سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:10/09/2026 | SYR: 10:49 | 10/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 استيراد الفروج بدلاً من دعم المربين
10/09/2026      




سيرياستيبس 

على وقع وصول أسعار الفروج إلى مستويات قياسية، كشفت وزارة الزراعة عن قرارها المفاجئ بفتح باب استيراد الفروج الحي، في خطوة قال وزير الزراعة، باسل السويدان، إنها تأتي «لتلبية حاجة السوق المحلية والمساهمة في تحقيق استقرار الأسعار».

لكن في هذه «الخطوة»، التي أثارت استياء المربين، إعلان استسلام لشبكات الاحتكار، وتجاوزاً لكل معايير التخطيط السليم، في وقت يعترف فيه الوزير نفسه بغياب الحد الأدنى من البيانات الدقيقة عن القطاع.


اعتراف بالعجز يقود إلى قرار مدمّر!

اعترف وزير الزراعة صراحة على «قناة الإخبارية» في 31 آب بأن «غياب البيانات الدقيقة عن قطاع الدواجن يعرقل اتخاذ القرارات المتعلقة به»، مؤكداً أن معظم المداجن الصغيرة تعمل من دون ترخيص وتعتمد أساليب إنتاج بدائية.
هذا الاعتراف – رغم عدم دقته بالكامل – كان يُفترض أن يكون مدخلاً للتغيير، إلا أنه تحول إلى مبرر لقرار كارثي؛ إذ كيف يمكن دراسة تأثير الفروج المستورد على السوق المحلية، وتحديد الكميات المطلوبة، وحساب الهوامش السعرية العادلة، في غياب أي معطيات رقمية، على حد زعم الوزارة، حول حجم الإنتاج الفعلي، وعدد المربين، والطاقة الاستيعابية للسوق؟
ويصبح قرار، اتُخذ في فراغ، مغامرة بقطاع حيوي، ترتهن فيه مصلحة المستهلك والمنتج على السواء لحسابات لحظية، تخدم في المحصلة شبكات المستوردين وحيتان السوق ولا تخدم المستهلك الذي تدعي الوزارة حمايته.


التجييش الإعلامي والاصطفاف مع الاحتكار

كان بإمكان الوزارة – بل كان من واجبها – فتح حوار حقيقي وفعال مع المربين، الذين هم أقرب إلى نبض السوق وإلى مفاصل الخلل الحقيقية.
فالمربون يدركون جيداً أن الأزمة ليست أزمة نقص في الإنتاج؛ هي في المقدمة أزمة تكاليف إنتاج هائلة؛ وارتفاع كبير في أسعار الأعلاف والأدوية ومستلزمات الإنتاج الأخرى التي يسيطر عليها شبكة من المستوردين والمحتكرين؛ فضلاً عن غياب التمويل وارتفاع كلف الطاقة والنقل.
وكلها عوامل يمكن معالجتها عبر سياسات دعم حقيقية، تترافق مع خطط رقابية على جودة المدخلات وضبط أسعارها، وتفعيل دور المؤسسة العامة للدواجن كجهة تنفيذية وداعمة، تؤمن المستلزمات بأسعار مخفّضة وتنظم عملية السوق. وبدل الجلوس مع المربين لتشخيص الأمراض ومعالجتها بالتعاون معهم، اختارت الوزارة «مفاجأتهم» حرفياً بقرار يُنزل بهم ضربة موجعة، متجاهلة أنهم ليسوا الطرف المتسبب بالأزمة.
لكن يبدو أن الجهات المعنية اعتادت صوت «التجييش» نحو فتح باب الاستيراد، حتى بات وقعه في آذانها طرباً.


غياب الاستراتيجية وانهيار الرؤية

ما يزيد الأزمة تعقيداً، هو فشل «الخطة الاستراتيجية» قبل تجربتها؛ فقد أعلنت المؤسسة العامة للدواجن قبل أشهر، عن توجه «استراتيجي» جديد لإعادة هيكلة القطاع، وخطة 2026-2030 للتوسع في المنشآت ورفع الطاقات الإنتاجية.
لكن هذه «الخطط» والوعود تطوى «بشخطة قلم» حين يُفتح باب الاستيراد، وكأن القطاع بحاجة إلى حلول مستوردة تضرب بعرض الحائط مستقبل قطاع حيوي وتصديري، وتحول سورية من دولة كانت تمتلك فائضاً يوميّاً يقدر بنحو 200 ألف طير في العام 2011، إلى سوق مستهلكة، في انتهاك صريح للأمن الغذائي.


هل «سيفرح» المستهلك فعلاً؟

قد يشهد السوق انخفاضاً مؤقتاً في الأسعار، وقد يشعر المستهلك بارتياح لحظي، لكن الثمن الحقيقي سيدفعه الجميع لاحقاً، حين ينهار القطاع بشكل كامل، وتتوقف آلاف المداجن عن العمل، ويخسر الآلاف مصدر رزقهم، وتصبح السوق رهينة للمستوردين والمحتكرين، وعندها لن يكون هناك «منتج محلي» لحمايته، ولن يكون للمستهلك خيار سوى الأسعار التي تُملى عليه.
والمطلوب اليوم، بعد التراجع عن قرار الاستيراد أولاً، هو استراتيجية وطنية تنبثق من شراكة حقيقية مع المربين، تضمن دفعاً فورياً نحو دعم مستلزمات الإنتاج، وإعادة هيكلة المؤسسة العامة للدواجن لتكون أداة فعالة في السوق، ووضع آلية شفافة لضبط الأسعار تعتمد على التكلفة الحقيقية للإنتاج، وتفعيل الرقابة على شبكات التوزيع ومحاربة الاحتكار بكل أشكاله.
وإلا فالقطاع يتجه نحو تصفية كاملة على يد من يُفترض بهم حمايته، تحت ذريعة «حماية المستهلك». والاستمرار في هذا القرار، ولا سيما بعد فشل التجارب السابقة، هو تواطؤ مع احتكار ينهش في مقدرات البلد، ويدفع باقتصاده نحو مزيد من التبعية والهشاشة، على حساب المربين والمستهلكين والأمن الغذائي.


قاسيون


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق