سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:18/10/2026 | SYR: 13:11 | 18/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 حرب ترمب تخنق إيران اقتصاديا وتدفع السكان نحو الانهيار
18/10/2026      



سيرياستيبس 

يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترمب على حصار بحري وضغوط اقتصادية متصاعدة لإضعاف النظام الإيراني من الداخل، وسط انهيار الريال وارتفاع تضخم الغذاء وصعوبة الحصول على السلع الأساسية.

في مدينة ساري الساحلية المطلة على بحر قزوين شمال إيران، يعمل أكبر، البالغ 43 سنة، في تكسير المعادن ونقل الأحمال داخل ساحة للخردة، مقابل أقل من أربعة جنيهات إسترلينية (5.30 دولار) يومياً.

وباتت قيمة أجره المتواضع تعادل نحو نصف ما كانت عليه قبل عام، وأخيراً، بدأ يدخر ما يتبقى من ماله القليل يومياً لشراء المواد الغذائية وتخزينها تحسباً لشن الولايات المتحدة حملة قصف جديدة على بلاده.

لكن قبل أسبوعين، اضطر إلى استهلاك تلك المؤن التي كان يحتفظ بها لحالات الطوارئ، بعدما اشتدت حاجته إليها.

وقال أكبر لصحيفة "تلغراف"، "لم نعد قادرين حتى على تحمل نفقاتنا اليومية، والأمر لا يقتصر عليّ، فمعظم من أعرفهم يعانون المشكلة نفسها، ولذلك لا أستطيع حتى الاقتراض منهم، لأنهم يواجهون صعوبات أيضاً".

وتجسد معاناة أكبر، وما يصاحبها من شعور بالعجز والإحراج، وجهاً لحرب أبطأ وأكثر استنزافاً تضغط على إيران، فقد توقفت الغارات على المدن الكبرى، لكن حرباً أخرى حلّت محلها، تستهدف هذه المرة الحياة اليومية للإيرانيين العاديين.

وتفرض واشنطن عقوبات على شركات الطيران الإيرانية، وتضيّق الخناق على المعابر الحدودية، وتجعل استيراد الأدوية والغذاء والأسمدة بالغ الصعوبة، ضمن حملة أميركية تحمل اسم عملية المنبوذ اقتصادياً (Operation Economic Outcast) .

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية27 شركة طيران وهيئة مرتبطة بالطيران الإيراني على القائمة السوداء، في خطوة قطعت عنها إمكانية الوصول إلى قطع الغيار والصيانة والفحوص المتعلقة بالسلامة.

ووصفَت طهران هذه الإجراءات، في شكوى قدمتها إلى مجلس الأمن الدولي، بأنها إرهاب اقتصادي وعقاب جماعي للمدنيين.

حصار الموانئ يعطل الصادرات الإيرانية
بدأ الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية يفرض مزيداً من الضغوط، مع توقف معظم الصادرات الإيرانية تقريباً، وفي المقابل، تعود عائدات النفط التي لا تزال تجد طريقها إلى الأسواق إلى دول عربية مجاورة في الخليج العربي، وهو ما أثار استياء القوات المسلحة الإيرانية، التي استأنفت هذا الأسبوع الهجمات على ناقلات النفط.

وقبل اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، كان مضيق هرمز يشهد عبور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً، وكانت الشحنات التي تمر عبره تمثل قرابة 20 في المئة من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم.

وبعد مرور سبعة أشهر على بدء الحصار، تحدثت الصحيفة إلى مواطنين إيرانيين ومسؤولين ورجال دين ومحللين في أنحاء البلاد، لرصد تأثير الضغوط الاقتصادية في المجتمع.

ووصف هؤلاء بلداً يستنزفه الحصار الاقتصادي، في وقت تتهاوى العملة المحلية وتتراجع القدرة الشرائية للسكان، وتحدثوا عن عمال يوميين اضطروا إلى استهلاك احتياطاتهم الغذائية، ومتاجر صغيرة فقدت زبائنها، وصيدليات يفتش فيها المرضى من رف إلى آخر بحثاً عن شريط واحد من أقراص الكودايين، فضلاً عن صعوبة العثور على لقاحات الإنفلونزا.

ووصفوا حال يأس تتسلل بين الشباب الذين يشعرون بأن مستقبلهم يُنتزع منهم يوماً بعد يوم، فيما قالت شابة إنها وصلت مراراً إلى مرحلة لم تعد تتمنى فيها سوى أن ينتهي كل شيء.

وحتى داخل إيران، بدأت آثار الضغط تظهر بوضوح، فقد أقر جنرالات ورجال دين بمخاوف من أن تكون الحشود المؤيدة للحكومة، التي تملأ الشوارع وتطالب بالانتقام، تدفع النظام نفسه نحو الانهيار، وأنه قد لا يتمكن من تحمل الضغوط المتزايدة، خصوصاً في ظل غياب المرشد الأعلى شبه الكامل عن المشهد العام.

اقتصاد يتدهور وعملة تفقد قيمتها
في الوقت الذي تتفاقم الأزمة المعيشية، تصر القيادة الإيرانية علناً على تقديم الحرب باعتبارها انتصاراً، فقد أبلغ الرئيس الإيراني الأمم المتحدة أن بلاده "خرجت ورؤوسنا مرفوعة"، وأعلن القادة العسكريون انتصار إيران، فيما حشدت الدولة مئات الآلاف ضمن حملة تعبئة واسعة تقدمها باعتبارها دليلاً على أن البلاد لم تنكسر.

لكن المقابلات التي أجرتها "التلغراف" تشير إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعدما أخفق في إخضاع إيران عسكرياً خلال الحرب هذا العام، يتجه إلى استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تشديد الحصار البحري والخنق الاقتصادي بهدف تقويض النظام من الداخل.

وفي طهران، كان رضا، البالغ 36 سنة، يدير متجراً صغيراً عبر الإنترنت، إلى أن توقفت الطلبات، وقال "لم أحقق أي دخل منذ أسابيع... خلال الحرب انقطع الإنترنت، واعتقدت أن الأمور ستتحسن عندما يعود، لكنها ازدادت سوءاً، فالناس لا يملكون المال لشراء أي شيء".

وبعد نفاد مدخراته، بدأ العمل في متجر لأحد أقاربه، مضيفاً "الوضع سيئ هناك أيضاً، الناس لا يشترون".

وتراجعت قيمة الريال إلى ما يزيد على 2.7 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، فيما تجاوز تضخم أسعار الغذاء، بحسب بعض التقديرات،125 في المئة.

ويعني ذلك أن تراجع العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية يلتهمان دخول الإيرانيين بسرعة، ويجعلان تأمين الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة، حتى بالنسبة إلى من لا يزالون يحتفظون بوظائف.

نقص الأدوية والوقود يقيد حياة السكان
في مدينة كرج الواقعة غرب طهران، قرر جلال، البالغ من العمر 38 سنة، الذي يعمل سائق سيارة أجرة، التخلي عن حياته هناك والانتقال إلى شيراز، حيث يقيم والداه وأقاربه، لكنه لا يستطيع تحمل كلفة الانتقال.

وقال "قبل شهرين، كانت كلفة شاحنة لنقل أغراضي تبلغ 10 ملايين تومان إيراني (38 دولاراً)، وفي الأسبوع الماضي، أخبروني أن السعر أصبح 35 مليون تومان إيراني (132.60 دولار).

وأضاف أن شح الديزل يتيح للسائقين فرض الأسعار التي يريدونها، مما يرفع كلفة نقل الأمتعة ويجعل الانتقال بين المدن أكثر كلفة، وتابع "كل ما يمكنني قوله هو أن تأمل ألا تحتاج إلى طبيب، ذهبت إلى ما لا يقل عن 10 صيدليات بحثاً عن الكودايين، وحتى لقاحات الإنفلونزا أصبح العثور عليها صعباً".

ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار أو تراجع فرص العمل، بل تمتد إلى القدرة على الحصول على العلاج، في وقت تتعرض سلاسل الإمداد والأنشطة التجارية لضغوط متزايدة.

ويعني ذلك أن المرضى يواجهون عبئاً مزدوجاً يتمثل في صعوبة العثور على بعض الأدوية، وارتفاع كلفة النقل والحصول على الخدمات الأساسية.

الشباب يشعرون بأن مستقبلهم يُسلب منهم
تبدو مشاعر اليأس أكثر عمقاً بين الشباب الإيرانيين، الذين يرون أن فرصهم في بناء حياة مستقرة تتراجع مع استمرار الحرب والضغوط الاقتصادية.

وقالت ترانه، البالغة من العمر 29 سنة، وهي طالبة في طهران، "إن الحياة تغرق في مزيد من البؤس مع مرور كل يوم".

وأشارت إلى أنها تتمتع الآن بقدر أكبر من الحرية في اختيار ملابسها، نتيجة تخفيف بعض القيود، لكنها تساءلت، "ما فائدة ذلك عندما لا نستطيع حتى تحمل كلفة احتساء القهوة مع الأصدقاء؟".

وأضافت أنها وصلت أكثر من مرة إلى مرحلة تمنت فيها ببساطة أن ينتهي كل شيء.

أما بهناز، البالغة 18 سنة، وهي طالبة في المرحلة الثانوية بمدينة أصفهان، فبدت أكثر استسلاماً من كونها غاضبة، وقالت "أنا لست في صف أحد، أفكر فقط في مستقبلي، الذي يُنتزع مني كل يوم، أشعر بأن أحداً لا يهتم بنا، فكل شيء يتعلق بالسياسة ونحن عالقون في المنتصف".

ويعكس هذا الشعور، بأن المواطنين أنفسهم أصبحوا ساحة المعركة، أحد أبرز التحديات التي تواجه القيادة الإيرانية، مع اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي عن الانتصار والواقع المعيشي للسكان.

الحشود المؤيدة للنظام تضغط على المفاوضين
قالت الصحيفة إن هذه المخاوف باتت موضع نقاش داخل المستويات العليا في إيران، إذ أقر جنرالات ورجال دين في مقابلات معها بأن الإيرانيين الذين يملأون الشوارع قد يدفعون النظام نحو الانهيار، وأن بعض المسؤولين يدركون خطورة هذا الاحتمال.

وفي كل ليلة، تتجمع حشود من أنصار النظام في ساحات المدن، وتهتف مطالبة بالانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتعهد مواصلة القتال.

لكن الغضب بدأ يتجه أيضاً إلى الداخل، إذ يحذر المتظاهرون مفاوضي الحكومة من إبرام أي اتفاق مع واشنطن، ويصورون المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب باعتبارها خيانة.

وأصبحت التجمعات الليلية، التي تأتي ضمن حملة التعبئة الجماهيرية المعروفة باسم "جان فادا"، استعراضاً لقوة التيار المتشدد، في وقت يختبر الجوع صبر قطاعات أوسع من المجتمع.

وتحولت هذه التجمعات إلى رسالة ضغط موجهة إلى الدبلوماسيين الإيرانيين، مفادها أن أي تنازل في المفاوضات قد تكون له كلفة سياسية واجتماعية كبيرة.

ومع ذلك، قال مسؤولون إيرانيون ورجال دين تحدثوا إلى الصحيفة إنهم يرون، في أحاديث خاصة، ضرورة الدخول في مفاوضات مع الأميركيين، في ظل عدم يقينهم بشأن ما إذا كان ترمب ينتظر انهيار الاقتصاد قبل التحرك.

وأعربوا عن قلق نادر التعبير عنه علناً، يتمثل في احتمال عجز إيران عن تحمل الضغوط، في ظل بقاء المرشد الأعلى بعيداً من الأنظار إلى حد كبير.

وقال محلل في طهران، "من الواضح أن ترمب يلعب الآن على المدى الطويل، وينتظر وصول النظام إلى مرحلة يُجبر فيها على تقديم تنازلات".

وأضاف "لكن ذلك قد يستغرق وقتاً طويلاً، لأن الأيديولوجيا الشيعية تقوم أساساً على المقاومة، غير أن الوضع يصبح مختلفاً عندما يجوع الناس".

الحصار بديل عن الحرب أم مقدمة لتصعيد جديد؟
في حين يتباين رأي المحللين بشأن طبيعة الاستراتيجية الأميركية، وما إذا كان الحصار الاقتصادي والبحري يشكل بديلاً عن الحرب أم مقدمة لجولة جديدة منها.

وقال الدبلوماسي الإيراني السابق صادق مالكي إن الفصل بين الاحتمالين ليس أمراً سهلاً، وأضاف "نحن في وضع متغير، تقترب فيه الحرب كما يقترب السلام".

وأوضح أن الولايات المتحدة أخفقت في تحقيق أهدافها من خلال الحرب، وهي تحاول الآن الوصول إلى ما تريده عبر الحصار، مع المراهنة على أن الألم الاقتصادي وارتفاع كلفة المعيشة سيضعفان قدرة المجتمع الإيراني على الصمود.

ويرى مالكي أن طريق الخروج من الأزمة يبدأ "خطوة بخطوة، من التفاهم إلى الاتفاق، ثم نحو التطبيع".

من جهته، قال الباحث في الشؤون الدولية علي بيغدلي إن الأولوية الحالية لترمب تتمثل في الحصار، لا في شن حرب جديدة يصعب عليه تحمل كلفتها السياسية والاقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وأشار إلى تراجع شعبية الرئيس الأميركي، وإلى أن أسعار الوقود تمثل خطراً سياسياً مباشراً على إدارته، وأضاف "قد يكون فتح جبهة جديدة مكلفاً، خصوصاً أن الصراعات السابقة لم تحقق لواشنطن انتصاراً نهائياً".

ويعكس هذا التقدير حسابات أميركية محتملة تربط استمرار الضغط على إيران بتجنب الانخراط في حرب جديدة واسعة النطاق، مع الإبقاء على الحصار وسيلة لانتزاع تنازلات من طهران.

بيزشكيان... التفاوض تحت التهديد إكراه
في المقابل، تؤكد القيادة الإيرانية أنها لن ترضخ للضغوط الأميركية أو تُجبر على الاستسلام، وخلال قمة رابطة الدول المستقلة هذا الأسبوع، قدم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان بلاده باعتبارها ممراً أساسياً يربط آسيا الوسطى بالمياه المفتوحة عبر ميناء تشابهار المطل على خليج عُمان.

وحذر من أن العقوبات المفروضة على إيران تضر بالتجارة والطاقة في المنطقة بأكملها، في محاولة لتأكيد أن تداعيات الحصار لا تقتصر على الاقتصاد الإيراني، وقال "التفاوض في ظل التهديد بالقوة ليس تفاوضاً بل إكراهاً".


لكن تأثير الحصار يظهر على الأرض بطرق أكثر مباشرة، إذ تتوقف قوافل الشاحنات الإيرانية عند معبر حدودي تلو آخر، وتعجز عن نقل البضائع إلى الخارج عبر الطرق البرية.

وهكذا، لم تعد نتائج المواجهة تُقاس بالأراضي التي يسيطر عليها كل طرف، بل بما يطرأ على تفاصيل الحياة اليومية للإيرانيين، من القدرة على شراء الطعام إلى الحصول على الدواء والعمل وتأمين نفقات الأسرة.

حرب استنزاف تختبر قدرة المجتمع على الصمود
بالنسبة إلى أكبر، العامل في ساحة الخردة بمدينة ساري، لا تظهر الأزمة في التصريحات السياسية أو الحسابات العسكرية، بل في تفاصيل يومية تمس كرامته وقدرته على مواصلة حياته.

وقال إنه شعر بإحراج شديد من حضور حفل زفاف أخيراً، لأنه لم يكن قادراً على شراء هدية وتقديمها للعروسين، وأضاف واصفاً الأجواء في الشوارع "نادراً ما ترى أشخاصاً يضحكون، الجميع، في كل مكان، يشتكون، ولا أحد يعرف من يلوم".

وتختصر هذه الكلمات الرهان الأساسي في استراتيجية الضغط الأميركية: دفع الاقتصاد الإيراني إلى مرحلة تصبح فيها كلفة استمرار المواجهة أكبر من قدرة السكان على تحملها، بما قد يضع القيادة أمام خيارات أكثر صعوبة.

لكن مدى قدرة الحصار على تحقيق هذا الهدف لا يزال غير محسوم، فبينما تراهن واشنطن على أن التدهور المعيشي سيضعف النظام من الداخل، تتمسك طهران بخطاب المقاومة وترفض التفاوض تحت التهديد، في وقت يجد المواطنون أنفسهم عالقين بين حرب لم تنتهِ تداعياتها، وحصار يهدد بتقليص قدرتهم على تأمين أبسط متطلبات الحياة.

اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق