
سيرياستيبسكتب الاعلامي غالب درويش
بحسب البيانات المتداولة من مؤسسات بحثية وشركات طاقة دولية، تُعد السعودية من أقل دول العالم كلفة في استخراج النفط، إذ لا تتجاوز الكلفة نحو 3.5 دولار للبرميل، مع احتياطات مؤكدة تقدر بنحو 267 مليار برميل.
في وقت تعيش أسواق الطاقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية مع تصاعد الحرب في إيران واتساع المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات عبر مضيق هرمز، تعود كلفة استخراج النفط لتتصدر المشهد بوصفها أحد أهم عناصر القوة والنفوذ في سوق الطاقة العالمية، فالدول التي تستطيع إنتاج البرميل بأقل الكلفة لا تملك فقط ميزة اقتصادية، بل تمتلك أيضاً قدرة أكبر على الصمود والتأثير خلال فترات الأزمات الجيوسياسية وتقلبات الأسعار، وهو ما أعاد الأنظار مجدداً إلى دول الخليج باعتبارها من أبرز المنتجين منخفضي الكلفة عالمياً.
وتكتسب أرقام كلفة الإنتاج أهمية استثنائية في ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بالحرب، إذ تعود الأسواق إلى التركيز على قدرة المنتجين منخفضي الكلفة على حماية الإمدادات والحفاظ على مستويات الإنتاج حتى في أكثر الظروف اضطراباً، فمع أي تهديد محتمل للممرات البحرية أو اضطراب في تدفقات الخام، تصبح الأفضلية للدول التي تمتلك كلفة إنتاج منخفضة وطاقة إنتاجية فائضة وبنية تحتية قادرة على الاستمرار في التصدير حتى خلال فترات الضغط الجيوسياسي الحاد.
ولا تقف أهمية كلفة البرميل عند حدود المقارنة الفنية بين دولة وأخرى، بل تمتد إلى حسابات النفوذ داخل تحالفات الطاقة الكبرى، وفي مقدمها تحالف "أوبك+"، إذ تمنح الكلفة المنخفضة الدول المنتجة قدرة أوسع على المناورة بين خفض الإنتاج أو زيادته أو الدفاع عن الحصص السوقية من دون التعرض للضغوط نفسها التي تواجهها الدول ذات الكلفة المرتفعة.
ميزة استراتيجية في أوقات الأزمات بدوره، قال الخبير النفطي الكويتي كامل الحرمي، إن المنتجين منخفضي الكلفة، خصوصاً في الخليج، يمتلكون ميزة استراتيجية في أوقات الأزمات، لأن كلفة البرميل المنخفضة تمنحهم قدرة أكبر على تحمل تقلبات الأسعار، والحفاظ على الإنتاج، والدفاع عن حصصهم السوقية مقارنة بالمنتجين مرتفعي الكلفة.
وأضاف الحرمي، أن أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات أو ارتفاع في كلفة النقل والتأمين سيزيد أهمية المنتجين الذين يستطيعون ضخ النفط بكلفة منخفضة، لأنهم يملكون هامشاً أوسع للمناورة عند ارتفاع الأسعار أو تراجعها، بخلاف المنتجين الذين ترتبط جدوى إنتاجهم بمستويات سعرية مرتفعة، مشيراً إلى أن منطقة الخليج تبقى في قلب هذه المعادلة بفضل الحقول التقليدية العملاقة والبنية التشغيلية المتطورة التي تجعل كلفة البرميل أقل كثيراً من عديد من مناطق الإنتاج الأخرى.
معادلة الكلفة والنفوذ قال المحلل النفطي خالد العوضي، إن الحرب والتوترات المتصاعدة في المنطقة أعادتا سوق النفط إلى "معادلة الكلفة والنفوذ"، موضحاً أن الدول القادرة على إنتاج البرميل بأقل الكلفة ستكون الأكثر قدرة على حماية حصصها السوقية والاستمرار في التصدير حتى مع ارتفاع الأخطار الجيوسياسية وتذبذب الأسعار.
وأضاف العوضي، أن المنتجين منخفضي الكلفة في الخليج يمتلكون اليوم أفضلية استراتيجية عالمية، ليس فقط بسبب وفرة الاحتياطات، بل أيضاً بفضل البنية التحتية القوية والطاقة الإنتاجية الفائضة والقدرة على الاستجابة السريعة لأي اضطرابات مفاجئة في الإمدادات، لافتاً إلى أن الأسواق أصبحت تراقب خلال الأزمات ليس حجم الإنتاج فقط، بل كلفة كل برميل ومدى قدرة المنتج على الحفاظ على تدفق الصادرات تحت الضغط، مؤكداً أن "البرميل الأرخص أصبح اليوم إحدى أهم أدوات النفوذ في سوق الطاقة العالمية".
كلفة الاستخراج من جانبه، أوضح المتخصص في قطاع الطاقة عامر الشوبكي أن التوترات الجيوسياسية المرتبطة بحرب إيران أعادت تسليط الضوء على الفارق الكبير بين المنتجين منخفضي الكلفة والمنتجين مرتفعي الكلفة في سوق النفط العالمية، مشيراً إلى أن الدول الخليجية تمتلك ميزة تنافسية يصعب تعويضها بفضل انخفاض كلفة استخراج البرميل، مقارنة بعديد من مناطق الإنتاج الأخرى حول العالم.
وأضاف الشوبكي، أن كلفة الإنتاج المنخفضة تمنح هذه الدول قدرة أكبر على امتصاص الصدمات السعرية والاستمرار في ضخ الإمدادات حتى في فترات الاضطرابات الحادة، في وقت قد تواجه بعض المشروعات النفطية مرتفعة الكلفة ضغوطاً تشغيلية ومالية مع أي تراجع حاد أو تقلبات قوية في الأسعار، مؤكداً أن الأزمات الجيوسياسية تعيد عادة ترتيب موازين القوة داخل أسواق الطاقة، إذ ترتفع أهمية الدول التي تجمع بين انخفاض كلفة الإنتاج وامتلاك بنية تحتية قوية وقدرات تصدير مستقرة.
الرابح الأكبر من معادلة "البرميل الأرخص" في قلب هذه المعادلة، تبرز دول الخليج بوصفها الرابح الأكبر من معادلة "البرميل الأرخص"، فوفقاً للبيانات المتداولة من مؤسسات بحثية وشركات طاقة دولية، تُعد السعودية من أقل دول العالم كلفة في استخراج النفط، إذ لا تتجاوز الكلفة نحو 3.5 دولار للبرميل، مع احتياطات مؤكدة تُقدر بنحو 267 مليار برميل، مما يعكس الكفاءة العالية للحقول التقليدية العملاقة التي تتمتع بها السعودية، بحسب بيانات شركة "أرامكو".
وتسجل الإمارات كلفة منخفضة تبلغ نحو أربعة دولارات للبرميل مع احتياطات تقارب 98 مليار برميل، بينما تبلغ كلفة استخراج البرميل في العراق نحو خمسة دولارات فقط على رغم التحديات السياسية والأمنية التي واجهها القطاع النفطي العراقي خلال العقود الماضية.
أما إيران، التي تقف اليوم في قلب التوترات الإقليمية، فتبلغ كلفة استخراج البرميل فيها نحو 5.7 دولار، مع احتياطات ضخمة تصل إلى 158 مليار برميل، وهو ما يمنحها قدرة نسبية على تحمل جزء من الضغوط الاقتصادية والعقوبات مقارنة بمنتجين آخرين يحتاجون إلى أسعار مرتفعة للحفاظ على جدوى الإنتاج.
وتمنح هذه الأرقام دول الخليج أفضلية مركبة، فهي لا تجمع فقط بين انخفاض كلفة الإنتاج ووفرة الاحتياطات، بل تمتلك أيضاً موقعاً محورياً في معادلة أمن الطاقة العالمي، بما يجعلها أكثر قدرة على التأثير في قرارات السوق عندما تتعرض الإمدادات لضغوط مفاجئة أو عندما ترتفع كلفة الشحن والتأمين بفعل الأخطار الجيوسياسية.
في السياق ذاته، تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن مضيق هرمز يمر عبره ما بين 20 و23 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، مما يجعل أي اضطراب في المنطقة تهديداً مباشراً للتوازن العالمي في سوق الطاقة، ويعيد التركيز مجدداً على المنتجين القادرين على ضخ النفط بكفاءة عالية وكلفة منخفضة حتى خلال فترات التوتر.
وفي مثل هذه الظروف، لا تصبح كلفة الاستخراج وحدها هي العامل الحاسم، بل تدخل معها كلفة النقل والتأمين والأخطار التشغيلية ضمن الحسابات النهائية للبرميل، فكلما ارتفعت كلفة الشحن أو علاوات التأمين على الناقلات في مناطق التوتر، زادت أهمية المنتجين الذين يستطيعون تعويض هذه الضغوط عبر كلفة إنتاج منخفضة وبنية تصديرية أكثر مرونة.
وفي ظل هذه الأخطار اللوجيستية ترى مؤسسة "وود ماكنزي"، أن اضطرابات الشرق الأوسط تضع السوق أمام معادلة مزدوجة: توقف جزء من الصادرات، وصعوبة الوصول إلى الطاقة الفائضة إذا تعطلت ممرات الشحن، ولذلك تصبح الدول التي تجمع بين الكلفة المنخفضة والبنية التحتية المرنة أكثر قدرة على التأثير في الأسعار والإمدادات، خصوصاً إذا امتدت الأزمة لفترة طويلة.
وتشير تقديرات شركة "ريستاد إنرجي" لاستشارات الطاقة إلى أن كلفة تطوير مشروعات النفط الجديدة خارج "أوبك" ارتفعت خلال الأعوام الأخيرة إلى مستويات تقترب من 47 دولاراً للبرميل في بعض المشروعات، بفعل التضخم وارتفاع كلفة الخدمات النفطية وسلاسل الإمداد، وهو ما جعل البراميل الخليجية منخفضة الكلفة أكثر جاذبية خلال فترات التوتر ونقص الإمدادات.
وفي الاتجاه نفسه، أوضح الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز" باتريك بويانيه أن شركات الطاقة العالمية أصبحت تمنح أولوية متزايدة للاستثمار في مناطق الإنتاج منخفضة الكلفة، لأن هذه الحقول تظل أكثر قدرة على تحقيق العوائد حتى خلال فترات انخفاض الأسعار أو اضطراب الأسواق، في وقت أصبحت فيه كفاءة الكلفة عاملاً حاسماً في قرارات الاستثمار العالمية.
تفاوت عالمي حاد في كلفة الإنتاج في المقابل، تواجه دول أخرى معادلة أكثر تعقيداً، ففي كندا تصل كلفة استخراج البرميل إلى نحو 22.8 دولار نتيجة الاعتماد على الرمال النفطية، وهي من أكثر أنواع الإنتاج تعقيداً وكلفة في العالم.
وتسجل فنزويلا إحدى أعلى الكلفة عالمياً عند نحو 23 دولاراً للبرميل، على رغم امتلاكها أكبر احتياط نفطي مؤكد في العالم يتجاوز 300 مليار برميل.
ويعكس النموذج الفنزويلي مفارقة واضحة في سوق النفط، إذ لا يعني امتلاك الاحتياطات الضخمة بالضرورة سهولة تحويلها إلى إنتاج مربح أو مستقر، فطبيعة النفط الثقيل تحتاج إلى تقنيات معالجة معقدة واستثمارات ضخمة، إضافة إلى أن العقوبات والأزمات الاقتصادية أسهمت في رفع الكلفة وتراجع القدرة الإنتاجية.
وفي الوقت ذاته، تحتفظ روسيا بمكانة متقدمة بين أقل الدول كلفة في استخراج النفط، إذ تبلغ الكلفة نحو 2.9 دولار للبرميل، وهي من أدنى المستويات عالمياً، لكن هذه الأفضلية تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل العقوبات الغربية وارتفاع كلفة النقل والتأمين منذ الحرب الأوكرانية.
أما الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط عالمياً، فتراوح فيها كلفة الإنتاج ما بين 5 و17 دولاراً للبرميل بحسب طبيعة الحقول، وغيّر النفط الصخري خريطة الطاقة العالمية خلال العقد الأخير، لكنه جعل جزءاً من الإنتاج الأميركي أكثر حساسية لتقلبات الأسعار مقارنة بدول الخليج منخفضة الكلفة. كذلك تبلغ كلفة الإنتاج في الكويت نحو 10 دولارات للبرميل، فيما تصل في ليبيا إلى نحو 9.3 دولار على رغم الجودة العالية للخام الليبي وقربه من الأسواق الأوروبية.
ميزة إضافية للمنتجين منخفضي الكلفة ومع هذا التفاوت الحاد في كلفة الإنتاج، تبرز ميزة إضافية للمنتجين منخفضي الكلفة، وهي القدرة على خوض فترات طويلة من الأسعار المنخفضة أو حروب الحصص السوقية بدرجة أعلى من المرونة، فالمنتج الذي يستطيع استخراج البرميل بكلفة محدودة يملك مساحة أوسع للدفاع عن حصته السوقية عند تراجع الأسعار، بينما يجد المنتج مرتفع الكلفة نفسه سريعاً أمام ضغوط مالية وتشغيلية قد تجبره على خفض الإنفاق أو إبطاء الإنتاج أو تأجيل المشروعات الجديدة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في أوقات الأزمات، إذ لا تقتصر قوة المنتجين الكبار على حجم احتياطاتهم أو إنتاجهم اليومي فقط، بل تمتد إلى قدرتهم على تحمّل دورات الأسعار القاسية، فحين تتحول السوق إلى معركة صبر بين المنتجين، يصبح انخفاض كلفة البرميل عاملاً حاسماً في تحديد من يستطيع البقاء أطول، ومن يملك القدرة على التأثير في اتجاه الأسعار من دون أن تتعرض ميزانياته لضغوط فورية مماثلة لما يواجهه المنتجون مرتفعو الكلفة.
ومن هنا، لا تبدو معادلة البرميل الأرخص مرتبطة بالربحية فقط، بل بالقدرة على إدارة السوق نفسها، فالدول منخفضة الكلفة تستطيع أن تتعامل مع الدورات السعرية بقدر أكبر من الهدوء، وأن تستخدم سياسات الإنتاج داخل التحالفات النفطية الكبرى من موقع أقوى، لأنها لا تتحرك تحت الضغط نفسه الذي يواجه المنتجون الذين يحتاجون إلى مستويات سعرية مرتفعة لتغطية تكاليفهم.
ومع تصاعد الحرب في إيران واتساع المخاوف من اضطراب الإمدادات، تعود الأسواق العالمية إلى حقيقة قديمة تتكرر في كل أزمة طاقة، وهي أن من يملك القدرة على إنتاج النفط بأقل كلفة يملك هامشاً أكبر للصمود والتأثير.
النفط أداة نفوذ سياسي واستراتيجي في أوقات التوترات الحادة، لا يصبح النفط مجرد سلعة اقتصادية، بل يتحول إلى أداة نفوذ سياسي واستراتيجي، خصوصاً في عالم يشهد تنافساً متزايداً على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
ولذلك، فإن الحرب لم تعد فقط على الإمدادات أو الممرات البحرية أو مستويات الإنتاج، بل أصبحت أيضاً على من يملك القدرة على التحكم بإيقاع السوق العالمية، ومن يستطيع تحويل انخفاض الكلفة إلى نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد. وفي هذه المعادلة، يصبح البرميل الأرخص أكثر من مجرد رقم في جداول شركات الطاقة، بل مؤشراً إلى موقع الدولة داخل ميزان القوة العالمي.
وأي ارتفاع حاد في الأسعار بسبب التوترات الجيوسياسية قد يمنح منتجي النفط مرتفعي الكلفة متنفساً موقتاً، إلا أن الأفضلية الطويلة الأجل تبقى للدول القادرة على استخراج البرميل بأقل الكلفة، لأنها تستطيع الحفاظ على الإنتاج والحصص السوقية حتى في فترات التباطؤ الاقتصادي أو تراجع الطلب العالمي. وفي عالم يتجه تدريجاً نحو الطاقة النظيفة ويشهد منافسة متزايدة على أسواق الطاقة، تبدو معادلة "البرميل الأرخص" أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط كمؤشر اقتصادي، بل كأحد أبرز عناصر القوة في النظام العالمي الجديد للطاقة.
اندبندنت عربية
|