سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:24/08/2026 | SYR: 18:35 | 24/08/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 متى نتخلص من ثقافة التوقيف والاعتقال؟
24/08/2026      



سيرياستيبس 
عبيدة نحاس

أثارت وفاة الشهيد محمد غميرة بعد توقيفه في مخفر الحفة بريف اللاذقية غضباً واسعاً، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر من الحادثة نفسها: لماذا لا يزال التوقيف في سوريا إجراءً طبيعياً وسهلاً، بينما يفترض أن تكون حرية الإنسان هي الأصل، وأن يكون سلبها استثناءً تفرضه ضرورة حقيقية لحماية أمن المجتمع؟
ليس المقصود هنا استباق التحقيق في الواقعة التي أوقف على خلفيتها عدد من عناصر الشرطة المشتبه بمسؤوليتهم عنها، ولا إصدار الأحكام قبل أن يقول القضاء كلمته، وإنما مناقشة ثقافة ورثناها عن النظام البائد، نمت خلال الاستبداد حتى تسللت من القوانين وأجهزة الدولة إلى المجتمع.
لقد بنى النظام المجرم السابق منظومة قانونية وأمنية استسهلت سلب الإنسان حريته، حتى أصبح التوقيف إجراءً اعتيادياً في قضايا كثيرة، بما فيها حالات لا يشكل فيها الموقوف خطراً على المجتمع، ولا توجد خشية من فراره أو إضراره بالآخرين.
وبمرور الوقت تحول الاستثناء إلى عُرف. أصبح مألوفاً توقيف المواطن لمجرد حصول شكوى ضده، وقد تكون كيدية، ثم تسقط القضية عند أول عرض أمام القضاء، بعدما يكون المشتكى عليه قد قضى أياماً أو أسابيع موقوفاً، وتعرضت أسرته وعمله وسمعته لأضرار. بل سجلت حالات يسارع فيها المعتدي إلى الشكوى ضد المعتدى عليه ليتم توقيف الأخير، فالإجراءات تحابي من يشتكي أولاً.
وما يزيد الطين بلة، استمرار العمل بعرف فاسد، ساد في عهد النظام البائد بتوقيف المواطنين قبل بدء عطلة نهاية الأسبوع، لتطول فترة احتجازهم قبل عرضهم على القضاء. ينبغي أن نسأل: لماذا يُوقَف إنسان في قضية لا تتجاوز عقوبتها، حتى إن ثبتت، إنذاراً أو غرامة؟ وكيف نقبل أن يتعرض بريء لأي عقوبة قبل أن ينظر القضاء في قضيته، فما بالك إذا كان الإجراء أشد من العقوبة التي يمكن أن يتلقاها لو ثبت جرمه؟ ثم إن التوقيف قد يجعله عرضة للضرب والإيذاء، وهي ممارسات تكرست سابقاً في المخافر ومراكز التوقيف والسجون، وتشكل تعذيباً محرماً شرعاً وقانوناً.
لا تبدأ المشكلة من كيفية معاملة الإنسان بعد توقيفه فحسب، بل من السؤال الذي يجب أن يسبق: هل كان ينبغي توقيفه أصلاً؟ شهدنا توقيف أشخاص على خلفية قضايا مرتبطة بقانون الجرائم الإلكترونية، وما أثاره من اعتراضات شعبية، قبل أن توجه وزارة العدل بعدم التوقيف في هذه القضايا. وهذه خطوة، لكنها ينبغي أن تفتح الباب لمراجعة مفهوم التوقيف الاحتياطي والنصوص والممارسات التي جعلت سلب الحرية أسهل مما ينبغي.
فالتوقيف الاحتياطي ليس عقوبة، ولا يجوز أن يتحول إلى عقوبة مقنَّعة تسبق المحاكمة. ولا ينبغي اللجوء إليه إلا لضرورة حماية المجتمع أو سلامة التحقيق، وفق ضوابط وتحت رقابة القضاء. وقد رأينا حالات أفرج فيها القضاء عن موقوفين بعدما تبين عدم وجود ما يبرر توقيفهم، وهذا يفرض سؤالاً: لماذا أوقف هؤلاء من الأساس ومن يعوضهم عن انتهاك حقوقهم؟
فاستسهال سلب الحرية، ولو بدأ في القضايا الجنائية، يصنع أداة يمكن استخدامها في غير موضعها. لقد عرف السوريون في عهد النظام البائد كيف كانت الدعاوى الجنائية تستخدم أحياناً ستاراً لملاحقة المعارضين والانتقام منهم وتأديبهم. كانت بعض أذرع السلطة وعملائها تحرك شكاوى بحق من تريد استهدافه، فيكون الاعتقال في ظاهره إجراءً جنائياً، بينما تكون غايته سياسية.
ولهذا فإن ضبط التوقيف ضمانة لحماية سوريا الجديدة من عودة الاستبداد. فالمجتمع الذي يعتاد رؤية سلب الإنسان حريته بسبب شكوى أو شبهة، يجري تطويعه ليتقبل توقيفه غداً بسبب كلمة أو موقف أو رأي. إن الاستبداد لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل حتى يتحول من استثناء مستنكَر إلى ممارسات يتعايش معها المجتمع، ثم إلى أمر واقع يكتشفه بعد فوات الأوان. لقد قامت الثورة السورية من أجل حرية الإنسان وكرامته، وتكريس هاتين القيمتين في حياة السوريين ليس شعاراً، بل مبدأ يجب ألا نحيد عنه في قوانين دولتنا الجديدة ومؤسساتها وممارساتها وأعرافها.
كرامة الإنسان ليست مشروطة، ولا حكراً على من نحب أو نتفق معهم. وحتى سيئ السلوك، وبالتأكيد المريض أو المضطرب، لا يسقط حقه في الكرامة والحماية القانونية، ما لم يكن في سلوكه خطر على أمن المجتمع وسلامته يستوجب تقييد حريته وفق القانون. فلا يجوز أن نبحث في صفات الضحية أو أخطائها عن مبرر لإهانتها؛ فالدولة تحمي كرامة الإنسان لأنه إنسان، لا لأنها راضية عنه.
نحتاج اليوم إلى مراجعة تشريعية تلغي النصوص التي ورثناها عن النظام البائد واستسهلت سلب السوريين حريتهم. لكن ذلك قد يحتاج إلى وقت، بينما حماية حرية الناس لا تحتمل الانتظار. ولذلك ينبغي أن تصدر فوراً تعليمات صارمة بإلغاء إجراءات التوقيف غير المستندة إلى قرارات قضائية، إلا في الحالات الاستثنائية التي يحددها القانون، على أن يعرض الموقوف على القضاء فوراً. يجب أن يصبح سلب الحرية قراراً استثنائياً تبرره الضرورة، لا إجراءً تلقائياً تفرضه الشبهة أو مجرد تقديم شكوى.
ونحتاج إلى تغيير ثقافتنا تجاه حقوق الإنسان، حتى نرى حريته أمراً ثميناً، وسلبها إجراءً استثنائياً. هذا لا يعني التساهل مع المتهمين من مجرمي النظام البائد بجرائم القتل والتعذيب وغيرها، بل يجب ملاحقة المطلوبين منهم ومحاسبتهم في إطار القانون لا خارجه؛ لأن السماح بالانتقام خارج القانون يفتح الباب أمام ظلم جديد ويهدد السلم الأهلي ومسار العدالة الانتقالية.
كانت ممارسات النظام البائد في إذلال السوريين وسلب حرياتهم مشينة ومخجلة. ولا يجوز، بعد أن تحررت سوريا منه، أن نسمح لأدواته بالبقاء حية في أنفسنا وعاداتنا وقوانيننا ومؤسساتنا. يجب أن نتفق جميعاً على إغلاق الباب أمام الظلم والاستبداد والإجراءات التعسفية في سوريا إلى الأبد.


صحيفة الثورة 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس