سيرياستيبس :
بعد أكثر من ستة عقود على صدور أولى مراسيمه، ظل قانون الإصلاح الزراعي حاضراً في تفاصيل الملكية العقارية في سوريا: في سجلات تُراجَع، وتركات تُقسَّم، ومطالبات يرفعها ورثة أصحاب الأراضي السابقين. ومع فتح ملفات الأراضي والاستثمار والتسجيل العقاري في المرحلة الحالية، عاد السؤال القديم إلى الواجهة: ماذا فعل هذا الإصلاح بالريف السوري، وكيف نتعامل اليوم مع إرثه؟
يتتبع هذا المقال مسار الإصلاح الزراعي منذ نشأته، وحدود ما تحقق منه، وعلاقة الفلاح بالدولة بعد حصوله على الأرض، ثم تحويل حق الانتفاع إلى ملكية بموجب القانون رقم 61 لعام 2004، وما خلّفه ذلك من إشكالات في الإرث وتفتت الحيازات، وصولاً إلى المقترحات المطروحة لمعالجته.
وكان أكرم الحوراني، أحد أهم مهندسي هذا القانون، قد لخّص تصوره للريف بعد إلغاء الإقطاع في مذكراته (المجلد الرابع، ص 2973) بقوله: "كان هدفنا من إلغاء الإقطاع ليس زيادة الإنتاج الزراعي فحسب، وإنما كان الهدف في الوقت نفسه إيجاد حياة فلاحية زراعية متوطنة، تستخدم الأرض بنفسها، مما يزيد من تمسك الفلاحين بالأرض ويحد من هجرتهم إلى المدن، ومما يساعد على تطوير أوضاعهم المادية والاجتماعية والسياسية ويرسخ شعورهم بالمواطنة... هكذا كان تصورنا لسورية الجديدة".
لكن بين سوريا التي تخيّلها الحوراني، وسوريا التي تركها الإصلاح الزراعي على أرض الواقع، تمتد حكاية أخرى؛ حكاية تستحق أن نعود إلى بدايتها، ونسأل عمّا تحقق، وما الذي تبدّل في الطريق.
من يملك الأرض، ومن يملك القرار؟
بدأت قوانين الإصلاح الزراعي في سوريا تتبلور خلال مرحلة الوحدة مع مصر عام 1958، ثم اتسع تطبيقها بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، وسط تعديلات طالت حدود الملكية وآليات توزيع الأراضي. واستهدف المشروع تقليص نفوذ كبار الملاك، وتوزيع مساحات من الأراضي على الفلاحين الذين عملوا فيها، ضمن محاولة لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في الريف.
مع ذلك، تكشف الأرقام فجوة تستحق التوقف عندها. فوفق دراسة لمعهد هاينريش بول بعنوان "الزراعة والسيادة الغذائية في سوريا"، صدرت عام 2017، بلغت الأراضي المصادرة ضمن الإصلاح الزراعي نحو 1.37 مليون هكتار، في حين لم يُعَد توزيع سوى قرابة 25% منها على أسر فلاحية، وتحولت الأراضي المتبقية إلى أراضٍ تابعة للدولة.
ويطرح هذا التفاوت سؤالاً عن مصير الأراضي التي انتُزعت من أصحابها، وعن حدود التحول الذي وعد به الإصلاح الزراعي. فإعادة توزيع الملكية غيّرت موقع شريحة من الفلاحين، وقلّصت نفوذ عائلات كانت تملك مساحات واسعة، في حين أصبحت الدولة لاعباً مركزياً في إدارة القطاع الزراعي وتوجيهه.
ويرى الباحث الاجتماعي الدكتور طلال المصطفى في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الإصلاح الزراعي أحدث تحولاً في موازين القوة داخل الريف؛ إذ منح بعض الفلاحين فرصة امتلاك الأرض وتحسين موقعهم الاجتماعي والقانوني، بالتزامن مع توسع دور الدولة في توفير الخدمات الزراعية والتعاونيات والمدخلات اللازمة للإنتاج.
غير أن امتلاك الأرض لم يكن كافياً وحده لتحقيق الاستقلال الاقتصادي. فالفلاح بقي محتاجاً إلى التمويل والمعدات والبذور والأسمدة ومصادر الري والتسويق، وهي عوامل جعلت قدرته على اتخاذ القرار مرتبطة جزئياً بما توفره المؤسسات الحكومية.
الدولة في الحقل: ماذا يُزرع وكيف يُباع؟
امتد تدخل الدولة إلى تفاصيل العملية الزراعية، من تحديد المحاصيل والمساحات المخصصة لزراعتها، إلى تنظيم شراء المنتجات وتحديد أسعار تسويقها، وصولاً إلى فرض قيود على تصدير بعض المحاصيل، وفي مقدمتها القمح، تحت عنوان حماية الأمن الغذائي.
ويشير الباحث في التاريخ أيمن يزبك إلى أن الأنظمة المتعاقبة، من الخمسينات إلى اليوم، أعطت الفلاح الأرض ظاهرياً لكنها قيّدته بالتنظيم الزراعي؛ فوزارة الزراعة تحدد ما يُزرع وفي أي مساحة، والفلاح يبيع محصوله بالسعر الذي تحدده الدولة، ولا يحق له تصدير بعض المنتجات كالقمح. ووفق قراءته، فإن هذا الدور تجاوز تنظيم الملكية الزراعية، ووصل إلى التأثير في قرارات الفلاح المتعلقة بما يزرعه، وبالكمية التي ينتجها، والجهة التي يبيع لها محصوله.
ويضيف يزبك أن ما يسمى «قانون الاستحواذ» ما زال معمولاً به إلى اليوم، فلا يحق للفرد أن يمتلك أكثر من ألف دونم، وما زاد عنها يعود إلى الدولة.
ويستدعي هذا الواقع التمييز بين امتلاك الأرض والقدرة على اتخاذ القرار بشأنها. فالفلاح الذي يملك قطعة أرض، لكنه يعتمد على جهات أخرى في التمويل والري والتسويق وتحديد شروط بيع المحصول، يظل محكوماً بعوامل تتجاوز حدود ملكيته.
بين الإصلاح وحقوق الملاك السابقين
يضع الباحث في التاريخ أيمن يزبك الدافع السياسي في صلب قراءته لنشأة الإصلاح الزراعي. ففي رأيه، كان أكرم الحوراني السبب في هذه الفكرة، وكانت غايته سياسية في المقام الأول، إذ استثمر قضية الإقطاع، مشيراً إلى مؤتمر حلب الذي نظمه في أيلول 1951، وحضره آلاف الفلاحين، بوصفه محطة ساهمت في توظيف القضية الزراعية لحشد التأييد.
ويصف يزبك ما جرى بأنه «اغتصاب» للملكية من أصحابها، ويقول إن الحوراني لم يراعِ الدين ولا احترام الملكية الفردية. ويرى أن جمال عبد الناصر تبعه في ذلك ورسّخ النهج عام 1958، وهي عنده «الطامة الكبرى» التي جعلت الناس تنقم عليه وتؤيد الانفصال لاحقاً، في حين كان الشيشكلي، بحسب تقديره، أخف وطأة لأنه حصر الأمر بالأراضي التي تملكها الدولة.
ويرى يزبك أن بعض العائلات المالكة للأراضي استخدمت نفوذها في القرى للتأثير في الانتخابات وجمع الأصوات، لكنه يشدد على أن هذه الممارسات لم تكن في كل سوريا. فبعض الأسر امتلكت أراضيها عبر أجيال تعود إلى العهد العثماني وما قبله، فيما اشترى آخرون، كالتجار، أراضيهم. ومن وجهة نظره، أدى التعامل مع هذه الحالات ضمن إطار واحد إلى الخلط بين ملاك استغلوا نفوذهم، وآخرين امتلكوا أراضيهم بصورة مشروعة، إذ ذهب "الصالح بالطالح".
ويعتبر يزبك أن هذا التعميم أفضى إلى ظلم كبير بحق أصحاب الأراضي الذين كانوا يملكونها بحق، كما ينتقد تجاهل الاعتبارات الدينية وحق الملكية الفردية في القرارات التي رافقت التجربة. ويضيف أن نظام البعث زاد الأمر سوءاً حين جعل حدود الملكية تختلف بحسب المناطق.
عام 2004.. من الانتفاع إلى الملكية
شكّل القانون رقم 61 لعام 2004 محطة مهمة في مسار الأراضي التي خضعت للإصلاح الزراعي، إذ ارتبط بتحويل حقوق الانتفاع إلى ملكية وفق الأحكام والشروط التي نص عليها القانون.
ويوضح المحامي والناشط الحقوقي غياث دبّور أن حق الانتفاع كان مؤقتاً، يسقط عند مخالفة شروطه أو الإخلال بها، في حين تحول بموجب القانون إلى ملكية تامة تخوّل صاحبها الاستعمال والاستغلال والتصرف وفق أحكام القانون المدني، وهي ملكية دائمة لا تسقط بعدم الاستعمال. ومع انتقال الملكية إلى المستفيدين، أصبحت الأراضي جزءاً من التركات التي تنتقل إلى الورثة، وهو ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى ملفات الملكية.
ويشير دبّور إلى أن انتقال الملكية إلى الورثة يتم بحسب مساحة الأرض التي تعادل وحدات محددة في القانون، وأن هذا التعديل أورث نزاعات في السجل العقاري عند توزيع المساحات غير المشمولة بتلك الوحدات. كما يلفت إلى تداخل بعض العقارات الموزعة سابقاً مع المخططات التنظيمية في أطراف المدن، إذ أُدخلت أراضٍ زراعية ضمن التنظيم، ما خلق إشكالات في البيع والترخيص والبناء.
وتختلف إجراءات الإرث، بحسب دبّور، تبعاً لتصنيف الأرض: فالأرض "الملك" تخضع لحصر الإرث الشرعي، أما الأرض "الأميرية" فتخضع لحصر الإرث القانوني.
ويرى دبّور أن القانون رقم 61 ليس قانوناً قائماً بذاته، بل تعديل لمراسيم الإصلاح الزراعي السابقة، التي يقول إنها خمسة مراسيم صدرت بين عامي 1963 و1969. ويصفها بأنها "جائرة"؛ فمن الناحية الدينية يعدّها نزعاً للملكية بغير وجه حق وبتعويض بخس، ومن الناحية القانونية يرى أنها تخالف الدستور والإعلان الدستوري اللذين لا يجيزان نزع الملكية إلا لقاء منفعة وتعويض عادل.
حين تتوزع الأرض بين الأبناء
لم تتوقف آثار الإصلاح الزراعي عند الجيل الذي تسلم الأرض. فمع انتقال الملكية إلى الأبناء والأحفاد، أخذت مساحات كثيرة تتجزأ بفعل الميراث، بالتزامن مع النمو السكاني ومحدودية فرص العمل خارج الزراعة.
ويشرح المصطفى أن الأرض مثلت لدى الجيل الأول مصدر استقرار ودخل ومكانة اجتماعية، في حين اختلفت علاقة الأجيال التالية بها تبعاً لاهتماماتها وظروفها الاقتصادية. ومع وصول الملكية إلى الجيل الثالث، تحولت بعض الحيازات إلى قطع صغيرة يصعب أن توفر دخلاً كافياً لإعالة الأسرة.
وقد تنشأ خلافات بين الورثة حول تقسيم الأرض أو استثمارها أو بيعها، وتزداد الصعوبات عندما تكون وثائق الملكية أو معاملات الإرث غير مكتملة.
ويحذر المصطفى من تفسير المشكلات الحالية بالإرث أو بالإصلاح الزراعي وحدهما. فالحيازة الصغيرة قد تكون منتجة في ظروف مناسبة، في حين قد تعجز حيازة مماثلة في منطقة أقل إنتاجية عن توفير دخل كافٍ نتيجة لنقص المياه أو التمويل أو المعدات أو صعوبة الوصول إلى الأسواق. كما قد تؤثر الحرب والنزوح وتضرر البنية التحتية والتغيرات المناخية في ملكية الأراضي وإمكانية الوصول إليها.
وبذلك، تداخلت آثار توزيع الأراضي مع عوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية لاحقة، فأصبحت معالجة المشكلات الزراعية مرتبطة بملفات تتجاوز حدود الإصلاح الزراعي نفسه.
معالجة إرث ستة عقود
تتباين المقترحات المطروحة لمعالجة آثار الإصلاح الزراعي بين تسوية النزاعات المتعلقة بالملكية، وإنصاف أصحاب الحقوق السابقة، وتحسين الظروف الاقتصادية التي يعمل فيها الفلاحون.
ويقترح الباحث في التاريخ أيمن يزبك إشراك أصحاب الأراضي التي صادرتها الدولة سابقاً في المشاريع الاستثمارية التي تُقام عليها، بحيث يصبحون شركاء فيها بحكم حقوقهم السابقة، بدلاً من منح تلك الأراضي لمستثمرين آخرين من دون مراعاة أوضاع ملاكها السابقين. ويرى أن هذا المسار يتيح للدولة تطوير استثماراتها مع مراعاة حقوق أصحاب الأراضي، لكنه يحذر من أن فتح الدولة باب الاستثمار وتخصيص الأراضي لآخرين من دون إشراك أصحابها قد يعيد قانون الإصلاح الزراعي بوجه آخر.
من جهته، يرى المحامي والناشط الحقوقي غياث دبّور أن القانون "يجب أن يلغى"، لكنه يقرّ في الوقت نفسه بأن الحل صعب بعد ستة عقود، إذ بات هناك ورثة وورثة ورثة، وتكوّنت أوضاع قانونية مكتسبة، ما يجعل الإلغاء أو التعديل العام غير مجدٍ برأيه. لذلك يدعو إلى تشكيل لجان، يسميها "لجان حكماء" أو لجان حل الخلافات، تتولى دراسة كل حالة على حدة، والتحقق من الوثائق والأحقية والمظلومية، وتحديد الحالات التي تستدعي تعويضاً عادلاً أو إعادة الأرض إلى أصحابها متى وُجدت آلية لذلك. ويشير إلى وقوع تلاعب واحتيال وتهريب لعقارات، وإلى أن المنتفعين الحاليين ليسوا جميعاً أصحاب حق. كما يقترح تعديل الفقرة التي تتيح للمنتفع تملك الأرض بعد خمس سنوات من تسجيلها في السجل العقاري، بمنع بيع هذه الأراضي وإلغاء مدة الخمس سنوات، ويصف هذا البند بأنه «خطير».
أما الباحث الاجتماعي طلال المصطفى، فيشدد على ضرورة معالجة تجزئة الأراضي مع احترام حقوق الورثة، والعمل على تحسين الجدوى الاقتصادية للحيازات الزراعية. ويتطلب ذلك، وفق طرحه، توفير التمويل ومصادر الري والإرشاد الزراعي، وتحسين فرص التسويق، وتحسين تسجيل الملكية وتوثيق الحقوق للحد من النزاعات، وتشجيع التعاون الاختياري بين المزارعين في استخدام الآلات وتسويق المحاصيل، مع الحفاظ على استقلال الملكية القانونية لكل منهم. ويشير كذلك إلى أن محدودية فرص العمل خارج القطاع الزراعي من العوامل التي أسهمت في تفتت الحيازات.
من إعادة توزيع الأرض إلى إعادة بناء الثقة
بعد عقود على انطلاق الإصلاح الزراعي، تبدو حصيلته أبعد من مسألة تحديد من يملك الأرض. فقد أعاد تشكيل العلاقات الاجتماعية في الريف، وغيّر موقع الدولة في الإنتاج الزراعي، وأتاح لفلاحين امتلاك الأراضي التي عملوا فيها، بالتزامن مع استمرار مشكلات تتعلق بجدوى الحيازات والاعتماد على المؤسسات الحكومية والنزاعات على الملكية.
وتكشف التجربة أن معالجة آثارها تحتاج إلى التمييز بين مظالم الماضي والحقوق التي نشأت بعده، وبين تسوية الملكية وإصلاح البيئة الاقتصادية التي يعمل فيها الفلاح. فالتسوية القانونية وحدها قد تعجز عن إعادة الحياة إلى أرض تفتقر إلى المياه والتمويل والأسواق، كما أن دعم الإنتاج وحده قد يترك نزاعات الملكية معلقة بين الورثة وأصحاب المطالبات السابقة.
وهكذا، يعود السؤال إلى جوهر المشروع الذي تحدث عنه الحوراني: هل تمكن هذا القانون من بناء ريف يتيح للفلاح الاستقرار والعمل بكرامة والمشاركة في الحياة العامة؟ أم أن إعادة توزيع الأرض بقيت خطوة ضمن مسار أطول، تعثرت فيه العلاقة بين الملكية والإنتاج والعدالة؟
تلفزيون سوريا

