سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:17/10/2026 | SYR: 22:56 | 17/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 غوتشي وديور في دمشق…. 400 دولار للعطر… فمن يشتري؟
17/10/2026      



سيرياستيبس 


“دخول غوتشي وديور وغيرها من الماركات العالمية إلى دمشق يعكس انفتاحاً تجارياً وسياحياً جديداً، لكنه يفتح في المقابل سؤالاً حول حجم الطلب المحلي القادر على استيعاب “سوق الفخامة..”.

المحطة الأولى مدهشة حقاً..

400 دولار لعطر، 600 أخرى لفستان، و150 دولاراً لجاكيت.. هذه ليست أسعاراً في باريس أو ميلانو، بل في قلب دمشق!!

في الميني مول الذي جمع للمرة الأولى في مكان واحد مجموعة من أشهر العلامات العالمية، تبدو دمشق أمام مشهد استهلاكي جديد تماماً: غوتشي، ديور، نينا ريتشي، برادا، كارتييه، كلوي، جيمي تشو، جورجيو أرماني، كالفن كلاين، بوما ولانكوم، وغيرها من الأسماء التي ترتبط عادة بعواصم الموضة والفخامة، باتت حاضرة في السوق السورية، وبأسعار مقومة بالدولار أو تعادل مئات الدولارات.

المشهد بحد ذاته يحمل دلالة اقتصادية مهمة؛ فسوريا التي تستعد لاستقبال السياح والانفتاح أكثر على العالم، بدأت تستقبل أيضاً علامات تجارية عالمية تراهن على سوق جديدة. لكن خلف هذا الانفتاح سؤال يصعب تجاهله: من المستهلك الذي يستطيع فعلياً شراء هذه المنتجات؟

خلال جولة لنا داخل المول، تراوحت أسعار بعض العطور العالمية بين 250 و300 دولار، ووصل بعضها إلى نحو 400 دولار وأكثر. وفي الأزياء، بلغ سعر بعض القمصان الرجالية نحو 400 دولار، فيما وصل سعر جاكيت من الكتان إلى نحو 150 دولاراً. أما بعض الأطقم النسائية، فتجاوزت أسعارها ألف دولار، ووصلت في بعض الحالات إلى حدود 1300 و1500 دولار.

هنا لا تكمن القصة في أن الميني مول يبيع منتجات فاخرة بأسعار مرتفعة؛ فهذا هو نموذج عمل العلامات العالمية أصلاً. القصة في المسافة بين سعر المنتج وقدرة المستهلك السوري على شرائه.

دمشق تفتح الباب.. فمن الزبون؟

وجود البراندات العالمية في دمشق يمكن أن يكون مؤشراً إلى تغير في طبيعة السوق، وإلى عودة تدريجية للانفتاح التجاري والسياحي، كما يمكن أن يشجع مستثمرين ورجال أعمال على إدخال علامات جديدة إلى البلاد.

لكن السوق لا تُقاس بعدد العلامات التي تصل إليها، بل أيضاً بحجم الطلب القادر على استيعابها.

فإذا كان عطر واحد يكلف 300 أو 400 دولار، وقطعة أزياء تصل إلى 400 دولار، فإن قاعدة المستهلكين المحتملين تصبح حكماً أكثر ضيقاً، لتتركز في أصحاب الدخول المرتفعة، والمغتربين، والزوار والسياح، وفئات محددة من المستهلكين.

وهذا لا ينتقص من أهمية المشروع، بل يطرح سؤالاً ضرورياً حول شكل السوق السورية التي يجري بناؤها اليوم: هل نحن أمام سوق استهلاكية محلية تتوسع قدرتها الشرائية، أم أمام سوق فاخرة تستبق اتساع هذه القدرة وتراهن على زبون مختلف؟

السياحة تدخل على خط الفخامة..!

وزارة السياحة تضع المشروع ضمن تصور أوسع من مجرد بيع الملابس والعطور. ويقول إن جمع العلامات العالمية في مكان واحد يمثل «بوابة» لدخول مزيد من البراندات إلى سوريا، ويشجع رجال الأعمال على إدخال العلامات التي غابت عن السوق، بما يتيح للزائر تجربة التسوق إلى جانب زيارة المواقع الأثرية والسياحية.

وبذلك، فإن جزءاً من الرهان لا يبدو موجهاً إلى المستهلك السوري وحده، بل إلى سوريا كوجهة سياحية قادرة على تقديم تجربة تسوق عالمية.

وهنا تصبح أسعار هذه المنتجات مفهومة ضمن نموذج السياحة الفاخرة، لكن المقارنة مع القدرة الشرائية المحلية تبقى ضرورية لفهم حجم السوق الفعلي.

البراندات تدخل..!

العلامة العالمية عندما تدخل بلداً لا تبحث فقط عن واجهة جميلة، بل عن سوق تستطيع أن تبيع فيها باستمرار. ولذلك فإن التحدي أمام هذه التجربة لن يكون في جذب المزيد من الأسماء العالمية إلى دمشق فقط، وإنما في بناء بيئة اقتصادية توسع قاعدة المستهلكين القادرين على الإنفاق.

سوريا تستعد اليوم لاستقبال العالم، ودخول البراندات العالمية جزء من هذا المشهد الجديد. لكن بين سوريا التي تريد أن تقدم نفسها للعالم كسوق ووجهة سياحية، وسوريا التي يعيش فيها ملايين المستهلكين تحت ضغط القدرة الشرائية، توجد فجوة اقتصادية تحتاج إلى أن تُقرأ لا أن تُخفى.

فالسؤال في النهاية ليس لماذا وصلت غوتشي وديور ووووغيرها إلى دمشق، بل كيف يمكن أن تتحول عودة العلامات العالمية إلى نشاط اقتصادي مستدام، لا يكتفي بعرض الفخامة خلف الواجهات، بل يستفيد من اتساع السوق السورية نفسها وقدرتها على الشراء؟


الوطن


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق