مسدسات تطال رؤوسنا بدون حياءِ “كاتم الصوت”, ونحن نعافر الخطى
على وقع نشازِ خطبهم الرنانة, التي تتحول إلى صديدٍ في آذاننا, وإلى هوانٍ
في بيوتنا, وإلى شعارات نغطي بها جثامين أصوات أطفالنا وهي تطالبنا ببعضٍ
من أدنى مقومات العيش الكريم!.
دفعنا تكاليف الحرب علينا, ووقفنا,
واستشهدنا في ساحات دمشق وريفها وحمص وحلب واللاذقية ودير الزور والرقة
ودرعا وإدلب والحسكة وطرطوس وتدمر الجريحة كل يوم من أيام السنوات التي
فاقت العشر, لأننا آمنا أن ذلك بروفة أخيرة لعرضنا العسكري في احتفال نصرنا
القادم, لكننا لم نكن ندرك أن يؤول بنا الحال إلى تعاطي الخطابات النارية
حول الوطن ممن يرون الوطن “دار مختار”, يشبه الطبيخ الفاسد, تناوله ينتهي
بطوفانٍ من النار يشب في الجوف ويحرق كل أمل, ويطالبنا بأن نكون شهود على
أن الوفاة طبيعية!.
صبرنا صادق .. ولكن من يديروننا في الوطن,
يجعلون من حالنا ما بعد العشر, أشبه باستبدال طاقم الثعالب القديم بطاقم
جديد, يرث طواقم أسنان الثعالب الهرمة, ويجيد السمسرة في جسد الوطن لمن
يبيع, ويقدم المزيد من دمائنا عربون ارتهان للسادة تجار الحرب, وكأننا إرثٌ
مطلوب تسليمه باليد أثناء تبادل السلامات بين “البكوات”!؟.
أخبار الوسط
*نائب عميد كلية الإعلام – جامعة دمشق