سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:06/09/2026 | SYR: 13:05 | 06/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 قبل أن تدور معاصر الزيتون… أنقذوا مياه سوريا من الجفت ..
كي لا تسودّ الآبار مجدداً .. الوزارات المعنية أمام مهلة أسابيع لا أشهر .
06/09/2026      


مخلفات معاصر الزيتون.. خَطَر على الموارد المائية وعقوبات قانونية صارمة |  maadialna




"قبل أن تدور المعاصر هذا العام، يجب أن تدور عدسه الرقابة أولاً " . لعلها جملة تلخص ما أراد الكاتب " ياسر أسعد " قوله في مقال يتسم بكثير من الأهمية و " الوطنية " اتجاه قطاع زراعي تحتل فيه سوريا مراتب متقدمة على مستوى العالم لجهة عدد الأشجار وكميات الانتاج إلى جانب توفير فرص عمل لمئات الآلاف من السوريين .. 
الأمر الذي يستدعي تعاملا حاسما مع مخلفات معاصر الزيتون التي تفوق في تلوثها مياه الصرف الصحي .. 

مقال جديد بالقراءة ..والأهم جدير بأن يكون محركات لاجراءات سريعة سابقة لبدء قطاف موسم الزيتون - 

سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر علي أسعد

كل خريف، حين تثقل أغصان الزيتون في اللاذقية وطرطوس وإدلب وريف حماة وحمص ودرعا ، ويستعد السوريون لموسم يمثل لهم ذاكره وهويه ومصدر رزق , تتكرر الجملة نفسها في القرى القريبة من المعاصر, الماء تغيّر لونه , ليست مبالغة صحافية ولا شكوى موسمية عابرة.
  في السنوات الماضية خرجت مشاريع مياه شرب عن الخدمة في ريف طرطوس، وتلوّنت مجارٍ بالأسود في ادلب وجسر الشعور , واختفت الأسماك من مسيلات كانت مصدر رزق وعلامة حياة , السبب واحد في كل رواية رسمية وأهلية مياه الجفت، السائل الناتج عن عصر الزيتون .
المفارقة مؤلمة شجرة ارتبطت في وجدان السوريين بالسلام والخير والبركة، تتحول مخلفات ثمارها، بسبب سوء الإدارة وعدم تطبيق القانون وضعف الرقابة، إلى مصدر تهديد للماء والتربة .   
هذا المقال لا يطالب بإلغاء المعاصر ولا بمعاقبتها, بل يطالب بثلاثة أمور واضحة , أن تتوقف الوزارات المعنية عن إدارة الأزمة بعد وقوعها، وأن تُطبَّق النصوص الموجودة قبل دوران الحجر، وأن يُوضع مسار طويل يستفيد مما فعلته إسبانيا وإيطاليا واليونان وتونس وتركيا بدل إعادة اختراع الدولاب.
الموسم على الأبواب , أسابيع قليلة تكفي لتجهيز خطة أو لضياع فرصة جديدة.
القانون السوري واضح , قرار الزراعة 190/ت يمنع الرمي في الأنهار والمسيلات والصرف الصحي وقرب الينابيع , وقرارالصناعه 261/ت لعام 2007 للشروط الفنية لإقامة المعاصر، والمواصفة السوريه 4083 لدليل التشغيل، وشروط الرخصة الفنية التي تفرض حوضاً كتيماً وترحيلًا إلى مواقع تحددها الوحدات الإدارية, والقرار البيئي رقم 119/ن والمرسوم 2680 لعام 1977 عند تقييم حساسية المواقع , لجان تجوب الحقول كل موسم وتغلق بضع معاصر بعد وقوع الضرر , الإغلاق بعد تلوّث الانهار والبحيرات والابار ليس خطه حكوميه , هو اعتذار يُكتب على حساب عطش السوريين
تقدر المساحات المزروعة بالزيتون في سوريا بنحو 700 ألف هكتار، ويوفر القطاع مصدر رزق لنحو 300 ألف أسرة زراعية، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ووزارة الزراعة السورية. وفي موسم 2024 وصل إنتاج الزيتون إلى نحو 762 ألف طن , خصص نحو 80% منه لاستخراج الزيت، وبلغ إنتاج الزيت نحو 122 ألف طن .
نحن إذاً لا نتحدث عن عدد محدود من المعاصر، بل عن واحدة من أهم سلاسل الإنتاج الزراعي في سوريا، وعن نشاط موسمي ضخم تتركز عملياته خلال أسابيع قليلة, ولهذا فإن أي خلل في إدارة مخلفاته يتحول إلى كارثه بيئية. 



 أخطر من مياه الصرف الصحي 

_ مياه الجفت سائل داكن يحتوي على مركبات فينولية وأحماض عضوية ومواد عالقة وزيوت ومكونات أخرى ، حامضي، مرّ الطعم، يخرج مع الزيت من ثمرة الزيتون ومع ماء الغسيل والعجن في المعاصر التقليدية أو العاملة بنظام الثلاث مراحل , تشكّل نحو أربعين في المئة من وزن الثمار، وقد يبلغ حجمها 0.5 متر مكعب لكل طن زيتون, تحلله الطبيعي صعب إذا صُرّف بكميات كبيرة مباشرة إلى البيئة .
خطورتها ليست في لونها , هي تجمع ثلاث صفات تجعلها أشد تلويثاً من مياه الصرف الصحي بمئات المرات , حموضة مرتفعة وطلب كيميائي على الأكسجين قد يصل مئات الغرامات في اللتر ومركبات فينولية سامة للنبات والأحياء الدقيقة والكائنات المائية وبطيئة التحلل , إذا وصلت إلى نهر أو بئر استهلكت الأكسجين المذاب بسرعة فاختنق السمك ولوّن الماء وأعطاه طعماً مراً ورائحة لا تزول بسهولة في محطات التصفية .
وعلى التربة تُحمّض الوسط وتسدّ المسام بطبقة طينية دهنية، فتقلّ التهوية والنفاذية, ويرفع الملوحة و يحرّك عناصر غير مرغوب فيها نحو الأعماق , وفي المناطق الكارستية المتصدعة ( وهي شائعة في الساحل السوري ) لا تحتاج المياه إلى رحلة طويلة كي تبلغ الخزان الجوفي . 



 معرفة مسار مياه الجفت بدقة 


قبل إعطاء أي منشأة إذناً ً بالتشغيل , يجب أن يكون واضحاً أين ستذهب كل مخلفاتها السائلة والصلبة، وما قدرة منشآت المعالجة أو أحواض التجميع لديها، وهل تتناسب فعلاً مع الطاقة اليومية للمعصرة .
المعاصر الكبيرة التي تستوجب شروطها الفنية تجهيزات للمعالجة يجب ألا تعمل قبل إثبات جاهزيتها الفعلية , أما المنشآت التي يسمح نظامها باستخدام أحواض تجميع , فيجب التأكد من سعتها وعزلها وموقعها وسلامتها ومنع التسرب منها , المطلوب حوض تجميع ومنشأة معالجة تعمل، وسجل يبين كمية المخلفات وكيف تم التخلص منها .
 المشكلة تقع بين اختصاصات عدة جهات، وهنا تحديداً يكمن خطر ضياع المسؤولية , لذلك المطلوب قبل بدء الموسم غرفة تنسيق مشتركة في كل محافظة منتجة للزيتون, يكون لديها سجل إلكتروني بسيط يجيب عن خمسة أسئلة لكل معصرة , كم تبلغ طاقتها اليومية , كم تتوقع أن تنتج من المخلفات ,أين ستجمعها , كيف ستعالجها أو تنقلها , ومن المسؤول عن مراقبتها , وعندها يصبح التفتيش قائماً على البيانات لا على جولات الشكلية .



 التعامل بحزم مع المعاصر 

هناك قاعدة اقتصادية بسيطة في حماية البيئة , إذا كانت كلفة المخالفة أقل من كلفة الالتزام , فسوف يختار أصحاب المنشآت المخالفة , لذلك يجب أن تكون العقوبة متناسبة مع الضرر حتى لايعتبرها صاحب المنشأة جزءاً من تكلفة الموسم , يجب أن تكون العقوبات متدرجة إلى وقف التشغيل عند التصريف المتعمد أو المخالفات الجسيمة والمتكررة، مع إلزام المتسبب بتحمل تكاليف معالجة الضرر البيئي .
_ سوريا يجب أن تستفيد من تجارب الدول المتوسطية المنتجة للزيتون بدلاً من إعادة اكتشاف الحلول , ففي إيطاليا نظم القانون الاستخدام الزراعي لمياه معاصر الزيتون ضمن ضوابط وكميات محددة , بدلاً من السماح بتصريفها عشوائياً وحدد سقوفاً تصل إلى 50 متراً مكعباً للهكتار سنوياً للمعاصر التقليدية و80 متراً مكعباً للهكتار للمعاصر ذات الدورة المستمرة._ 

أما إسبانيا واليونان، فقد طورت المقاربة من مجرد السؤال «كيف نتخلص من النفايات» إلى كيف نستفيد منها حيث تستخدم تقنيات بحسب نوع المخلفات وحجم المنشأة، من التبخير والمعالجة الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، إلى الهضم اللاهوائي المشترك وإنتاج الغاز الحيوي، والتسميد.
اما تركيا فقد واجهت التحديات بطريقه مختلفه واتجهت نحو تقنيات تقلل إنتاج المياه الملوثة بالتحول للمعاصر ثنائية الطور, إضافة إلى حلول التجميع والتبخير والمعالجة والاستفادة من المخلفات .
تحديث المعاصر واختيار التكنولوجيا التي تخفض استهلاك المياه وإنتاج النفايات يجب أن يصبح جزءاً من سياسة تحديث صناعة زيت الزيتون السورية


 حلول جماعية 

ليس واقعياً أن نطالب كل معصرة صغيرة في قرية سورية ببناء محطة معالجة متطورة بمفردها , يمكن إنشاء مراكز إقليمية في مناطق الإنتاج الرئيسية في الساحل وإدلب وحلب وحماة وحمص، تتولى استقبال المخلفات من المعاصر ومعالجتها والاستفادة منها اقتصادياً ويتحمل أصحاب المعاصر رسماً بحسب كمية المخلفات التي يسلموها .
 _ عرضت جامعة طرطوس في تموز 2026 مشروعاً بحثياً للاستثمار في مياه الجفت لإنتاج أسمدة سائلة عضوية حيوية , المعرفة العلمية موجودة في جامعاتنا , والمطلوب نقلها من المختبر إلى الاستثمار .
على الحكومة أن تعلن هذا الموسم قبل أن تبدأ المعاصر بالدوران برنامجاً بسيطاً بعنوان - لا معصرة تعمل بلا خطة لإدارة مخلفاتها - تشمل الكشف المسبق على المعاصر، وتحديد منشآت المعالجة وأحواض التجميع، ومنع أي تصريف مباشر إلى الأنهار والأودية، ومراقبة مصادر المياه القريبة ، وإعلان المخالفات الجسيمة، وتشجيع الاستثمار في جمع المخلفات وتدويرها .
من الخطأ تحميل وزاره وحدها المسؤولية , المعصرة منشأة إنتاجية موسمية لذلك يتوجّه هذا المقال إلى الحكومه مجتمعه .
وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي صاحبة القرار الفني لديها مكتب الزيتون والبحوث العلمية الزراعية. يجب أن يصدر عنها قبل الموسم تعميم تشغيلي واضح الأرقام والمواقع والعقوبة لا أن تجتهد كل محافظة وحدها._ 


 مهام الوزارات 

وزارة الصناعة مطالبة بربط تجديد الترخيص وتخصيص الطاقة والمحروقات الصناعية بوجود منظومة تصريف موثّقة، وبفرض خطه للتحول التدريجي للتقنيات الجديدة تقلّل حجم المياه الملوثه .
وزارة الإدارة المحلية والبلديات تدير المعركة اليومية, فالوحدة الإدارية تعرف المسيل والمكب والحي والطريق الترابي إلى الحراج , من دون خريطة حظر معلنة ومن دون نقطة تجميع ,ومن دون منع الربط على الصرف الصحي، يبقى قرار الزراعة معلّقاً في الهواء, البلديات مطالبة باعتبار مياه الجفت نفايات صناعية موسمية ، لا سائلاً «يتدبّر أمره» صاحب المعصرة . 
ولا تكتمل الخطه من دون الموارد المائية والبيئة ومؤسسات مياه الشرب فهي ترسم الخط الأحمر حول الآبار، وتضبط الأثرالبيئي ، و تدفع ثمن التلوّث حين تتوقف المحطات. 
من غير المقبول أن يبدأ اهتمام الإعلام السوري بمياه الجفت عندما يرسل مواطن صورة لمجرى ماء تحول إلى اللون الأسود ,على وزاره الإعلام أن تبدأ الحملة قبل تشغيل أول معصرة , أن تسأل مدير الصناعة كم معصرة أصبحت جاهزة , وأن تسأل البلدية أين ستذهب مخلفاتها , وأن تسأل مدير المياه ما الينابيع والآبار التي ستخضع للمراقبة , وأن تنشر للمواطن رقم الشكوى الذي يستطيع الاتصال به إذا شاهد صهريجاً يفرغ مخلفاته في وادٍ أو نهر .
الإعلام البيئي ليس إعلاماً للكوارث فقط , وظيفته أن يساعد على منع الكارثة قبل وقوعها . 


 ثروة وليس نقمة 

الزيتون ثروة… ومخلفاته يجب أن تصبح ثروة أيضاً ,فما نسميه اليوم مياه جفت وبيرين ومخلفات عصر , يمكن بالتكنولوجيا والاستثمار والتنظيم أن يدخل في إنتاج الطاقة والأسمدة والمواد العضوية وبذلك نحمي المياه، ونخفف كلفة المعالجة على المعاصر، ونخلق نشاطاً استثمارياً وفرص عمل جديدة .
هذه هي فلسفة الاقتصاد الدائري التي يتجه إليها العالم اليوم - لا تسأل كيف تتخلص من المخلفات - بل اسأل ماذا تستطيع أن تصنع منها .
موسم الزيتون ثروة وطنية , مياه الجفت ليست قدراً مرافقاً لهذه الثروة , هي نفاية صناعية موسمية يمكن حصرها ونقلها وتخفيف سمّيتها واستخراج قيمة منها , ما لا يمكن احتماله أن تُعصر الثمرة في الساحل والوسط والشمال ويُصدَّر الزيت، ويُترك للسوريين سكان القرى المجاورة طعم الماء المر .
المعاصر ستدور بعد أسابيع , الآبار لا تحتمل خريفاً آخر من الإهمال المنظَّم المهلة قصيرة والنص موجود والتجارب حولنا مكتوبة , ماينقصنا حتى الآن هو أن تُعامل مياه السوريين بما تستحق أولوية قبل الموسم، لا أن نصدر بياناً بعده .


 لا عمل بلاخطة لمعالجة المخلفات 

في سوربا التي تعاني أزمة مياه متفاقمة، يصبح تلويث نبع أو بئر أو نهر نتيجة مخالفة يمكن منعها جريمه بحق السوريين .
 لتكن الحكومه واضحة لا معصرة تعمل بلا خطة للمخلفات، ولا تصريف في نهر أو وادٍ، ولا مخالفة بلا محاسبة ولنعتبر هذا الموسم امتحاناً لقدرة الدولة السورية الجديدة على حماية مواردها وتطبيق قوانينها وتحويل مشكلاتها البيئية إلى فرص اقتصادية .
فالزيتون ثروة سورية، والماء ثروة سورية؛ وليس من المقبول حتى نحصل على الأولى أن نخسر الثانية . 
قبل أن تدور المعاصر هذا العام، يجب أن تدور عدسه الرقابة أولاً .


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق