سيرياستيبس
في المعادلة الاقتصادية لا يمكن أن يختلف اثنان بأن الطبقة الوسطى في سوريا تراجعت إلى حدّ الغياب كقوة اقتصادية فاعلة، ومع هذا التراجع فقدت الأسواق محركها الأساسي وتباطأت حركة البيع والشراء بشكل واضح، فهي ليست فئة هامشية بل العمود الأساسي لحركة الأسواق والاستهلاك وأي محاولة لتنشيط الاقتصاد تبدأ من إعادة بناء هذه الطبقة لأنه بدون طبقة وسطى قوية، يبقى الاقتصاد محصوراً بين قلة تستهلك كثيراً، وغالبية تستهلك القليل، فتفقد الأسواق توازنها وتدخل في حالة ركود.
هذا ما أشار إليه عضو غرفة تجارة دمشق السابق محمد الحلاق جازماً أن إعادة إحياء الأسواق لا يمكن أن تتم إلا من خلال إعادة إحياء الطبقة الوسطى، فهي العمود الفقري للاقتصاد ومحركه الأساسي.
فالطبقة الوسطى ليست مجرد فئة اجتماعية، بل هي القوة الاستهلاكية الأوسع في أي مجتمع، وهي التي تعتمد على السلع والخدمات ذات الأسعار المتوسطة، ما يجعلها المصدر الرئيسي لحركة البيع والشراء داخل الأسواق. وعندما تكون هذه الطبقة قوية، فإنها تخلق طلباً واسعاً على مختلف المنتجات والخدمات، ما يؤدي إلى توسع النشاط التجاري، وافتتاح محلات جديدة، ونمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبالتالي توفير فرص عمل إضافية. أما عندما تضعف، فإن الأسواق تدخل في حالة ركود واضحة، ويتراجع النشاط الاقتصادي بشكل عام.
وأشار الحلاق إلى أن قوة الطبقة الوسطى ترتبط بشكل مباشر بالدورة الاقتصادية، حيث إن الدخل الذي تحصل عليه يتحول بسرعة إلى إنفاق داخل السوق، وهذا الإنفاق يولد حركة بيع، وهذه الحركة تولد أرباحاً، ومن ثم وظائف جديدة ودخولاً إضافية. وبذلك فإن أي ضعف في هذه الطبقة يؤدي تلقائياً إلى ضعف في السوق ككل.
وفي الحالة السورية، يمكن القول إن الطبقة الوسطى كانت تشكل نسبة كبيرة من المجتمع، وكانت تمتلك قدرة على تأمين احتياجاتها الأساسية من سكن وغذاء وتعليم وصحة، إضافة إلى تنوع كبير في الأنشطة الاقتصادية داخل الأسواق. لكن هذه الطبقة تعرضت لتراجع واضح خلال السنوات الماضية نتيجة عدة عوامل، أبرزها:
– تراجع الدخل الحقيقي نتيجة انخفاض قيمة الرواتب مقابل التضخم وارتفاع الأسعار.
– أزمة السكن والإيجارات التي استهلكت جزءاً كبيراً من دخل الأسر، وحولت الأموال من الاستهلاك إلى دفع الإيجار.
– التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة من غذاء وتعليم وصحة ومواصلات، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية.
– تراجع فرص العمل والإنتاج وضعف النشاط الاقتصادي العام.
تأثر التعليم والمهارات خلال سنوات الأزمة ما انعكس على جودة سوق العمل.
– الاعتماد الجزئي على مصادر دخل خارجية أو غير مستقرة لا تغطي الاحتياجات بشكل كامل.
– فقدان جزء من الملكية السكنية لدى بعض الأسر ما زاد من الأعباء المالية.
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى إضعاف الطبقة الوسطى، وبالتالي إضعاف الأسواق نفسها، لأن العلاقة بين الطرفين علاقة تبادلية: قوة الطبقة الوسطى تعني نشاط الأسواق، وضعفها يعني ركودها.
ومن هنا، فإن أي خطة لإعادة إحياء الاقتصاد لا بد أن تبدأ من إعادة بناء الطبقة الوسطى. وهذا يتطلب العمل على عدة محاور متزامنة، أهمها:
– إطلاق مشاريع إنتاجية توفر دخلاً مباشراً وفرص عمل حقيقية، حتى لو كانت تعتمد في البداية على قوة العمل أكثر من الخبرة العالية.
– دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
– تفعيل القروض والتمويل المصرفي بشكل مدروس، خصوصاً القروض السكنية، لتخفيف عبء الإيجارات على الأسر.
تشجيع إنشاء شركات تمويل وتأمين قروض تضمن استقرار العملية التمويلية.
– تقليل أعباء المعيشة قدر الإمكان عبر سياسات اقتصادية تقلل من الإنفاق غير الضروري.
– إعادة توجيه العمل الخيري ليصبح جزءاً من التنمية، وليس مجرد دعم استهلاكي مؤقت.
وفي المحصلة، فإن إنعاش الاقتصاد لا يتحقق فقط عبر السياسات التجارية، بل عبر إعادة بناء القوة الشرائية للمجتمع نفسه، لأن السوق لا يعيش إلا بوجود طبقة قادرة على إعادة خلق دورة اقتصادية متكاملة: عمل يولد دخلاً، الدخل يتحول إلى إنفاق، الإنفاق يخلق طلباً، الطلب يفتح مشاريع جديدة، وهذه المشاريع توفر وظائف إضافية، ما يؤدي إلى توسع الطبقة الوسطى من جديد.
الوطن
|