سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:04/10/2026 | SYR: 14:11 | 04/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 مدرسة اللاييك... تغيّر الاسم وبقيت الذاكرة أمام السؤال
04/10/2026      

أعرق المدارس الدمشقية 🌸🌸اللاييك🌸🌸 تقع مدرسة اللاييك العريقة في قلب  مدينة دمشق في شارع بغداد تحديداً، ففي عام 1929 تم الاتفاق بين الحكومة  السورية والبعثة العلمانية الفرنسية، وتعهدت الحكومة السورية وقتها بتقديم

سيرياستيبس


كانت مدرسة اللاييك في دمشق عند ولادتها مؤسسة تعليمية نشأت في زمن كانت فيه سورية تحت الانتداب الفرنسي، أما قبل ذلك في العقود الأخيرة من العهد العثماني فقد كانت في سورية أنماط متعددة من التعليم، أكثر تلك الأنماط انتشاراً: الكتاتيب والمدارس الدينية التي كانت تشكل جزءا أساسيا من المشهد التعليمي إلى جانب مدارس قليلة في المدن الرئيسية اتخذت أساليب تعليمية أكثر حداثة وينتسب لها أبناء الفئة التي كان يمكن وصفها حينذاك بالنخبة من المجتمع السوري. كان مكتب عنبر واحدًا من أبرز عناوين تلك المرحلة، وتحت مسمى المدرسة السلطانية دُرّس فيه إلى جانب العلوم الدينية والقرآن والفقه، المنطق والأخلاق والتاريخ والجغرافيا واللغات العربية والفرنسية والتركية والفارسية وعلوم الرياضيات والفيزياء والمحاسبة.  
عندما دخلت سورية مرحلة الانتداب الفرنسي أصبحت اللغة الفرنسية جزءًا من المشهد التعليمي والثقافي، وصارت بعض الأسر السورية لا سيما في المدن ترسل أبناءها إلى تلك المدارس، وضمن تلك البيئة ظهرت مدرسة اللاييك.

    تغيير أسماء بعض المدارس ومنها مدرسة اللاييك التي أصبح اسمها في عام 1961 معهد الحرية

بدأ مشروع المدرسة عام 1929 من خلال اتفاق بين الحكومة السورية والبعثة العلمانية الفرنسية، وتم افتتاحها رسميا في تشرين الأول عام 1932، ولم يكن عدد طلابها حينها يتجاوز نحو ثمانين طالبا، أما تسمية المدرسة باسم "اللاييك"، فلم يكن خياراً اعتباطيا بل كان للتسمية ارتباطا بنظام التعليم العلماني الفرنسي كون الترجمة العربية لكلمة "لاييك/ Laïque" تعني "العلمانية"، وكان الهدف المقصود من إنشاء هذه المدرسة هو فصل المؤسسة التعليمية عن التوجيه الديني المباشر في المنهاج والإدارة، والانتقال من النموذج التقليدي لفكرة المدرسة الذي كان سائداً في فترة الحكم العثماني إلى نموذج حديث "في ذلك الوقت"، وتم تصميم بناء المدرسة ليستوعب أعدادا كبيرة من الطلاب ومن الجنسين، وليضم مرافق رياضية وأخرى ثقافية إلى جانب الصفوف الدراسية التي تدرس باللغة العربية والفرنسية، الأمر الذي كان يعكس معنى للمدرسة يتجاوز الصف الدراسي إلى مؤسسة تعليمية علمانية التوجه ومتكاملة.
في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي كان الفكر القومي العربي الاشتراكي في ذروة انتشاره بين فئة كبيرة من المثقفين، وأدى هذا إلى إقامة الوحدة مع مصر، وقد صدرت في تلك الفترة قوانين وقرارات لتحديد الملكيات والتأميم للمنشآت الاقتصادية من مصانع ومعامل وبنوك، لكنها لم تصل لتشمل القطاع التعليمي، فلم يتعد أثر الفكر الاشتراكي حينها فرض تعليم المناهج الحكومية وإلزامية التعليم باللغة العربية وتغيير أسماء بعض المدارس ومنها مدرسة اللاييك التي أصبح اسمها في عام 1961 معهد الحرية.
لم يكتب للوحدة الاستمرار طويلاً، فأعلن الانفصال في أيلول/ سبتمبر 1961، وإثر ذلك دخلت سورية مرحلة اضطرابات جديدة، وبدأت محاولات إعادة الحياة البرلمانية والحزبية التي كانت قائمة قبل الوحدة، لكن النفوذ العسكري كان هو المسيطر على المشهد حتى وقع انقلاب حزب البعث في آذار عام 1963، وليصبح في ما بعد هو الحزب الحاكم للدولة والمجتمع. وليتمكن من السيطرة على المجتمع فكريا بدأ في عام 1967 بالاستيلاء على المدارس الخاصة وتأميمها فأدخلها القطاع الحكومي وجعلها تابعة لوزارة التربية والتعليم، وهكذا فقد معهد الحرية/ اللاييك حريته الكاملة واستقلاليته في التعليم وفي الإدارة، وأصبح تابعًا للوزارة ولمناهجها مع منحه خصوصية انحصرت في تعليم اللغة الفرنسية بدءا من المرحلة الابتدائية، وكان للاتفاقية الفرنسية السورية بين وزارة التربية آنذاك وبين مؤسسة العلاقات الفرنسية الثقافية أثرها في منح هذا الاستثناء للمدرسة، وظلت المدرسة/ المعهد على هذا الحال حتى جاء عام 1994 بعد وفاة باسل الأسد الذي كان من خريجيها فسمّي المعهد باسمه حتى نيسان عام 2020، عاد اسم معهد الحرية من جديد.

    مدرسة اللاييك/ معهد الحرية، ستكون مثالاً غنيّا لمن يريد قراءة تاريخ سورية السياسي والاجتماعي من خلال ما طرأ من متغيرات على مؤسساتها التعليمية خلال قرن من الزمن

إن كل ما طرأ من تغيرات على المدرسة/ المعهد، كان مرتبطا بسياقات سياسية فارقة في حياة السوريين، ولم يكن أثر ذلك على تغيير اسمها ومرجعيتها فقط، بل أيضا شهدت تحولات بنيوية في البيئة المجتمعية لطلابها، خاصة خلال حكم عائلة الأسد، وكان هذا مرتبطًا في جانب منه بالسياسة الممنهجة التي اتبعها ذلك النظام في تغيير الهندسة الاجتماعية للمدن بشكل عام وفي دمشق بشكل خاص من أجل حماية بنية نظامه وتأمين الولاء السياسي له في العاصمة ومحيطها، وعلى الرغم من أن تلك التحولات التي طرأت على المدرسة جعلت الكثير من الدمشقيين يمتنعون عن تسجيل أولادهم فيها، إلا أنها استمرت في ذاكرتهم صرحا ثقافيا تأسس في عشرينيات القرن الماضي، يتغنون به واسمه اللاييك.
مدرسة اللاييك/ معهد الحرية، ستكون مثالاً غنيّا لمن يريد قراءة تاريخ سورية السياسي والاجتماعي من خلال ما طرأ من متغيرات على مؤسساتها التعليمية خلال قرن من الزمن، فهي كمدرسة نشأت بفكر علماني في عهد الانتداب الفرنسي، ثم عاشت مرحلة الاستقلال ومحاولات بناء الدولة المدنية الحديثة، ثم تبدلت علاقتها بالدولة بعد التأميم، وانتقلت ملكيتها إلى وزارة التربية، وتغير اسمها مع تغير السياقات السياسية، ثم شهدت سنوات الثورة والحرب وما أعقبها من تحول سياسي إثر سقوط نظام الأسد أواخر 2024، واليوم جاء قرار إدارتها الفصل بين الطلاب والطالبات في ظل نقاشات محتقنة بين السوريين حول طبيعة الدولة وموقع الدين في المجال العام، وشكل العلاقات الاجتماعية ضمن التنوع الثقافي والعقائدي وليكون بنظر كثيرين أكثر من مجرد قرار تنظيمي صادر عن إدارة مدرسة رأت أن الفصل ضرورة لمعالجة مشكلات تربوية وسلوكية لاحظتها خلال السنوات الماضية.
وفي مقابل حجج الإدارة تقف أسئلة المعارضين لقرارها وهي بمنظورهم أيضا تساؤلات أخلاقية وتربوية وعلمية مشروعة وفي حقيقة الحال فإن الطرفين سواء المؤيد للفصل أو المعارض له يعكسان في النهاية التنوع الفكري والاجتماعي الموجود في المجتمع السوري، والأمر الوحيد المختلف الآن عما مضى هو أن الإنسان السوري بات قادرا على إبداء رأيه واعتراضه في حين كان سابقا مشلولا عن فعل ذلك إزاء كثير من التغييرات التي كانت تطرأ على مؤسسات الدولة ويمكن أن تؤثر على حياته، ومع الوقت تحول هذا الشلل لدى كثيرين إلى حالة من عدم الاكتراث، وكأن ما يحدث لم يعد يعنيهم ما داموا لا يملكون القدرة على تغييره.
ومن الأسئلة التي يطرحها قرار الإدارة  تحضرني الأسئلة التالية: هل الفصل بين الجنسين هو الحل الأكثر فاعلية للمشكلات السلوكية للطلبة؟، أم كان من الممكن معالجة تلك المشكلات بوسائل أخرى؟، وهل سيكون للفصل أثر على حياة الطلاب الاجتماعية والتربوية؟، أما السؤال الأهم برأيي فهو : لماذا اتخذت إدارة معهد الحرية، أو مدرسة اللاييك هذا القرار الآن، أما كانت تلك المشاكل موجودة قبل سقوط حكم الأسد، وإن كانت موجودة كيف كان يتم حلّها، أم أنها كانت تبقى بلا حلول ومغطاة  بعباءة الخوف من المجاهرة بها لكون كثر من أبناء متنفذي النظام وأولادهم خلال نصف قرن من الزمان كانوا من خريجيها؟
لا شك في أن معارضة القرار أمر مشروع، وشرعية ذلك لا تأتي من كون المدرسة تأسست على الفكر العلماني والذي ارتبط في سياقها التعليمي بنظام التعليم المختلط، فقد تغير المجتمع السوري من حول المدرسة مرات كثيرة، وتغيرت معه بيئة الطلاب وأسرهم ونظرتهم إلى التعليم وإلى العلاقات الاجتماعية، كما أنه ليس من الضروري أن يكون الدفاع عن فكرة الاختلاط في المدرسة دفاعًا عن الفكر العلماني الذي نشأت على أساسه المدرسة، خاصة مع وجود مدارس خاصة مختلطة تتبع عقائديا لدين أو طائفة معينة، كما أن تأييد قرار الفصل لا يعني بالضرورة رفض الإدارة الحالية للمدرسة أساليب ومناهج التعليم الحديثة.

    أي قرار من قبل إدارة المدرسة يغير في بنيتها يجب أن يكون قائما على دراسات وبيانات لأسئلة تربوية تعليمية

نعلم بأن المدرسة هي أول فضاء اجتماعي واسع يخرج إليه الطفل بعد الأسرة، وفيها يتعلم أن يعيش مع آخرين قد لا يشبهونه تمامًا، وأن يختلف ويتعاون معهم، وأنه من الطبيعي أن تنشأ بينهم علاقات، لذلك سواء أكانت المدرسة مختلطة أم لم تكن يجب أن تُدخل في منهاجها  أساليب تربوية تهذب العلاقات الإنسانية وتجعلها طبيعية. ولكن في المقابل إن أي قرار من قبل إدارة المدرسة يغير في بنيتها يجب أن يكون قائما على دراسات وبيانات لأسئلة تربوية تعليمية، ومرتكزاً على تجارب الطلبة والأهالي والمدرسين لسنوات سابقة، لا على الشعارات والعواطف وحوادث سلوكية يمكن إيجاد طرق لحلها.
وإذا كنا أمام مدارس كثيرة تحتاج إلى أن تلتفت إليها الحكومة القائمة اليوم لإعادة ترميمها وإعمارها بعد سنوات الحرب، لتكون بيئة صالحة للتعليم من جميع النواحي، فإن الأسئلة الأجدر بنا كسوريين أن نطرحها على المسؤولين عن التربية والتعليم، وعلى أنفسنا أيضًا لا تتعلق فقط بحدث خاص أو قرار معين كقرار فصل الطلاب عن الطالبات في مدرسة اللاييك أو غيرها، بل بضرورة إعادة تعريف المدرسة بشكل عام، وبمن يملك حق هذا التعريف، أهي السياسة التعليمية المتبعة في الدولة عبر وزارتها المسؤولة عن التربية والتعليم، أم إدارة كل مدرسة على حدة، أم الأهالي والطلاب والمجتمع المحلي عموما؟، وأي صورة للتعليم السوري نريد أن تتشكل الآن، وما الذي نريده من المدرسة حين نعيد رسم الحدود داخلها؟


العربي الجديد


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس