ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرّض فيها دمشق لتهديد أميركي بالعقوبات، فسوريا دولة مُعاقَبة أميركياً منذ ما يزيد على خمسة عقود، وتحديداً منذ سبعينيات القرن الماضي مروراً بالثمانينيات وحصارها الاقتصادي الشهير، وصولاً إلى مطلع العام 2011 وبدء حزمة جديدة من العقوبات، كانت تتوسّع عاماً بعد عام طيلة الحرب، إلى أن ظهر مشروع «قانون قيصر». لكن العقوبات الحالية، المتوقع صدورها بين الفينة والأخرى، قد تكون الأقسى بالنسبة إلى دولة تواجه منذ ثماني سنوات حرباً كارثية متعددة الجبهات، ولا تسيطر على الجزء الأهم من ثرواتها ومواردها الطبيعية. ومع ذلك، فإن هناك من يطمئن إلى أن «معاناة حصار فترة الثمانينيات القاسية لن تتكرر اليوم لأسباب عدة». وخلافاً لبدايات الأزمة، فإن التعاطي الحكومي مع توجّهات الغرب لفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على التعاملات التجارية الخارجية لسوريا يتّصف حالياً بالعقلانية. فمن جهة هناك اعتراف من المسؤولين بوجود تأثيرات سلبية لهذه العقوبات على بعض القطاعات الاقتصادية الحيوية، ومن جهة ثانية هناك ما يشبه «الاستنفار» الحكومي لتنفيذ خطة طوارئ لتلافي تلك التأثيرات أو الحدّ منها.

الحصار مجدداً
نحت الإدارة الأميركية في عقوباتها على دمشق منذ العام 2011 منحىً مختلفاً عن السابق، إذ لم تكتف بمنع شركاتها ومؤسساتها من التعامل التجاري المباشر مع نظيراتها السورية مثلما فعلت إثر حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في العام 2005، وإنما امتدّت عقوباتها لتشمل كلّ الشركات والمؤسسات الأميركية وغير الأميركية التي تتعامل مع سوريا، وكذلك المؤسسات والشخصيات الرسمية والاقتصادية المحسوبة على «النظام»، والمتهمة بدعم الحكومة السورية اقتصادياً. وتنوّعت تلك العقوبات بين تجميد الأرصدة المالية في البنوك العالمية، ومنع دخول تلك الشخصيات إلى الدول الملتزمة بتطبيق العقوبات، والحيلولة دون تصدير السلع والمواد الغذائية وغير الغذائية إلى سوريا.
وبحسب مسؤول حكومي كبير تحدث إلى «الأخبار»، فإن «العقوبات الغربية والأميركية المطبّقة منذ بداية الأزمة تسبّبت في زيادة أسعار السلع والمواد المستوردة بنسبة تتراوح ما بين 20 و30 في المئة، نتيجة لارتفاع تكاليف النقل وبدلات التأمين وغيرها». ويضيف أن «الجهد الغربي انصبّ خلال سنوات الحرب على عرقلة حصول البلاد على احتياجاتها الرئيسية من النفط ومشتقاته، وذلك بالتزامن مع توفير الغرب الدعم للمجموعات المسلحة للسيطرة على الحقول المنتجة للنفط والغاز»، مقدّراً نسبة تأثر إمدادات النفط من الخارج بفعل العقوبات بنحو 80 في المئة.
ولا تخرج العقوبات الجديدة المرتقبة بموجب «قانون قيصر» عن النهج الأميركي المتّبع منذ العام 2011، والساعي إلى إبقاء دمشق تحت مطرقة الضائقة الاقتصادية، والحيلولة دون حدوث أي انفتاح اقتصادي إقليمي ودولي عليها. وبناءً على ذلك، فإن إعادة إحياء مشروع القانون المذكور لم يكن مستغرباً كما يعتقد مدير تحرير صحيفة «النور» الصادرة عن «الحزب الشيوعي السوري» بشار منير، الذي يرى أن «الضغوط الأميركية على الدولة السورية وحلفائها ستتصاعد، فالمنطق الأميركي اليوم يقول إن سوريا يجب ألا تستفيد مما حققته ميدانياً خلال الفترة الماضية، بل يجب أن تبقى محاصرة، ليكون بمقدور الإدارة الأميركية فرض إيقاعها على أي مسعى جدي لحل الأزمة، ومشروع القانون المذكور يتضمن بنوداً واضحة حول تلك النية الأميركية».
يتصدّر قطاع الطاقة قائمة القطاعات الاقتصادية المستهدفة بالعقوبات


وإذا كان الجميع متفقاً على الغايات السياسية الأميركية من إعادة إحياء مشروع «قانون قيصر»، فإن الجميع أيضاً متفق على أن المشروع في حال إقراره ستكون له تأثيرات اقتصادية سلبية على سوريا، تتباين حدّتها تبعاً للإجراءات المسبقة التي ستتخذها الحكومة السورية وحلفاؤها، لا بل إن نائب عميد كلية الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور حسن حزوري، يرى أن «تأثيراته الاقتصادية ستكون أكيدة، وهي بدأت تظهر قبل أن يصبح القانون المذكور ساري المفعول»، في إشارة منه إلى أزمة الطاقة التي تعاني منها المناطق السورية، والناتجة أساساً من عرقلة وصول ناقلات النفط والغاز إلى الموانئ، وتهديد سفن البحرية الأميركية بضرب بعضها. وهذا أيضاً ما تذهب إليه توقّعات رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، المهندس فارس الشهابي، الذي يؤكد في تصريحه إلى «الأخبار» أن هذه العقوبات «سيكون لها تأثير سلبي على قطاعَي العقارات والطاقة تحديداً، وكذلك على القطاع المصرفي بكل أشكاله. لكن درجة تأثيرها تعتمد اليوم على قدرة الدولة واستعدادها الجيد لمواجهة تلك العقوبات وتوقع أسوأ مخاطرها. وعندئذ يمكن كثيراً الحد من آثارها السلبية».
وتبعاً لتقديرات «المركز السوري لبحوث السياسات» في العام 2013، والذي أكد أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن العقوبات تشكل 28.3% من خسائر الناتج المحلي الإجمالي، فإن التقديرات الأولية غير الرسمية لخسائر سوريا جراء العقوبات الخارجية تصل إلى نحو 75 مليار دولار مع نهاية العام 2018.

النفط أولاً
يتصدّر قطاع الطاقة، إلى جانب العقارات والمصارف، قائمة القطاعات الاقتصادية المستهدفة بموجب العقوبات الأميركية المرتقبة، لاعتبارات تتعلق بمحورية هذا القطاع في الحراك الاقتصادي الذي تجهد الحكومة السورية في تلمّس نتائجه بعد بسط سيطرتها على مناطق واسعة من البلاد. وتالياً، فإن النجاح في قطع إمدادات النفط القادمة عبر البحر أو التضييق عليها يعني بنظر واشنطن إلحاق الأذى مرحلياً بالمشروع السياسي والاقتصادي للحكومة السورية، ومنعها أيضاً من تحقيق أي اختراق على مستوى عملية إعادة الإعمار، خصوصاً أن الجزء الأكبر من الإنتاج النفطي المحلي، والمقدّر بنحو 380 ألف برميل يومياً قبل الأزمة، لا يزال خارج سيطرة الحكومة.
وهنا، يقرّ مسؤول نفطي سوري بتأثير العقوبات الأميركية على انتظام توريد احتياجات البلاد من النفط والغاز، وانعكاس ذلك سلباً على تأمين احتياجات المواطنين والمنشآت الإنتاجية والخدمية. ويشير في حديثه إلى «الأخبار» إلى أن «سوريا تنتج اليوم من الآبار الخاضعة لسيطرتها ما يزيد على 16 ألف برميل يومياً مقارنة بنحو 10 آلاف برميل قبل الأزمة، وهي كمية لا تشكل أكثر من 15 في المئة من حجم الاحتياجات الحالية للبلاد، حيث يجري تأمين الباقي عبر طريق الاستيراد، الذي تصل فاتورته الشهرية إلى أكثر من 200 مليون دولار». ويضيف أن «الحقول الرئيسية المنتجة لنحو 95 في المئة من الإنتاج المحلي متمركزة أساساً في منطقة شرق الفرات، وهي حالياً لا تزال خارج سيطرة الحكومة السورية، ومع عودتها لاحقاً فإن البلاد ستكون قادرة على الاستغناء عن الجزء الأكبر من مستورداتها النفطية، وبالتالي تجاوز آثار أي عقوبات أميركية أو غربية تفرض». لكن، وحتى تتم استعادة السيطرة على المنطقة الشرقية سياسياً أم عسكرياً، فإن سوريا ستكون مرغمة على خوض «اشتباك» اقتصادي مع الغرب ليس بالسهل، كما حدث في الثمانينيات، سواءً تمت المصادقة على مشروع «قانون قيصر» أم لم يتمّ ذلك.