سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:29/04/2026 | SYR: 16:57 | 29/04/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 من هرمز إلى قطارات الصين.. كيف تعيد الحرب رسم طرق التجارة؟
29/04/2026      


سيرياستيبس 

لم تترك الحرب في الشرق الأوسط جانبا من جوانب الحياة إلا وأنزلت تأثيرها عليه، فلم تمنعها الحدود الجغرافية من أن تتحول إلى قوة خفية تعيد رسم خرائط التجارة العالمية من الممرات البحرية ومضيق هرمز إلى الطرق البرية وسكة الحديد التي تربط الصين بأوروبا.

وبينما ترتفع كلفة العبور في الممرات البحرية المضطربة وتتعرض شبكات الطيران لضغوط غير مسبوقة، تصعد السكك الحديدية العابرة للقارات كخيار إستراتيجي جديد يعكس انتقالا أعمق في بنية العولمة ومساراتها.

أزمة بحرية.. تأثيرها في الجو
كانت البداية في الممر الرئيسي لنقل الطاقة العالمية؛ مضيق هرمز، الذي أدى تعطل حرية الملاحة فيه إلى إرباك مباشر لإمدادات النفط الخام ووقود الطائرات.

وتناولت صحيفة الشعب الصينية اليومية المشهد من زاوية المسافر العادي الذي كان يخطط لقضاء عطلة الأول مايو/أيار، ولفتت إلى أن العديد من المسافرين الذين خططوا للسفر إلى الخارج فوجئوا -قبل بداية العطلة- بإلغاء رحلاتهم المحجوزة مسبقا.

خلف هذا المشهد غير الاعتيادي تختبئ أرقام صادمة؛ فبحسب تقرير الصحيفة أدت أزمة مضيق هرمز إلى ارتفاع سعر وقود الطائرات من 99.4 دولارا للبرميل في نهاية فبراير/شباط الماضي إلى 209 دولارات في أوائل أبريل/نيسان الجاري، بزيادة تتجاوز 110% خلال أقل من شهرين.

وحيث إن الوقود يشكل ما بين 30% إلى 40% من تكاليف تشغيل شركات الطيران، وأحيانا أكثر من ذلك في شركات الطيران منخفضة التكلفة، فقد دخلت مجموعة من الخطوط الجوية في معادلة "الطيران برحلة واحدة وخسارة رحلة واحدة"، حسب الصحيفة.

"أزمة مضيق هرمز رفعت سعر وقود الطائرات من 99.4 دولارا للبرميل في نهاية فبراير إلى 209 دولارات مطلع أبريل، بزيادة تجاوزت 110% في أقل من شهرين".

هذه القفزة في التكاليف تُرجمت تلقائيا إلى موجة إلغاء واسعة للرحلات الدولية، ويشير تقرير صحيفة الشعب إلى أن "جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا هما المنطقتان الأكثر تضررا من موجة الإلغاء هذه"، حيث تم تعليق العديد من الرحلات بين المدن الصينية وجنوب شرق آسيا حتى نهاية الموسم، وارتفع معدل الإلغاء في بعض الاتجاهات إلى أكثر من 50% في أبريل/نيسان، مع التخطيط لمزيد من الإلغاء في الشهرين المقبلين.


ويلخص الخبير الصيني جينغ تشونغيي من أكاديمية الطيران المدني الصينية، في مقابلة مع الصحيفة، هذه الصورة في ثلاث سمات رئيسية: "زيادة الإلغاءات في الرحلات الدولية، وتضرر شركات الطيران منخفضة التكلفة بشكل أكبر، وبقاء التأثير محصورا في مناطق محددة دون أن يتحول إلى أزمة عالمية حتى الآن".

ويضيف أن "القابلية للسيطرة على هذا الحال تبقى مشروطة باستمرار تزويد الأسواق بالوقود وعدم اتساع رقعة الصراع".

 
ضغوط تراكمية
أزمة وقود الطائرات ليست ملفا تقنيا يهم شركات الطيران فحسب؛ فهي جزء من موجة أوسع تضرب الاقتصاد الحقيقي وسلاسل الإمداد.

ويذكر تقرير صحيفة الشعب ما أسماه "علاوة الشرق الأوسط" في إطار الحديث عن تأثير الحرب في معيشة الناس وفي مفاصل الاقتصاد وحجم الضغوط المتصاعد، مع ارتفاع حاد في أسعار تذاكر الطيران، وحالة طوارئ في مخزونات وقود الطائرات الأوروبية، وانخفاض حاد في الرحلات الجوية في جنوب شرق آسيا، وارتفاع تكاليف إنتاج بعض السلع الاستهلاكية، وارتفاع تكاليف الشركات، وتأخير في اللوجستيات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، نقل التقرير تحذير فاتح بيرول، مدير الوكالة الدولية للطاقة، من أن "الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، والصراع بين روسيا وأوكرانيا، يثيران أسوأ أزمة طاقة في التاريخ".

من هنا يتضح أن ما يجري في الشرق الأوسط لا يقتصر على شحنات النفط وحركة الطيران، بل يضغط على كلفة الإنتاج، والتجارة العابرة للحدود، ويهدد بإعادة إنتاج سيناريوهات "ركود تضخمي" عالميا.


سكك الحديد.. مخرج الطوارئ
من جهة أخرى، يكشف مقال لصحيفة المعلومات المرجعية الصينية "تسان كاو شياوشي" عن تحول صامت في مسارات التجارة بين الصين وأوروبا، فشبكة قطار الشحن الصيني-الأوروبي، التي بدأت كتجربة لوجستية في إطار مبادرة الحزام والطريق، تحولت خلال العقد الماضي إلى بديل تجاري رئيسي لبعض أنواع الشحن البحري والجوي.

ويوضح المقال أن هذه الشبكة باتت تربط 26 دولة أوروبية و230 مدينة بـ120 مدينة في آسيا، وأن عدد الرحلات تضاعف بين عامي 2020-2023 ليتجاوز 17,000 رحلة سنويا، مدعوما باتفاقيات جمركية ثنائية وأنظمة تتبع موحدة للحاويات وإجراءات حدودية منسقة.

هذه الأرقام أخرجت سكة الحديد من دائرة الخيار الثانوي، وجعلت منه مسارا منظما ومؤسسيا بات قادرا على استيعاب جزء متزايد من التجارة عالية القيمة بين الشرق والغرب.

تقرير صحيفة الشعب يرصد أن جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا كانتا الأكثر تضررا من موجة إلغاء الرحلات، مع تعليق خطوط وارتفاع نسب الإلغاء في بعض الاتجاهات إلى أكثر من 50%.

ويستعرض المقال رؤية الكاتب بوب سافيتش، نقلا عن صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، بأن نقطة التحول كانت في أزمة البحر الأحمر وتعطل الممرات البحرية التقليدية، إذ أدت الأزمة إلى تحول البضائع ذات القيمة المضافة نحو قطار الشحن الصيني-الأوروبي، حتى أصبح هذا القطار "أداة قوية لجذب الاستثمار الدولي وتعزيز القدرة التجارية" وشبكة "ذات منفعة متبادلة بين الطرفين".


مما يعني -من الناحية العملية- أن جزءا من التجارة كان يمر حصريا عبر الموانئ والممرات البحرية، بات يجد في السكك الحديدية خيارا أسرع من البحر وأكثر استقرارا في أوقات الأزمات الجيوسياسية.


من تأرجح البحر إلى ثبات البر
وفي مقالات تحليلية لصحيفة تشاينا ديلي الصينية، تناولت الزاوية الأوسع للحرب في الشرق الأوسط واعتبرتها "صدمة منظومة" ضربت ثلاثة مفاصل أساسية في الاقتصاد العالمي: الطاقة، سلاسل الإمداد، والأسواق المالية، ولا تزال تهدد بتغيير مسار التعافي العالمي الهش.

في هذا الإطار تبدو الصين كأكثر من مجرد مراقب؛ فهي "أكبر مستورد للنفط من الشرق الأوسط"، وأي اضطراب في الإمدادات أو في أمن الممرات البحرية ينعكس مباشرة على أمن الطاقة لديها وعلى تكلفة نموها -بحسب الصحيفة- التي سعت أيضا في مواضع أخرى إلى إبراز الصين كـ"قوة استقرار" من خلال:

التأكيد على أن استقرار الخليج ومضيق هرمز ليس قضية أمريكية أو غربية فقط، بل شرط لاستقرار الاقتصاد العالمي ككل، وخاصة الاقتصادات النامية.
انتقاد العقوبات الأحادية التي تزيد من هشاشة الدول الضعيفة، وتحول الحرب إلى عبء إضافي على من لا يملكون أدوات الدفاع الاقتصادي.
تسليط الضوء على مبادرات صينية مثل الحزام والطريق، وقطارات الشحن، وأطر بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، كمسارات "تعاون وتنمية" بديلة أو مكملة للمنظومات الغربية التقليدية.
بحسب فاتح بيرول، فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية، تثيران أسوأ أزمة طاقة في التاريخ.

وتعيد صحيفة تشاينا ديلي، من خلال تحليلاتها، تعريف موقع الصين كاقتصاد متداخل بشكل عميق في العولمة، ومتضرر من أزماتها، لكنه يسعى إلى أن يكون مهندسا لنظام أكثر استقرارا وأقل خضوعا لهيمنة الغرب.


التجارة تعيد رسم خرائطها
يبدو واضحا أن الحرب في الشرق الأوسط لا تعطل طرق التجارة فحسب، بل تعيد رسمها على المدى البعيد، فكل ارتفاع في تكلفة التأمين على ناقلات النفط، وكل رحلة دولية تُلغى بسبب قفزة في أسعار الوقود، يدفع الشركات والدول إلى البحث عن ممرات أقل عرضة للمخاطر، ولو كانت أطول أو أكثر تكلفة في المدى القريب.

وهذا ما يمكّن الصين حاليا من لعب دور مركب: شديد التأثر باضطرابات الطاقة والممرات البحرية من جهة، وساعٍ إلى تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء شبكات بديلة من السكك الحديدية العابرة للقارات وتحويلها إلى منصات تعاون متعدد الأطراف من جهة أخرى.

فمن مضيق هرمز وصولا إلى قطارات الصين، تعيد الحرب رسم طرق التجارة، بينما تحاول هذه الطرق الجديدة بدورها أن تعيد رسم قواعد اللعبة في الاقتصاد العالمي بين بحر مضطرب وسكك حديدية تمتد بحثا عن استقرار منشود.

الجزيرة نت 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق