للشاعرة سلمى جميل حداد بقلم شاهر خضرة
ليست كل التجارب الشعرية التي تخرج من المنفى منشغلة بفكرة العودة، فثمة أصوات لا تقف طويلاً عند الأبواب التي أغلقت خلفها، ولا تقضي سنواتها في تعداد ما فقدته، وإنما تنشغل بسؤال أكثر إلحاحاً وأشد صعوبة: كيف يمكن للإنسان أن يواصل حياته بعد أن تتغير الأمكنة وتتبدل الوجوه وتتراكم الخسارات دون أن يفقد صلته بنفسه؟ وأنا أقرأ قصائد سلمى حداد لم أشعر أنني أمام شاعرة تكتب سيرة المنفى بالمعنى المتداول، ولم أشعر أنني أمام نصوص تسعى إلى استعادة وطن غائب أو زمن مضى، وإنما وجدتني أمام تجربة شعرية تنظر إلى الحياة من داخل منطقة يعرف فيها الإنسان أن أشياء كثيرة تأخرت عليه؛ الرغيف تأخر، والحصاد تأخر، والطمأنينة تأخرت، وحتى اليقين نفسه لم يعد يصل كاملاً كما كان. ومع ذلك يبقى هناك شيء يرفض الانطفاء، شيء يواصل الحركة في الداخل ويمنح الروح قدرتها على الاستمرار. منذ المقاطع الأولى لفتني أن مفردات هذه القصائد تبدو مألوفة للوهلة الأولى: الأرض، الحصاد، الطحين، الرغيف، الطريق، القطار، الباب، الشمس. غير أن الشاعرة لا تستخدمها بوصفها عناصر للمشهد الخارجي، وإنما بوصفها إشارات إلى تجربة أعمق. فالقصيدة التي تبدأ بصورة امرأة خرجت نحيلة تحمل منجلاً باركته الأرض والسماء لا تتحدث عن موسم زراعي بقدر ما تتحدث عن انتظار طويل أصبح جزءاً من تكوين الإنسان نفسه. هنا لا يعود الحصاد حدثاً زمنياً منتظراً، وإنما يتحول إلى صورة لكل ما تأخر في حياتنا حتى كدنا نفقد الثقة بقدومه. ولهذا يأتي النداء: "يا خبزنا القادم من خلف أحراش اليباس"، وكأن الرغيف لم يعد طعاماً، وإنما وعداً مؤجلاً يواصل الإنسان مطاردته رغم ما مر به من تعب. ولعل ما يمنح هذه الصور قوتها أنها تنطلق من أبسط ما عرفه الإنسان وأكثره التصاقاً بحياته. فالشاعرة لا تبدأ من الأفكار المجردة ولا من الأسئلة الكبرى، وإنما تبدأ من الخبز. من ذلك الشيء الصغير الذي ظل عبر التاريخ مرادفاً للحاجة والكرامة والنجاة. ولهذا لم أقرأ الرغيف في هذه القصائد بوصفه رمزاً اجتماعياً أو علامة على الجوع المادي وحده، وإنما بوصفه صورة لكل ما يحتاجه الإنسان كي تستقيم حياته ثم يظل بعيد المنال. الرغيف هنا يشبه الطمأنينة أحياناً، ويشبه العدالة أحياناً أخرى، ويشبه الوطن في لحظات كثيرة. أشياء نعرفها جيداً ونمضي أعمارنا في الاقتراب منها دون أن نمسك بها كاملة. وحين تقول الشاعرة إن العمر يكاد يمضي "وما جاء الرغيف وما نضج الحصاد"، فإنها لا تتحدث عن موسم خائب فحسب، وإنما عن ذلك التأجيل الطويل الذي يرافق الإنسان في أكثر محطات حياته حساسية، التأجيل الذي يجعل الانتظار نفسه جزءاً من المصير. ما شدني في هذه النصوص أن الجوع الذي يظهر فيها لا يبدو جوعاً إلى الخبز وحده، ولا إلى الوطن وحده، ولا إلى الأمان وحده، وإنما جوع إلى اكتمال لا يتحقق. كأن الذات الشعرية تقف دائماً على مسافة قصيرة من شيء تريده ولا تبلغه بالكامل. لهذا تتكرر حالة الترقب دون أن تتحول إلى شكوى، ويتكرر الانتظار دون أن يصبح استسلاماً. فالشاعرة تعرف أن العمر يمضي، وتعرف أن كثيراً من الوعود لم تتحقق، لكنها لا تكتب من موقع المنهزم، وإنما من موقع من يواصل السير رغم معرفته بكل ذلك. وربما لهذا السبب لا تبدو الخسارة في هذه النصوص مرتبطة بمكان واحد أو زمن واحد. فما يتعذر بلوغه ليس مدينة بعينها، ولا حياة بعينها، ولا زمناً بعينه. ثمة شعور متكرر بأن الإنسان يلاحق دائماً شيئاً يتراجع خطوة كلما اقترب منه. وحين يتكرر هذا الإحساس عبر القصائد تبدأ الحدود الفاصلة بين الجوع والحنين، وبين الفقد والانتظار، وبين الرحيل والبقاء، بالتلاشي تدريجياً. عندها لا يعود المنفى مجرد انتقال من أرض إلى أخرى أو ابتعاد عن مكان أول، وإنما يتحول إلى تجربة داخلية أكثر اتساعاً وتعقيداً. لهذا شعرت أن كلمة "المنفى" ليست الكلمة الأكثر دقة لوصف هذه التجربة، لأن المنفى فيها ليس حدثاً جغرافياً فحسب، وإنما حالة وجودية يعيشها الإنسان كلما وجد نفسه بعيداً عما يتوق إليه، حتى لو كان واقفاً في المكان الذي يحب. وحين تنتقل القصائد إلى المنفى بصورة أكثر مباشرة، فإنها لا تذهب إلى الطريق الذي اعتادت عليه كثير من الكتابات العربية في هذا الباب. لا نجد احتفاءً زائداً بالحنين، ولا استعادة متواصلة لصور الطفولة الأولى، ولا ذلك الانقسام الحاد بين مكان جميل تركناه ومكان بارد وصلنا إليه. ما نجده أقرب إلى شعور أكثر تعقيداً وأقل ضجيجاً. فالشاعرة لا تقف بين مكانين، وإنما تحمل المكانين معاً داخلها. ولهذا جاءت تلك الأسطر من أكثر ما بقي عالقاً في ذهني:
"خفقٌ أنا لا هناك خبزي وطحيني ولا هنا زيتي وزعتر". في هذه الكلمات القليلة تختصر سلمى حداد تجربة يعرفها كثير من أبناء المنافي؛ تلك الحالة التي لا يعود فيها الإنسان قادراً على القول إنه ينتمي بالكامل إلى ما تركه أو إلى ما وصل إليه. ينشأ نوع من الوجود المعلق بين جهتين، غير أن القصيدة لا تقدمه بوصفه مأساة، وإنما بوصفه واقعاً يومياً تتعلم الذات العيش معه. ولعل ما يمنح هذه التجربة صدقها أن الشاعرة لا تحاول أن تحسم هذا الانقسام أو أن تعثر له على حل نهائي. فهي تعرف أن بعض الأسئلة لا تُحل، وإنما تُعاش. ولهذا تبدو إدنبرة في النصوص مكاناً حقيقياً ومجازياً في آن واحد. هناك موقد وشاي وسكر وعطر، تفاصيل صغيرة توحي بحياة استقرت ظاهرياً في مكانها، غير أن شيئاً آخر يبقى متيقظاً في الداخل، شيئاً لا يسمح للأمكنة الجديدة بأن تمحو ما سبقها تماماً. ليست المسألة هنا صراعاً بين وطن ومنفى، وإنما محاولة للتوفيق بين طبقات متعددة من الهوية، بين ما كنا عليه وما صرنا إليه، وبين الذاكرة التي لا تغادرنا والحياة التي تطالبنا كل يوم بأن نمضي إلى الأمام. وما يلفتني أن الشاعرة لا تتعامل مع المكان الجديد بوصفه خصماً. إدنبرة ليست مدينة معادية، كما أنها ليست فردوساً بديلاً. إنها مكان تعيش فيه الذات وتتعلم تفاصيله وتحتفظ فيه بأشيائها الصغيرة، غير أن القلب يظل محتفظاً بمسافة خفية لا يردمها الاعتياد كله. ولهذا لا تبدو القصائد وكأنها تتأرجح بين حب مكان ورفض آخر، وإنما بين رغبتين متجاورتين: الرغبة في الانتماء، والرغبة في عدم التفريط بما شكّل هذا الانتماء أول مرة. وربما لهذا السبب تبدو الهوية في هذه النصوص أقل يقيناً وأكثر حيوية؛ فهي لا تُعرَّف بما تملكه من أجوبة، وإنما بقدرتها على حمل التناقضات دون أن تنكسر. ومن هذا الموضع تحديداً يبدأ حضور سيزيف في القصائد مفهوماً. فالاستعانة بهذه الشخصية الأسطورية لا تأتي بوصفها إحالة ثقافية عابرة، وإنما لأنها الأقرب إلى جوهر التجربة كما تتجلى في هذه النصوص. حين تقول الشاعرة: "ساعدني سيزيف! احمل معي صخرتي الأبدية"، فإنها لا تتحدث عن عبء بعينه، وإنما عن أثقال تراكمت فوق الكتفين عبر السنوات. غير أن ما يلفتني هنا ليس الصخرة نفسها، بل طريقة حملها. فسيزيف في هذه القصائد ليس بطلاً يعلن هزيمته أمام الجبل، وإنما رفيق طريق تستدعيه الشاعرة كي يشاركها عبء الاستمرار. ولهذا لا تبدو القصائد منشغلة بالسقوط بقدر انشغالها بما يحدث بعده. كل مرة تقترب فيها الذات من الإنهاك الكامل، تكتشف أن عليها أن تواصل السير. وكل مرة يلوح فيها اليأس، يظهر فعل جديد يعيد الحركة إلى النص: تغادر، تحمل، تعبر، تبتني، تهرب، تلحق، ترفع يديها إلى السماء، تبتهل. وحين تأملت هذه الأفعال شعرت أن حضورها ليس مصادفة لغوية، وإنما جزء من البنية العميقة للتجربة كلها. فهذه قصائد لا تسكن في الماضي رغم كثافة الذاكرة فيها، ولا تراهن على المستقبل رغم حاجتها إلى الأمل، وإنما تعيش في زمن الفعل نفسه. ومن المثير أن هذه الحركة المستمرة تظهر منذ المقاطع الأولى وتبقى حاضرة حتى المقاطع الأخيرة. فالعصافير التي تظهر في بداية التجربة مرتبطة بالخوف على القمح والمحصول، تعود في نهايتها بصورة مختلفة تماماً، حين يصبح لها "ركن في النوافذ". كأن الرؤية نفسها قطعت مسافة طويلة. في البداية كان العالم يُرى من زاوية ما يهدده الفقد، وفي النهاية يُرى من زاوية ما يستحق الرعاية. ليست المسافة بين الصورتين كبيرة على مستوى اللغة، لكنها كبيرة على مستوى التجربة. وربما لهذا جاءت عبارتها اللافتة: "مشتاقة أنا لسطوة الشمس على وجهي لفعل مضارع بلا خطايا". هنا لا يعود المضارع زمناً نحوياً، وإنما يتحول إلى رؤية للحياة. إنه الزمن الوحيد الذي تستطيع الذات أن تتحرك داخله وأن تمارس من خلاله مقاومتها اليومية ضد التآكل والخذلان والغياب. كلما تقدمت في القراءة ازداد يقيني أن هذه العبارة تكشف سراً من أسرار التجربة الشعرية عند سلمى حداد. فالماضي حاضر بقوة، لكنه لا يتحول إلى ملاذ. والمستقبل يلوح من بعيد، لكنه لا يمنح ضمانات. أما المضارع فهو المكان الوحيد الذي يمكن العيش فيه فعلاً. لهذا بدت لي القصائد كأنها إقامة طويلة في هذا الزمن؛ إقامة تعرف هشاشتها وتتشبث بها لأنها ما تزال تسمح للإنسان بأن يكون فاعلاً لا مجرد شاهد على ما يحدث له. ومع ذلك، فإن أكثر ما استوقفني في هذه القصائد ليس قدرتها على التعبير عن التعب، وإنما قدرتها على الإفلات منه في اللحظة التي نظن فيها أنه أحكم قبضته عليها بالكامل. فالنصوص تعرف الجوع، وتعرف الخسارة، وتعرف ما تفعله الحروب والمنافي بالإنسان، لكنها لا تسمح لأي من هذه العناصر أن يتحول إلى تعريف نهائي للذات. هناك دائماً بقية صغيرة تنجو. بقية لا تصنع ضجيجاً، ولا تعلن انتصارها على أحد، لكنها تبقى حاضرة كخيط من الضوء في مكان بعيد.
لهذا لم أقرأ صورة اليمامتين اللتين تحطان على كتفيْ الصيف، ولا حديثها عن النوافذ والعصافير الصغيرة، بوصفها استراحات عاطفية داخل نصوص مثقلة بالوجع، وإنما بوصفها جزءاً أصيلاً من رؤيتها إلى العالم. فالشاعرة لا تنظر إلى الحياة بعين واحدة. العين التي ترى الخراب هي نفسها التي ترى ما ينجو منه. والعين التي تلتقط أثر الحريق هي نفسها التي تلتقط أثر النور. وربما لهذا السبب لا تسقط القصائد في المرارة، رغم كثافة أسبابها، ولا تتحول إلى مرثية طويلة، رغم أن ما مر بها كان كافياً لكتابة أكثر من مرثية. وأنا أتابع القراءة، بدأت ألاحظ أن العلاقة بين الذات والعالم تتغير بهدوء. في البداية كانت القصائد أقرب إلى مواجهة غير متكافئة بين إنسان وأعبائه، ثم أخذت هذه المواجهة تفقد حدتها شيئاً فشيئاً. ليس لأن الأعباء اختفت، وإنما لأن الذات نفسها تغيرت. كأن الشاعرة لم تعد تحاول الانتصار على ما حدث لها أو استعادة ما فقدته كما كان، وإنما أصبحت أكثر ميلاً إلى استيعابه داخل تجربتها. وهذه، في ظني، إحدى أكثر التحولات نضجاً في هذه النصوص. فالإنسان لا يتجاوز جراحه حين ينساها، وإنما حين يتوقف عن جعلها المركز الوحيد لحياته. ومن هنا تكتسب عبارة "أنا ابنة الكون" معناها الحقيقي. ليست الجملة خروجاً من المكان الأول، ولا تنكراً له، ولا محاولة لتعويض وطن بوطن أكبر. إنها ثمرة وعي تشكل عبر رحلة طويلة مع الانكسارات والأسئلة والاقتلاع. فحين تضيق الهويات الصغيرة عن حمل ما عشناه، يبحث الإنسان عن أفق أوسع يستوعب هذا التناقض كله. لا يعود الانتماء اسماً على خريطة، ولا بيتاً بعينه، وإنما يصبح علاقة أعمق بالحياة نفسها. ولهذا جاءت هذه العبارة مقنعة ومؤثرة، لأنها لم تصل من باب الحكمة الجاهزة، وإنما خرجت من قلب التجربة. وحين أعود إلى هذه القصائد بعد الانتهاء منها، لا يبقى في ذهني مشهد واحد بعينه، ولا استعارة واحدة بعينها، وإنما يبقى ذلك الإيقاع الداخلي الذي يربطها كلها. إحساس طويل بأن الحياة قد تؤجل كثيراً مما ننتظره، وقد تضع بيننا وبين رغباتنا مسافات لا تنتهي، غير أنها لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان قدرته على المضي. لهذا لا أظن أن هذه النصوص مكتوبة عن المنفى وحده، ولا عن الخسارة وحدها، ولا عن الحنين وحده. إنها مكتوبة عن تلك الطاقة الخفية التي تجعل الروح أكثر اتساعاً من جراحها. وحين أفكر في هذه القصائد الآن، بعد أن ابتعدت عنها قليلاً، أجد أن الصورة الأخيرة التي تبقى في ذهني ليست صورة المنفى، ولا صورة سيزيف، ولا حتى صورة الرغيف المؤجل. ما يبقى هو ذلك الركن الصغير الذي تركته الشاعرة للعصافير في النافذة. فمنذ البداية كان العالم مهدداً باليباس، وكانت العصافير متهمة بنقر القمح وإفساد المحاصيل، غير أنها تعود في نهاية الرحلة بصورة مختلفة تماماً. تعود بوصفها جزءاً مما يستحق الحماية. وكأن التجربة كلها كانت تتحرك، في أحد مستوياتها العميقة، من الخوف على الحياة إلى العناية بها. لهذا خرجت من القراءة وأنا أشعر أن سلمى حداد لا تكتب لكي تستعيد ما مضى، ولا لكي تشرح ما حدث، وإنما لكي تذكّرنا بأن الإنسان، مهما أثقلته الخسارات، يظل قادراً على أن يترك ركناً صغيراً للعصافير في نافذته.
شاهر خضرة شاعر وكاتب سوري - ألمانيا
|