"لابد من التحضير
ما أمكن لإحباط محاولة تسجيل الموقع من قبل إسرائيل، لاسيما وأنه سيُعاد طرحه أثناء
الدورة المقبلة، وبشكل أقوى، إذ توعّد مندوب إسرائيل عندما طلب تأجيل المشروع بنفسه
من رئيس اللجنة حينما وصل الأمر إلى درجة الانقسام حياله، فقال: إسرائيل تطلب التأجيل..
لقد صبرنا 1800 عام.. فليكن عاماً آخر من الانتظار".
تلك
المقتطفات هي جزء من برقية عاجلة أرسلها السفير السوري في أوتاوا عاصمة كندا إلى وزارة
الخارجية ومنها إلى وزارة الثقافة باعتبارها الجهة المعنية بحماية التراث على خلفية
الاجتماع الأخير للجنة التراث العالمي المنعقد في الكيبك بكندا، والذي طالبت إسرائيل
خلاله بتسجيل موقع (تل القاضي) في الجولان السوري المحتل باعتباره جزءاً من التراث
الإسرائيلي وإدراجه ضمن المواقع العالمية ذات القيمة الاستثنائية.
الجولان
في القلب!!
اللافت
للانتباه أن الاجتماع المذكور شهد تغيباً سورياً مهّد الطريق أمام إسرائيل للمطالبة
بضم هذا الموقع الأثري السوري إلى مواقعها الأثرية، تماماً كما فعلت مع معظم المواقع
الأثرية الفلسطينية.. ولكن حضور كل من الأردن ومصر والمغرب وتونس والبحرين حال دون
الموافقة على طلب إسرائيل المدعومة أمريكياً..
وفي
حيثيات الجلسة بادر مندوب الأردن بعد الطلب الإسرائيلي لدحض طلب التسجيل وسانده مندوب
مصر والبحرين ثم المغرب الذي طلب التأجيل خوفاً من انقسام اللجنة وكذلك مندوب تونس
بالرفض أيضاً، وردّ على المندوب الكندي بالقول: هل يعني عدم الاعتراض أن الدولة موافقة؟
وذلك بعد أن سأل الكندي: هل هنالك من اعتراض على طلب إسرائيل، والمقصود هنا سورية!
بينما سبقه الأمريكي إلى طلب تسجيل الموقع فوراً.. وحالاً أوقفت الرئيسة النقاش وشكّلت
فريقاً لبحثه والاتفاق على صيغته من الأردن والمغرب ثم إسرائيل والولايات المتحدة وأضافت
البرازيل كمرجّح ورُفع النقاش إلى الجلسة اللاحقة التي تم فيها تأجيل المشروع إلى اجتماع
اللجنة القادم في دورتها الثالثة والثلاثية التي ستعقد في إسبانيا.
كل ذلك
ونحن آخر من يعلم.. وكل ذلك ووزارة الثقافة المسؤولة عن كل ما يتعلق بالتراث السوري
غائبة، حيث درج مسؤولوها في كل مناسبة على اعتبار أن الجولان في القلب.. في حين تعمل
إسرائيل وبإلحاح شديد على قضم جزء أثري من جولاننا يعتبر كالقلب من الجولان!
ودمشق
في القلب أيضاً!
في الرسالة
إياها يوضح سفيرنا في كندا في شرحه لما حصل في اجتماع لجنة التراث العالمي قائلاً:
"مرّت رئيسة اللجنة على التقرير عن دمشق القديمة بسرعة دون سماع لموجز التقرير
الذي تعرض للأشغال في شارع الملك فيصل وللمركز الثقافي في شارع مدحت باشا من ممثل مجلس
التراث"، والسبب أيضاً تغيب مندوب سورية عن الجلسة!!
وكان
من المقرر في هذه الجلسة بحث الإجراءات التي تقوم بها محافظة دمشق في المدينة القديمة
ومحيطها العازل وتحديداً الأعمال التجميلية لشارع مدحت باشا (الشارع المستقيم) ومدى
توافقه مع الشروط التي وضعتها لجنة التراث في اليونسكو لحماية هذه المواقع وكذلك مشروع
الملك فيصل الذي كانت المحافظة بصدد هدمه لتنفيذ مشروع يهدف إلى إنشاء محور مروري يربط
البحصة بباب توما، وقد أدت احتجاجات وتحركات المجتمع المحلي وصحفيين وكتاب وخبراء إلى
توقيف المشروع.. على الأقل حتى الآن!
لكن
متابعين لكل التحركات التي تستهدف دمشق القديمة ومحيطها يعتقدون أن الأمر لم ينته هنا،
حيث يبدو أن محافظة دمشق تستعد لجولة جديدة، وهذه المرة في طيات ما أطلق عليه المخطط
التوجيهي لدمشق القديمة.
مخطط
توجيهي.. جداً!!
في أحد
أيام شهر آذار من عام 2007 فوجئ أعضاء مجلس محافظة دمشق بالمحافظ بشر الصبان يدخل شخصياً
إلى الجلسة الأولى في دورة المجلس التي تعقد لأربعة أيام كل شهرين..
قال
المحافظ للأعضاء: سأعرضك عليكم هذا المخطط التوجيهي لمدينة دمشق القديمة والتداول فيه.
يقول
عضو مجلس المحافظة مهنا جبارة: كان مفاجئاً حضور المحافظ في اليوم الأول لانعقاد المجلس
لأنه ليس المخصص لمناقشة قضايا دمشق القديمة. ويضيف: صحيح أنه يحق للمحافظ أن يدخل
موضوعاً من خارج جدول الأعمال لكنها سابقة على كل حال، وهي دليل على إصرار المحافظ
على المصادقة على المخطط..
تحدث
المحافظ بعد ذلك عن أهمية المخطط التوجيهي وضرورة إقراره وطلب من عضو مجلس المحافظة
بسام جيرودية شرحه، فبدأ بالحديث عن تفاصيله وعن المناطق السكنية والسياحية، متقصداً
عرض صور لمناطق مهدومة معلّقاً بأنها تسيء للسياحة.
يقول
جبارة: كان المطلوب إقرار المحافظ من أعضاء مجلس المحافظة البالغ عددهم 100 عضو، لكن
عدداً كبيراً من الحضور رفض المصادقة عليه بمن فيهم أنا وهو ما أثار مشكلة وملاسنات
في المجلس مع جيرودية ومن ثم مع المحافظ الذي عاد في اليوم الثاني ليقول: المخطط موجود
في الأدراج منذ سنوات.. دعونا نبتّ فيه ولندع الناس تعمل!!
خروقات
قانونية دفينة:
في شرحه
لأسباب رفضهم المصادقة على المخطط التوجيهي لدمشق القديمة يقول جبارة: هناك ثغرات قانونية،
أولاً: فأي موضوع ومهما كان صغيراً يجب أن يُعرض على المكتب التنفيذي ثم على لجنة الإنشاء
والتعمير المنبثقة عن المجلس، وهو ما لم يحصل حيث تم تجاوز المجلس التنفيذي ثم اللجنة
وتم عرضه مباشرة على مجلس المحافظة، وهذا غير قانوني.
الأمر
الآخر في المخالفات القانونية هو أن المخطط موجود منذ ثلاث سنوات.. فلماذا يُترك كل
هذه المدة لعرضه، كما يقول جبارة، ومن يستطيع أن يؤكد بأنه لم يُسرّب إلى جهات معينة
وإلى تجار، وهو ما يعني حدوث مضاربات عقارية.. وكان الأجدى دراسة المنطقة كلها وتوظيفاتها
ليُعرض المخطط مباشرة ويُقرّ بعد دراسته!
أما
الشق الفني فيظهر من خلال المخطط (شكل رقم 1)، فعرض المحاور الموضوعة على المصور والملونة
بالأحمر التي تشير إلى المناطق التجارية والسياحية غامضة وغير دقيقة ولم تحدد البعد
المشمول على الواقع. كما أن التوصيفات مطّاطة بشكل يثير الشكوك (ففي المخطط جاء أن
هذا القسم سياحي وهذا ذو وظائف سياحية أو ذاك ثقافي والآخر ذو وظائف ثقافية..).
النقطة
الأهم التي طرحها بعض أعضاء المجلس وعلى رأسهم الدكتورة المهندسة ميرنا سعود التي قالت
إن المخطط العتيد هو خلاف دفتر الشروط الفنية الذي تم وضعه من قبل لجنة فنية مؤلفة
من قبل المحافظ شخصياً، فماذا حصل بهذه اللجنة؟ ولماذا تم تجاوزها؟
تصديق
رغم أنف القانون!
كان
إصرار المحافظ وبعض أعضاء المحافظة على تصديق القرار نهائياً وبأي ثمن حتى لو تضمّن
ذلك تزوير التصويت.
يقول
خبير قانوني فضّل عدم الكشف عن اسمه: كان التصويت أقرب إلى المهزلة، فلكي يُتخذ أي
قرار في مجلس المحافظة يُشترط موافقة أكثر من نصف الأعضاء، وبالفعل كان هناك أكثر من
70 عضواً، وكان الأمر يتطلب 36 صوتاً على الأقل لإقراره، لكن ما حصل أن حوالي عشرين
عضواً انسحبوا قبل بدء التصويت (منعاً للإحراج، كما يقول مهنا جبارة) بمعنى آخر خوفاً
على امتيازاتهم أو من غضب المحافظ وحاشيته، ففضلوا ترك الجلسة في منتصفها، ليبقى
52 عضواً وهم عدد كافٍ لإجراء التصويت، وكانت النتيجة أن 25 أعلنوا موافقتهم و8 أعضاء
رفضوا وبقي 19 لم يقبلوا ولم يرفضوا (على الحياد)، وهذا يعني أن النصاب لم يكتمل ولم
يبلغ عدد الموافقين النصف حتى، ومع ذلك أعلن نائب المحافظ هشام التقي أن 25 هي أكثرية
وتم تمرير المخطط ورُفعت الجلسة..
ومن
المعروف وتبعاً لنظام المجلس أن أي قرار بُتَّ فيه لا يُسمح بمناقشته مرة أخرى، ومن
هنا فإن المخطط أصبح أمراً واقعاً ولا يمكن إعادة طرحه في المحافظة، فصُدِّق وأُرسل
إلى وزارة الإدارة المحلية التي صادقت عليه بدورها بشكل أوتوماتيكي، وهو الآن يحتاج
إلى مصادقة رئاسة مجلس الوزراء ليوضع موضع التنفيذ.
إيكوشار
وخلفاؤه!
منذ
أن وضع المخطط التنظيمي العام لمدينة دمشق من قبل ميشيل إيكوشار، ساد مفهوم أحادي هو
المدينة التاريخية ضمن الأسوار ونُسي دور المناطق العمرانية التقليدية.
ويؤكد
إيكوشار ذلك من خلال مقدمة تقريره عن مشروع التنظيم لعام 1968: "نعلم أن كل ما
جعل لدمشق شهرتها وعظمتها، كل ما من شأنه أن يخلدها، ويجب أن نتيقّن بالأهمية الوحيدة
والاستثنائية في تاريخ العالم، أهمية هذا الرباعي الأضلاع (المدينة داخل الأسوار) ذي
المساحة التي لا تتجاوز بضعة هكتارات".
واليوم
نحن أمام تناقض كبير، فمفهوم التسجيل على لائحة التراث العالمي المعتمد حتى الآن هو
التسجيل للمدينة داخل الأسوار والتي لم تسلم هي الأخرى من التعديات، أما الأحياء التاريخية
المحيطة فهي غير مسجلة، ومخطط إيكوشار يقوم على أنقاض أحياء بكاملها، الأمر الذي ينذر
بالقضاء على دمشق القديمة خارج الأسوار، فينكسر التوازن العام القائم بين المدينة القديمة
والأحياء الجديدة.
ومن
المهم القول إن رؤية (إيكوشار) المشكوك في نواياها وأهدافها مازالت تجد من يدافع عنها
حتى اليوم في مراكز القرار المخولة بتنظيم دمشق وضمنها دمشق القديمة ومحيطها، حيث تصرّ
المحافظة على استبعاد المحيط العازل لدمشق القديمة وإزالته إن تطلب الأمر، استناداً
إلى منطق إيكوشار نفسه، في حين يقاوم ذلك العديد من الفعاليات وعلى رأسها سكان هذه
المناطق مدعومين من قادة رأي وخبراء محليين ودوليين وعلى رأسهم اليونسكو، ويبدو ذلك
واضحاً من خلال العديد من الكتب والرسائل الموجهة إلى وزارة الثقافة السورية باعتبارها
الجهة المخولة بالدفاع عن دمشق القديمة ومحيطها العازل باعتبارهم كلاً أثرياً وإرثاً
حضارياً لا يتجزأ.
يقول
فرانشيسكو باندارين مدير مركز التراث العالمي في رسالة إلى وزير الثقافة بعد تبلّغه
عما تنوي المحافظة تنفيذه في شارع الملك فيصل من أعمال شق لأتستراد جديد غير عابئة
بقيمة هذا الشارع التاريخية: "من المهم التذكير بأن المنطقة المعنية بأعمال البنية
التحتية تشكّل امتداداً للنسيج التاريخي القديم لموقع التراث العالمي وأن ملاصقتها
للمدينة داخل السور يعطيها بشكل غير قابل للأخذ والرد دور المنطقة العازلة الضرورية
لحماية كامل الموقع".
ويتابع
باندارين بشيء من الحزم والتهديد: "لذلك يبدو لنا هاماً تشجيع الحكومة السورية
بشكل حثيث على الأخذ بتوصيات الجمعية السورية – البريطانية وكذلك مشروع MAM (مشروع تحديث الإدارة
البلدية بالتعاون بين وزارة الإدارة المحلية السورية والاتحاد الأوروبي) نتيجة اللقاء
الذي جرى في 31 آذار عام 2007، والتخلي عن تنفيذ المشروع المقترح، وكما تعلمون سيُقدّم
تقرير للجنة التراث العالمي التي ستجتمع (اجتمعت) حيث يمكن لأعضاء اللجنة ونظراً للوضع
الحالي إعادة النظر وتسجيل دمشق على لائحة التراث المهدد بالخطر..".
فقط
بعد هذه الرسالة الشديدة اللهجة وبعد تحركات مستمرة من قبل المجتمع المحلي للدفاع عن
محيط دمشق القديمة تم الإقلاع عن فكرة شق الأتستراد، ولكن بعد أن كانت المحافظة قد
قامت بهدم السوق العتيق والعديد من المواقع والمناطق التي توازي شارع الملك فيصل أهمية،
بهدف إقامة مواقع سياحية واستثمارات مكانها!! وليبدو ملحاً بعد ذلك إصدار مخطط توجيهي
لدمشق القديمة، بمعنى أن يكون هناك مخطط يكون بمثابة خارطة لدمشق القديمة يحدد كل مواقعها
وكنوزها والمشاكل التي تعاني منها وكيفية حل ومعالجة هذه المشاكل ضمن شروط ومتطلبات
مكتب التراث العالمي وبما يحافظ على دمشق كقيمة حضارية إنسانية.
يقول
د. موفق دغمان الذي أشرف على وضع المخطط بالتعاون مع عدد من الخبراء المعماريين وممثلين
عن المجتمع المحلي وممثلين عن المديريات صاحبة العلاقة في المحافظة ووزارة الثقافة
والإدارة المحلية وتحت إشراف اليونسكو:
إن المخطط
اعتمد على تجميع الوثائق الخاصة بدمشق القديمة والتي كانت مبعثرة هنا وهناك والانطلاق
من خلالها لاستدراك النواقص فيها.
يضيف:
لم ينظر المخطط إلى دمشق من زاوية واحدة، بل من عدة زوايا، بمعنى أنه قسّم المدينة
إلى حزم من المشاكل (العنصر السكني والإسكاني وعنصر الأسواق والتجارة...) كما ركّز
على المشاكل التي تعاني منها المدينة كالاستملاكات والنقل داخل المدينة ووضع مشاكل
كل نقطة من النقاط والاستراتيجيات لحلها، كما وضعت منهجية مناسبة لرسم المنتج النهائي
لهذا المخطط وكيف نحوله إلى وثيقة قابلة للتنفيذ، ولم يغفل المخطط المناطق الأثرية
المحيطة بدمشق القديمة لأنها تشكل امتداداً تاريخياً وطبيعياً لهذه المدينة، وكذلك
الحفاظ على القيمة البشرية في هذه المدينة، وبالنتيجة اعتُبر هذا المخطط توجيهياً أولياً
أي أن هناك مراحل أخرى قابلة للدراسة ووضع الحلول التفصيلية لها في المستقبل عبر إصدار
مخطط تفصيلي.
المخطط
بين أيدي (عابثة):
لم يسلم
المخطط من التحوير والتزوير هو الآخر، يقول دغمان: أنهت اللجنة عملها في المخطط وتُرك
بيد المحافظة ومديرية دمشق القديمة، فحصلت عليه مجموعة من التعديلات التي هي بعيدة
عن المنهجية التي تم العمل وفقها. وأخطر ما حصل هو تغيير الصفات، ففي حين ركز المخطط
التوجيهي على المحافظة على المناطق السكنية وصفها كسياحية في المخطط المُصادَق عليه..
والأخطر
من ذلك بحسب دغمان أنه لا يوجد مواكبة بين مشاريع البنية التحتية وبين الاستثمار، وهذا
يؤثر على استهلاك المدينة القديمة وطرد السكان الذين يمثلون أهم عنصر بناءً على كون
دمشق (أقدم عاصمة مأهولة في العالم).
ويتساءل
دغمان: إذا كانت البنية التحتية بهذا السوء، والنقل صعب إلى هذه الدرجة، والبيئة لا
تحتمل ما هو موجود أصلاً، فلماذا يتم إعطاء التراخيص للمزيد من المطاعم؟
ويشير
المشرف على المخطط التوجيهي إلى أنه وخلال ترؤسه لمكتب عنبر (مديرية دمشق القديمة)
بين عامي 2004 و2006 لم يتم إعطاء أي ترخيص لأي مطعم، في حين عادت التراخيص للظهور
بعد ذلك فارتفع عدد المطاعم من 70 إلى 100 مطعم، منبهاً من دخول رؤوس الأموال إلى هذه
المدينة والتي باتت تلعب الدور الأكبر فيها وبما يهدد نسيجها وقيمتها التاريخية.
وهو
ما يؤكد عليه أيضاً د. طلال عقيلي الخبير المعماري بقوله: لقد وصل العهر بالمصالح المادية
حتى يتم المتاجرة بالتراث، ونحن نعلم بأن تبييض رأس المال يتم بعقارات غالباً، وحتى
إذا ما أخذنا بالمنطق الاقتصادي فهذا فكر متخلف لاستثمار التراث.
أما
مدير مكتب عنبر (مديرية دمشق القديمة) الحالي أمجد الرز، فلا يرى مانعاً من إعطاء التراخيص
طالما كان العقار المطلوب ترخيصه مثبّتاً في المخطط التوجيهي الجديد كمنطقة سياحية!!
وعن
الإجراءات التي ستتخذها المحافظة عبر مديرية دمشق القديمة فيما يتعلق بالمطاعم التي
حصلت على تراخيص وتقع خارج المناطق المصنفة (كسياحية) يقول الرز إنها ستبقى كما هي،
ولا يمكن إلغاء هذه التراخيص، ولكن التراخيص الجديدة ستكون حصراً في أماكنها المثبتة
على المخطط.
غير
أن الرز وعند مراجعة سكان بعض الأحياء في دمشق القديمة (بطلب من كاتب التحقيق) لسؤاله
عن تصنيف عقاراتهم يبدو غامضاً غموض المخطط نفسه، رافضاً إعطاءهم أية معلومات مفصّلة
عن واقع بيوتهم المستجد.
يقول
هؤلاء: نحن لا يحق لنا أن نعرف ضمن أي خانة صُنفت بيوتنا بينما امتلأت المنطقة بالراغبين
بالشراء وهم من شريحة معينة، والناس هنا تعرفهم بالأسماء وقد دفعوا مئات الملايين ثمناً
لعقارات وبيوت بعضها مهدّم، ولكن على أمل استثمارها لاحقاً لأغراض سياحية.
د. موفق
دغمان لا يلوم رأس المال تحديداً على هجومه على دمشق القديمة، فإذا كان الحبل متروكاً
على غاربه، ولا يوجد ما ينظم هذا الدخول فأنت لن تستطيع أن تمنع الناس من شراء العقارات
والمتاجرة بها أو تأسيس استثمارات في هذا المكان الجذاب.
وبالفعل،
تؤكد مصادر أهالي بعض مناطق دمشق القديمة حدوث هبّة على شراء العقارات في بعض مناطق
المدينة القديمة وتحديداً تلك التي تم تقديمها في المخطط التوجيهي على أنها مناطق سياحية
وتجارية، حيث يقول الأهالي إن أسماء من الوزن الثقيل بدأت بشراء عقارات وصلت قيمة بعضها
إلى حوالي 200 مليون ليرة سورية، وهو ما أفرزه تسريب المخطط التوجيهي قبل عام وتلقّف
التجار من كل نوع لهذه الفرصة ومبادرتهم إلى شراء هذه العقارات، وطرد السكان الأصليين
عبر إغرائهم بهذه المبالغ الخيالية، وهي قصة لم تبدأ اليوم بل منذ نحو عشرين عاماً
عندما فهمت قطاعات في الحكومة أن دمشق القديمة تعني السياحة ولا غير سوى السياحة.
وفي
نظرة إلى عدد سكان دمشق القديمة ومساحتها بين عامي 1936 و1990 ومقارنتهم مع العدد بين
عامي 1995 و2005 سنعرف كيف انعكس النظر إلى دمشق القديمة كمطرح استثماري:
فحتى
عام 1990 كان عدد سكان دمشق القديمة يقدّر بـ65 ألف نسمة يشغلون مساحة سكنية تقدر بـ90
هكتاراً، فتناقص عددهم حتى وصل عام 2005 إلى 45 ألف نسمة يعيشون على مساحة تقدر بـ62.2
هكتاراً!
مدحت
باشا يُقتل نكاية بالملك فيصل!!
إذا
عدنا إلى تاريخ تسجيل دمشق على قائمة التراث العالمي في اليونسكو عام 1979 (سُجلت دمشق
في عام 1979 وسُجلت بعدها تدمر وبصر في عام 1980 ثم حلب عام 1986 وأخيراً قلعتا الحصن
وصلاح الدين عام 2006)، وهي فترة كانت كفيلة بالقضاء على العديد من أحياء دمشق التاريخية
التي كان يجب تسجيلها على قائمة التراث العالمي، نجد وثيقة صادرة عن اليونسكو بتوقيع
ثلاثة من خبرائها الذين زاروا دمشق في نيسان 1979، وتقول الوثيقة: "إن كل إنسان
يوافق على أهمية دمشق المدينة القديمة فيها بما تمثله من مكانة تاريخية وقيمة كبرى،
لكن الملف (ملف تسجيل دمشق القديمة) يحتاج إلى تحليل دقيق لعناصرها التراثية والآثارية
وإلى أنواع السكن البشري واستخداماته، وإلى إحصائيات لطريقة السكن وتفرّده..".
وبحسب
هذه الوثيقة وحسب اتفاقية التراث العالمي، فإن مديرية دمشق القديمة (مكتب عنبر) مطالبة
بتقديم تقرير سنوي عن حالة المدينة القديمة، وحسب اتفاقية التراث العالمي أيضاً فإن
أي مخطط أو مشروع تنموي داخل المدينة أو منطقة الحماية يجب أن يكون بعلم اليونسكو وموافقتها.
يقول
وعد المهنا أحد أبرز المدافعين عن دمشق القديمة ومحيطها والصحفي المهتم بالآثار السورية:
لم يُقدّم منذ عام 1979 وحتى 2006 أي تقرير دوري لليونسكو، وهذا ما يفسر حجم الدمار
الذي لحق بالمدينة القديمة.
يضيف:
إن عام 2008 شهد تلقي دمشق القديمة لضربة قاصمة، وهي لا يمكن أن تُفسَّر إلا كردّ فعل
من صانع القرار (محافظة دمشق) بعد فشلها في تمرير مشروع الملك فيصل، فكان رد الفعل
هو إعادة تأهيل الشارع المستقيم، لأن ما حصل ليس ترميماً بل جنازة كاملة وعلى كل الصعد،
وهو ما يؤكده د. موفق دغمان الخبير المعماري السوري الذي اعتبر أن إعادة تأهيل سوق
مدحت باشا كان فرصة ذهبية لدراسة المدينة القديمة وآثارها المتراكمة عبر العصور، وبالتالي
تقديم مشروع يليق بها لأول مرة في تاريخ سورية.
يضيف
دغمان: كان مهماً أن يتولى أمر التأهيل شركات لديها القدرة والكفاءة على العمل في هكذا
مواقع حساسة، وفعلاً تقدمت شركة تركية لديها الخبرة للتصدي لهذا النوع من المشاريع،
لكن المحافظة رفضت بحجة أن التكاليف التي قدرتها الشركة التركية تصل إلى 450 مليون
ليرة سورية، ولكن الفضيحة كانت عندما عُهّد المشروع لجهة أخرى لا علاقة لها بهذا النوع
من العمل عاثت تخريباً في المنطقة وآثارها، ولكن المشروع كلّف رغم ذلك أكثر من 500
مليون ليرة؟! أي أن التخريب كلّف أكثر من التأهيل!!
رغم
المخاطر والتحذيرات!!
وتبدو
مسؤولية المحافظة هنا واضحة، ذلك أن جهة الإشراف العلمي على المشروع والتي كان مقرراً
أن تتابع الدراسة أدانت طريقة التنفيذ.
د. يسار
عابدين بصفته رئيس لجنة تقييم الدراسات المقدمة من قبل مديرية دمشق القديمة على المشروع
وجّه رسالة إلى محافظ دمشق بشر الصبان بتاريخ 30/5/2006، جاء فيها:
لا توجد
دراسة تنفيذية تفصيلية كاملة للأعمال المراد تنفيذها، ويجب وضع دراسات لكامل الأعمال
المعمارية والترميمية بشكلها العام والخاص بأدق التفاصيل الموضحة بالرسوم والأشكال
والمسميات والأوصاف، ولا يمكن أن يعتمد مشروع بهذه الأهمية على توقعات واحتمالات ومفاجآت!
ثم إن
مخططات الدراسات غير كافية، ولا يمكن استخدامها إلا في الدراسات النظرية الأكاديمية،
وليست مخططات تنفيذية لمشروع بمثل هذه الأهمية.
ويضيف
عابدين: لا توجد خبرة علمية تراكمية لدى فريق العمل لوضع مثل هذه الدراسة، خصوصاً بالنوعية
والحجم والخلفيات الاجتماعية والثقافية والتاريخية، أضف إلى أن المشروع ليس حقل تجارب
أو مسرحاً للتدريب!!
ويشير
عابدين أيضاً إلى عدم إجماع مهندسي فريق العمل أنفسهم على كفاية الدراسة المعدة من
قبلهم للتنفيذ وعلى دقتها ولا حتى شموليتها، إذ لا يمكن التعامل مع مثل هذه المشاريع
بالكميات والمواصفات فقط مثل رصف الطرقات وتعبيدها بل هي مشاريع نوعية هامة جداً، لا
تتكرر في تاريخ الدولة بشكل معاصر ولا يمكن إصلاح أخطائها بسهولة بعد تنفيذها.
وبناء
عليه يقول: لا يمكن إتمام الأعمال المذكورة في دفتر الشروط خلال فترة زمنية واضحة ومحددة
بسبب تحكّم الإدارة وجهاز الإشراف بما هو غير معروف، الأمر الذي يؤدي بالمتعهد إلى
التورط في دفن أو الإساءة إلى معالم أثرية (وهو ما حدث فعلاً وصدقت نبوءة عابدين حيث
عملت البلدوزرات تشويهاً وتكسيراً بآثار تعود إلى العهد الروماني) خوفاً من إيقاف المشروع
أو تأخره.
ويصل
عابدين إلى أنه لم يتم الحصول على استشارات مدونة من الهيئات العالمية واللجان الدولية
الحكومية والمنظمات المعنية بالمدن القديمة والتراث العالمي على إمكانية تنفيذ مثل
هذه الدراسات دون أن تؤثر سلباً على مكانة المدينة كأثر تراثي عالمي!! كما أنه لا توجد
دراسة إنشائية تفصح عن الحالة الفيزيائية للأبنية في وضعها الراهن، ولا يوجد تحديد
لأماكن التدعيم وأنواعها وطرقها، وكان من المفترض التنويه عن عوامل الأمان مع احتمالات
الحفرات الأرضية، ولم تحدد أهمية المكتشفات الأثرية المتوقعة بالنسبة للواقع في المدينة
القديمة، ولم توضح الإجراءات في حال تم اكتشاف آثار ذات أهمية فائقة..
وبالفعل
صدقت نبوءة عابدين وتحذيراته من الأخطار المحدقة عبر تنفيذ المشروع حيث تصدعت أبنية
في دمشق القديمة وتهدّم بعضها كما تم تشويه وطمس معالم العصور التاريخية المدفونة تحت
الأبنية، أما ما استُخرج منها (الآثار الرومانية) فقد تم ترحيلها إلى سوق الهال في
الزبلطاني، حيث كُوّمت فوق بعضها في منظر يوحي بأنها لا تعدو كونها (كومة بطاطا دوكما)..
لكن الحق يتطلب أن نشير إلى أن مديرية الآثار والمتاحف قامت بترقيمها!!
مدحت
باشا حليق الرأس!!
رغم
كل التحذيرات وكل تلك الأخطاء التي ارتكبتها المحافظة في مدحت باشا، ورغم حجم التخريب
الذي طال دمشق القديمة في شارعها المستقيم، تحاول المحافظة الترويج لهذا العمل كإنجاز
عظيم بينما يصفه وعد مهنا بـ(ميك آب تجميلي) يخفي تحته الأعظم!!
وفي
الواقع لم تكتف المحافظة بالتخريب داخل الأرض، لا بل قام متعهدوها وبشطارة يُحسدون
عليها باستبدال السقف المعدني على طول السوق بآخر من الألمنيوم ضاربين عرض الحائط بهذا
المعلَم الذي كان يذكّر الدمشقيين بأيام الثورة على الفرنسي، حين كانت تشتد المظاهرة
ضد الاحتلال فيقوم الجيش الفرنسي بإرسال العسكر السنغاليين لتفريقهم، ولأن هؤلاء كانوا
من المسلمين والمتعاطفين مع السوريين كانوا يطلقون النيران باتجاه السقف وليس على المتظاهرين،
وإذا كان الجميع يعرف أن هذه الثقوب هي جزء من تاريخ هذه المدينة، فإن المحافظة اعتبرتها
مجرد فتحات تهوية لا ضرورة لها لسكان دمشق القديمة المحكوم عليهم بالموت خنقاً وغيظاً!!
ويقارن
المعماريون والخبراء بين الطريقة التي تم فيها تنفيذ سوق مدحت باشا مع تلك التي تم
فيها تنفيذ سوق الحميدية، حيث تم إنجاز هذا الأخير ببراعة فائقة فلم تُمس الآثار وتم
الحفاظ على الشكل الحقيقي للسوق وإظهار الأعمدة.. والفريق الوحيد أن مديرية الآثار
ومن ورائها وزارة الثقافة كانت حاضرة هنا بقوة، بينما نأت بنفسها عن مدحت باشا مفضّلة
التحالف مع المحافظة في عبثها الممنهج بدمشق القديمة، رغم أن كل ما حصل لسوق مدحت باشا
كان بمناسبة دمشق عاصمة للثقافة العربية!! فاحتفلنا بجنازته مرةً أخرى بدلاً من إحيائه
بالشكل الذي يليق به!!
دمشق
العصيّة على الزلازل!!
تتعرض
المدينة القديمة ومحيطها العازل لمحاولات تشويه وتخريب متلاحقة لا يفسرها بحسب الناشط
والصحفي وعد المهنا إلا النظر إليها من وجهة نظر استثمارية بعيداً عن كل المعطيات التاريخية
والحضارية والقيمية الأخرى التي تمثلها هذه المدينة الأقدم في العالم.
مضيفاً:
إن السلطات الأثرية ومحافظة دمشق لم تأبه بدمشق كموع تراث عالمي إلا من مبدأ واحد وهو
الصفقة ودليل ذلك إعطاء هذا العدد الهائل من التراخيص للمطاعم والفنادق ومحاولتهم تحويل
شارع الملك فيصل إلى سوليدير، وكذلك محاولة هدم خان الرز من قبل وزارة السياحة لتسليمه
إلى مستثمرين عرب قبل أن يمنع الصفقة قرار رئاسية جاء في اللحظة الحاسمة استجابة لنداءات
السكان المحليين.
وتستمر
الانتهاكات وليس آخرها هدم جامع الزهراء ومجموعة من البيوت القديمة حوله والعمل على
زرع كتلة أسمنتية ضخمة في هذا المكان لا تتلاءم مع النسيج العمراني للمنطقة.
والأخطر
من كل ذلك أنها تستمر من خلال المخطط التوجيهي الذي كان يفترض به إنصاف دمشق القديمة
وإيجاد الحلول لمشاكلها ومشاكل أهلها، وبدلاً عن ذلك زاد همومها وفتح المجال لصفقات
مشبوهة وعمليات بيع وشراء هي كل ما يفهمه اليوم القيّمون على هذه المدينة..
لكن،
ورغم هذه الصورة السوداوية للمشهد الدمشقي القديم، مازال أصدقاؤها والمدافعون عنها
مقتنعين بأن دمشق لم يدمرها يوماً إلا الزلازل، وكانت تنهض في كل مرة من تحت الرماد..
وهي اليوم تواجه قرارات حكومية أشبه بالزلازل لكنها بالتأكيد لن تستطيع تدميرها وانتشال
أهلها وطردها واستبدالهم بسيّاح عابرين أو بمتاجرين يدخلونها بمسميات مختلفة.. فهذه
دمشق.. أقدم عاصمة مأهولة في العالم، وستبقى..
لا ترحم
ولا تترك رحمة الآخرين!
قبل
نحو عامين، قامت وكالة (JTZ) الألمانية بوضع المخطط التنظيمي لمدينة حلب القديمة،
وبناء عليه عرضت الوكالة نفسها المساعدة لتنفيذ مخطط دمشق التوجيهي على أساس أن هناك
نقاطاً مشتركة بين المدينتين.
واقترحت
الوكالة تقديم دعم مالي يخصص لأهالي دمشق القديمة ممن يريدون ترميم بيوتهم بمبلغ يساوي
مليون يورو هو جزء من الديون السورية على ألمانيا الشرقية، على أن يكون هذا الدعم على
شكل منحة للأهالي دون فائدة، ويجري تدويره على من يرغب بترميم بيته.
لكن
الغريب أن المحافظة رفضت الاقتراح وأصرت على أن يكون الدعم عن طريقها وكقرض بفوائد..
وبحسب مصادر في الوكالة الألمانية مازال النقاش مستمراً مع المحافظة للوصول إلى صيغة
مشتركة!!
علي حسون –مال وأعمال
|
| التعليقات: |
| الاسم : د. زكي اليوسفي - التاريخ : 11/12/2009 |
| ليس هناك حاجة لأدلة وبراهين على ما قيل في المقال، لأن الأمور المذكورة فيه ، كثيرا ماحدثت وتحدث في مدننا التاريخية ومحيطها، والمطلوب أن نكون أكثر وعي ونساند حماية تلك المدن |
| الاسم : Oriane Matte - التاريخ : 21/01/2009 |
| JTZ --> GTZ
Thanks for the article |
| الاسم : فضل عبود - التاريخ : 06/11/2008 |
| ان هذا الكلام لا غبار عليه
ولكنه يحتاج الى ادلة دامغة كي تبرهنوا على ما نشرتموه |
|
|
|
| شارك بالتعليق : |
|