سيرياستيبس
كتب ناظم عيد ارتفع سقف تطلعات السوريين إلى مستقبل أفضل لبلدهم، ومعه اتّسع هامش التوقعات بنفحة ظاهرة من التفاؤل على أبواب عام جديد. وإن كان السوريون اعتادوا في مثل هذه الفترة من السنة على إجراء جردات حساب لعام مضى، بكل ما كان يعتريه على مدى سنوات طويلة، من استعراض تقارير “إنجاز حكومي” تتورّط بنقلها عنوة وسائل الإعلام المحلية، فإنهم اليوم يوثّقون تطلعاتهم للقادمات من الأيام، وسط تزاحم كثيف للأولويات، في بلدٍ تضخّمت فيه لائحة الاستحقاقات الملحّة والعاجلة على خلفيات انهيار شبه تام. والواقع أن الرؤى تبدو مختلطة اليوم، في الأوساط الأكاديمية كما في قطاع الأعمال، بين هامشي التطلعات والتوقعات. ولعلّ ذلك مبررٌ بحجم التطورات المتسارعة التي جرت خلال “سنة أولى تحرير”. ميزان الاستقرار السياسي يبقى التفاؤل الحذر هو العنوان الأبرز الذي تتقاطع عنده أحاديث الخبراء، كما كل النخب، إن في الحوارات المعلنة أو الجلسات الخاصة، “وكم هي كثيرة هذه الجلسات”. ويربط الخبير الاقتصادي الأكاديمي الدكتور محمد كوسا، مجمل الرؤى الواقعية بالاستقرار السياسي، الذي يراه ضرورة وعامل حاسم لأي نمو اقتصادي، لكنه يتوقع أن تستمر التطلعات الاقتصادية في تحقيق أقل مقدار من الاستقرار والذي يعد الشرط الأساسي لجذب الاستثمارات سواء المحلية أو الأجنبية. وفي بُعدٍ استدلالي يرى الخبير كوسا، في تصريح إلى “المدن”، أن الموارد الطبيعية والثروات البشرية في سوريا غنية، لكنها غير مستغلة بشكل فعال بسبب التوترات المستمرة. فعدم الاستقرار يمنع تنفيذ الإصلاحات الضرورية. وإن كانت إعادة الإعمار إحدى أولويات التطلعات الاقتصادية، مشتملة بالتأكيد على تطوير شبكات النقل والطاقة، والسماح بعودة الناس إلى الحياة الطبيعية، بعد تضرر معظم المدن الكبرى مثل حلب ودمشق من النزاع، إلا أن ذلك يتطلب استثمارات عالية مقدرة بـِ “400 مليار دولار حسب بعض التقديرات”. يتوقّع الخبير كوسا إيجاد إستراتيجيات حكومية جديدة تهدف إلى خلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة ومن غير المرجح وفقاً للخبير كوسا، أن يتوفر تمويل كهذا من دون استقرار سياسي ودعم خارجي وفق معايير سيادية. مواجهة مع البطالة والفقر وفي اتجاه اقتصادي بامتدادات اجتماعية، يتطلّع كوسا، كما الكثيرين من خبراء ومواطنين، إلى استحقاق مكافحة البطالة والفقر، انطلاقاً من وقائع ومشاهد صعبة تؤكدها المعطيات والتقديرات الرسمية التي أفصحت عن أن معدلات الفقر تجاوزت 90 في المئة من السكان، وكذلك البطالة. ويتوقّع الخبير كوسا إيجاد إستراتيجيات حكومية جديدة تهدف إلى خلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة. لكنه يعود للإشارة إلى أن انعدام الاستقرار يؤدي إلى نزوح جماعي ونقص في القوى العاملة الماهرة، ما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي. والكلام نفسه يمكن سحبه على صعيد العلاقات الخارجية. فتعزيز العلاقات مع العالم والدول العربية ودول الجوار وسيلة متاحة للحصول على المساعدات والدعم الدبلوماسي. لكن حالة عدم الاستقرار الكامل حالت دون فتح أسواق جديدة لاستيعاب اليد العاملة المطلوبة. ومن الممكن أن يساعد تحسين العلاقات في الحصول على تدفق منظّم للمساعدات وتسهيل الاستثمارات. جراحات اقتصادية ومقاربات مجتمعية ويتطلع خبراء إلى إجراء الإصلاحات الاقتصادية. وهذا في الواقع مطلب إستراتيجي من الحكومة، التي عليها اعتماد سياسات اقتصادية متقدمة، مثل تخفيف القيود المفروضة على الأسواق، والاستثمار في القطاع الخاص. فالإصلاحات قد تسهم في تحسين بيئة الأعمال، وهي خطوة ضرورية للنمو، خاصة في ضوء الحاجة لتفعيل القطاع الخاص. وينتقل الطرح من البعد الاقتصادي الضيق إلى أفق اجتماعي أوسع، حيث تبرز الحاجة إلى النظر في التحديات الاجتماعية المتراكمة عبر سنوات من التوتر، مثل إهمال الهوية الثقافية وضعف الروابط الاجتماعية.
د. كوسا: التركيز على تعزيز الهوية الوطنية وبناء التماسك الاجتماعي بوصف ذلك جزءاً لا يتجزأ من الطموحات الاقتصادية الشاملة ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التركيز على تعزيز الهوية الوطنية وبناء التماسك الاجتماعي، بوصف ذلك جزءاً لا يتجزأ من الطموحات الاقتصادية الشاملة. كما تكتسب مشاركة المجتمعات المحلية في جهود إعادة البناء أهمية خاصة، باعتبارها عنصراً أساسياً في تحقيق نتائج مستدامة.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم التنمية المستدامة كإطار جامع، يقوم على تبنّي نموذج تنموي يراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية إلى جانب البعد الاقتصادي، ويتفاعل مع التوجهات العالمية نحو الاستدامة. ويمكن لهذه التوجهات أن تمثّل فرصة لإعادة صياغة نموذج تنموي جديد يستجيب في آنٍ واحد للتحديات المحلية والدولية. تفاؤل بركائز واقعية من الحالة الأكاديمية إلى الأخرى العملية، توقفنا قليلاً عند وجهة نظر المهندس باسل كويفي، وهو باحث سياسي واقتصادي إلى جانب كونه رجل أعمال سورياً. بدا الرجل متفائلاً بتطلعاته وتوقعاته بتحوّل المشهد الاقتصادي السوري بشكل جذري الى اقتصاد حر تنافسي.
باسل كويفي: تبلور مشاريع منتجة استثمارية داخلية وخارجية لتوفير الطاقة اللازمة وبشكل مستدام خلال فترة لا تتجاوز عامين. ويستشهد كويفي بالتغييرات الفورية في المزاج العام، و شعور السوريين بتوفر المواد الاساسية وسهولة الحصول على المواد الأولية للصناعة والزراعة ووفرة المواد الكمالية. ويتوقّع تبلور مشاريع منتجة استثمارية داخلية وخارجية لتوفير الطاقة اللازمة وبشكل مستدام خلال فترة لا تتجاوز عامين. ففي رأيه، ستساعد في ذلك عودة التعاملات المصرفية الدولية، وفتح قنوات الاستيراد والتصدير مع إمكانية الحصول على التمويل من المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي)، وعودة الاستثمارات الخارجية (بعد فترة تقييم للمخاطر). وفي ما يشبه المفارقة، يلفت كويفي إلى أن انهيار البنى الاقتصادية القديمة، وتفكك شبكة المصالح المرتبطة بالنظام السابق واحتكاراتها، سيسهمان في الحد من الفساد والتضخم، وبالتالي تحفيز الاقتصاد والاستثمار في المرحلة المقبلة.
كويفي: إطلاق “مؤتمرات مانحين” كبيرة بقيادة أممية و غربية / عربية لدعم إعادة الإعمار أفق واضح بناء على السياق السابق، يوضح الخبير كويفي أنه بات بالإمكان توضيح الرؤى حول التطلعات الاقتصادية المحتملة مستقبلياً خلال العام القادم في نقاط أساسية: الأولى: برنامج إعمار دولي ضخم يتضمن: تدفق مساعدات منظمات الإغاثة والإنماء الدولية. إطلاق “مؤتمرات مانحين” كبيرة بقيادة أممية و غربية / عربية لدعم إعادة الإعمار. الثانية: إعادة هيكلة الاقتصاد إصلاح النظام النقدي والمالي والمصرفي. استعادة تدوير الإنتاج الزراعي والصناعي وتحفيز السياحة والتجارة والاستثمار. استغلال الموارد الطبيعية (النفط، الغاز، الفوسفات ، المعادن)، وقد بدأت بوادره بالتوقيع على مذكرات تفاهم مع الشركات الامريكية -شيفرون وشركات عربية وغربية للتنقيب عن النفط في البلوكات البحرية . الاستفادة من الموقع الجيوسياسي الهام لسورية في الترانزيت والمرور الدولي ونقل خطوط الطاقة عبرها . الثالثة: إعادة الدمج الإقليمي والعالمي إعادة فتح خطوط التجارة مع الدول المجاورة (تركيا، الأردن، لبنان، العراق). عودة العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج. الرابعة: النمو الاقتصادي السريع (نمو الانتعاش) معدلات نمو عالية في السنوات الأولى بسبب بدء ضخ الاستثمارات وبرامج اعادة الاعمار . · خلق فرص عمل في قطاع الإنشاءات والخدمات . تحديات أمام النهوض مع كل التوقعات الايجابية، يرى كويفي أن ثمة تحديات يجب معالجتها للنهوض والتعافي السريع خلال الفترة الانتقالية الحرجة (1-3 سنوات). ويتوافق رأي كويفي مع رأي كوسا هنا، حول ترسيخ الاستقرار الأمني والسياسي، وتعزيز قدرات المواطنين على تأمين معيشتهم وسبل العيش، وتأمين تمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وجبر الضرر عن المتضررين من الحرب وإعفائهم من التزاماتهم المالية، مع توازن مطلوب في التعامل مع قوى اقليمية وعالمية في التنافس على السوق السورية للابتعاد عن الصراعات الخارجية والحفاظ على وحدة سورية بكامل جغرافيتها.
كويفي: الفرصة ذهبية أمام سورية، عبر تحول جذري نحو اقتصاد مفتوح ومندمج مع العالم كما يتفق الخبير كويفي مع المزاج العام في الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال، بأن الفرصة ذهبية أمام سورية، عبر تحول جذري نحو اقتصاد مفتوح ومندمج مع العالم، مع تدفق مساعدات واستثمارات لإعمار قد يكون “أسرع” من المتوقع، مع بناء مؤسسات حوكمة شفافة تمنع الفساد، وبيانات واحصائيات حديثة وشفافة وإعلام حر نزيه وقضاء عادل مع تحديث القوانين لتتماشى مع الواقع الجديد .
|