سيرياستيبس
حين استيقظ المصريون قبل أيام ليجدوا أنفسهم في "قاع الهامور"، كان الشعور الكامن الأول، والتفسير الطاغي المبدئي، هو أن أحدهم خرج بهذه العبارة على سبيل الإسقاط السياسي أو الاقتصادي أو كليهما، بمن في ذلك من لا يعرفون معنى كلمة "هامور"، لكن ما دام الحديث عن "القاع"، فغالباً يعني شعبياً، حال الناس والغلاء والمعاناة، ومنهم من شطح بخياله المشتق من إيحاءات القاع، ليتصوّر أنها إسقاط لحال المنطقة برمتها الواقعة في براثن سلاسل لا تتوقف من الصراعات والحروب. لا "سبونج بوب" أصبح الشخصية الرئيسة في موطنه، أو مكان عمله "كراستي كراب" أصبح حكراً على أقرانه وأبناء عمومه من السلطعون والقريدس وفرس البحر وقنديله ونجمه وسلاحفه وغيرها من عموم السكان قبل أن يستقروا في صحن الـ"سي فود"، أو أناناسته الواقعة في 124 شارع المحار، بجوار منزل "شفيق" وعلى مقربة من بيت "بسيط" باتت حكراً عليه وحده. ليس هذا فقط، بل فقدت المدينة بأكملها، مدينة "بيكيني بوتوم"، المعروفة عربياً بـ"قاع الهامور" خصوصيتها الكرتونية، وتفردها السريالي الطفولي، وتميزها بكائناتها البحرية المكتسبة بعضاً من صفات البشر، لتصبح حديث القاصي والداني في مصر، وتتعدى حدودها لتشمل دور الجوار وغير الجوار، وتشغل بال من عرف "سبونج بوب" من قرب، أو من بعد، بحكم العمر، أو لم يعرفه حتى استيقظ ذات صباح قبل أيام، ليجد أن الأثير المصري غارق في "قاع الهامور". الإسفنجة المربعة الأشهر في عالم "الحيوان"، نعم الحيوان، حيث الإسفنج حيوان علمياً، وكذلك عالم الكرتون "سبونج بوب" تحولت إلى نجم ساطع على حلبة الجدال والصراع والشد والجذب والإعجاب والمقت والكوميديا والتراجيديا والمؤامرة وتفسيرات التهويل وشروح التهوين، في أيام قليلة، هي في عمر الـ"سوشيال ميديا" دورة حياة تكاد تكون مكتملة. يرفض "سبونج بوب"، الذي أذيعت أولى حلقاته في الـ17 من يوليو (تموز) عام 1999 بعنوان "مطلوب مساعدة" وخرجت أحدثها وهي الحلقة رقم 341 قبل أيام وعنوانها "ديستوبيا الشريط اللاصق، نزاع سوق المزارعين" في موسمها الـ17، إلا أن يبقي على صفتيه الأسطوريتين: الحيوية وغرابة الأطوار. إنهما عنصرا الحيوية وغرابة الأطوار، بدءاً بالفكرة، حيث مجتمع مخلوقات بحرية يعيش ويتفاعل ويتعارك ويحب ويكره ويتسامح، مروراً بالتركيبة الفريدة لمبتكرها، وهو الأميركي الراحل ستيفن مكدونيل هيلنبرغ، فنان الرسوم المتحركة، والكاتب والمنتج، والمخرج، ومؤدي الصوت، وعالم الأحياء البحرية، وانتهاء بحجم التكهنات والتوقعات واجتهادات التنقيب عن الإسقاطات السياسية، وأحياناً الدينية التي رافقت العمل الأميركي الشهير. مصريون في "قاع الهامور" حين استيقظ المصريون قبل أيام ليجدوا أنفسهم في "قاع الهامور"، كان الشعور الكامن الأول، والتفسير الطاغي المبدئي، هو أن أحدهم خرج بهذه العبارة على سبيل الإسقاط السياسي أو الاقتصادي أو كليهما، بمن في ذلك من لا يعرفون معنى كلمة "هامور"، لكن ما دام الحديث عن "القاع"، فغالباً يعني شعبياً، حال الناس والغلاء والمعاناة، ومنهم من شطح بخياله المشتق من إيحاءات القاع، ليتصوّر أنها إسقاط لحال المنطقة برمتها الواقعة في براثن سلاسل لا تتوقف من الصراعات والحروب. ولأن طقوس الاستيقاظ تنص على دخول الحمام، شرب القهوة أو الشاي، والـ"سكرول" السريع أو البطيء حسب الحالة الاجتماعية والعمل للمستيقظ، وأحياناً تبدأ بالـ"سكرول"، فقد بدا وكأنّ الشعب المصري قد أصبح من سكان "قاع الهامور" الأصليين فجأة. الحاذقون والحاذقات من غير "جيل زد" والأجيال التالية، وممن لا يتذكّرون "قاع الهامور" في أثناء تربية الأبناء، لا سيما بعد التعريب الأول لـ"سبونج بوب" في عام 2006، هرعوا إما لـ"غوغل" أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي سائلين عن المقصود بـ"قاع الهامور" قبل أن يبدؤوا في الدلو بدولهم، والمشاركة ببنات أفكارهم، سواء على سبيل التنكيت أو التبكيت. جرى العرف العنكبوتي، وجرت العادات والتقاليد الخاصة بالصفحات أو الأفكار أو "الترندات" التي يبزغ نجمها فجأة في السوشيال ميديا أن ينقسم المتابعون والمتلقون قسمين: الأول يؤيد ويثمّن ويشارك بالإشادة والإعجاب، والثاني يعارض ويندد ويشجب، لكن يشارك أيضاً بالذم والتقويض. ويستوي في ذلك المحتوى السياسي والاقتصادي والديني والاجتماعي والثقافي، وكل وأي ما يستجد من الأمور والشؤون. و"قاع الهامور" ليس استثناءً، بل يمكن القول إنه سيكتب اسمه في عالم دورات حياة "الترندات" العنكبوتية، والصرعات الافتراضية، والانتشارات الفيروسية بحروف من نور. ما هي إلا دقائق معدودة، حتى انتفض شعب المستخدمين والمتابعين عن بكرة أبيه، للإغراق في "قاع الهامور". الشرح السلس البسيط لما جرى هو أن صفحة اسمها "شكاوى أهالي قاع الهامور" جرى تدشينها قبل نحو أسبوعين على "فيسبوك"، وفي الساعات القليلة الماضية تحوّلت إلى ترند ممتد وحديث محتد، ووصل الأمر إلى درجة التحذير من مؤامرات، والتنبيه إلى مكائد، والتلويح بأمارات إرهاب وعلامات تختبئ وراءها جماعات وحركات وكيانات. يشار في هذا الصدد إلى خلفية مهمة، لكنها غائبة عن الغالبية المطلقة، سواء ممن تعاملوا مع الظهور المفاجئ لـ"قاع الهامور" بحس دعابة وكوميديا، أو من نظروا إليه بعين الشك والريبة، أو حتى من أسهبوا في الربط بينه ومن دشنوه والقائمين عليه وجماعات إرهابية ودول معادية، ألا وهي أن الحلقات الكرتونية منذ صدرت في عام 1999، وهي تثير نقاشات سياسية عدة، وتؤجج نظريات من قبل متابعين في العالم، حول الديناميكيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لسكان "بيكيني بوتوم" المعربة "قاع الهامور". وعلى مدار ما يقرب من عقدين ونصف العقد، هي عمر "سبونج بوب"، وأصوات عدة تتحدّث عن أيديولوجيات سياسية، وقضايا عمال تدور في القاع، لكنها مستمدة من الأرض. برجوازية "مستر سلطع" أبرز الآراء تشير إلى أن "مستر كرابز" أو "مستر سلطع" يمثل الطبقة البرجوازية، والنموذج الجشع والجامح والجانح للرأسمالية الفوضوية، أو الرأسمالية المتوحشة. إنه الثري الذي يسيء استغلال قوانين العمل في سبيل تحقيق أرباح، ولو ضئيلة. أما "سبونج بوب"، فهو الطبقة العاملة، ونموذج الموظف المخلص لعمله على رغم الأجر المتدني وظروف العمل السيئة، ويشع تفاؤلاً على رغم صعوبة الحياة، ولذلك صنفه البعض بنموذج الديمقراطي الاشتراكي. أم "سكويدوارد" أو "شفيق حبار" فهو مثال للعامل البائس المنهك الذي يدرك تماماً إن النظام ظالم بطبيعته، ولا محيص أو مخلص. آخرون اعتبروا "شفيق حبار" مثالاً لليبرتاري المحبط، حيث الليبرتارية هي الفلسفة السياسية والاجتماعية التي تعطي كل الأولوية للحرية الفردية، مع تقليص دور الدولة والحكومة في حياة الأفراد الشخصية والاقتصادية إلى أقصى حد ممكن. حتى الفتاة التي هرعت إلى تبرئة نوايا صفحة "شكاوى أهالي قاع الهامور" عبر فيديوهات عدة في الساعات القليلة الماضية، التي ترك المتابعون القضية الأصلية، ألا وهي نوايا الصفحة، وانغمسوا في التنمر والسخرية من مكياجها الذي وصفوه بـ"الصارخ"، وشفاهها التي رأوا أنها "منفوخة حتى تكاد تنفجر"، لم تتطرق من قريب أو بعيد إلى ما يثار حول "سبونج بوب" سياسياً في الدولة التي تصنعه.
قالت الشابة إن الصفحة غرضها "الضحك والهزار"، مدللة على ذلك بالسخرية من تحميل الصفحة والفكرة والغرض ما لا تحتمل، قائلة: "إحنا (نحن) أعبط من كده بكتير. احنا في قاع الهامور. في إيه أكتر من كده يخليكم ماتخدوناش جد؟". هذه الجملة الأخيرة فاقمت من حجم الجد على الضفة المقابلة. الفريق المشكك في الصفحة، ونوايا الصفحة، والقائمين على أمر الصفحة، وأعمار الأدمن الصغيرة المدللة على المؤامرة "الهبلة"، وكل المتابعين لها من باب "ضحك وهزار"، باعتبارهم مشاركين في المؤامرة، بعلم أو من دون، بحسن نية أو بسوء. البحث عن "الهامور" بين هذا الفريق من لم يلتفت إلى "هامور" من حيث المقصود في "قاع الهامور"، مكتفياً بالبحث عن معنى الكلمة، وحين اكتشف أنها نوع من السمك، ثم أخبره "غوغل" معضداً بـ"ديب سيك" إنه نوع شرس وغالي الثمن، قفز إلى تحليل تكتيكي استراتيجي يقوم على أن الغرض من الصفحة هو تأليب المواطنين على السلطة، وإشاعة الغضب والفوضى، وإعادة إحياء أجواء يناير (كانون الثاني) 2011. أحد التحليلات التكتيكية أشار إلى أن "نزول الصفحة مثل الصاعقة على المصريين في توقيت واحد ضرب المواقع الإخبارية، وصفحات الفنانين في وقت واحد، وكأنها ساعة الصفر. وفي أقل من 24 ساعة، حققت الصفحة أكثر من مليون متابع. وأي شخص يفهم في علم السوشيال ميديا، يعي ما أقصد". "علم" السوشيال ميديا يشير إلى أشياء هي في الغالب عكس المقصودة في هذا التحليل التكتيكي. دورات نمو المحتوى تقوم على محفزات خوارزمية، إذ يدلل وقت المشاهدة الطويل، والإعجابات السريعة، والارتفاعات المفاجئة في أعداد التعليقات إلى "قيمة" المحتوى بمعايير "فيسبوك". عناصر الجذب فيه تتمثل في تمتعه بميزات بصرية جذابة، أو عاطفية قوية تؤثر في المستخدمين وتمنعهم من التصفح السريع. وتتطلب قدراً معتبراً من الجاذبية التي تدفع التدوينات أو الصور أو الفيديوهات إلى التفاعل السهل من قِبل المستخدمين، وكذلك إعادة مشاركتها، مثل أن تكون صادمة أو مضحكة أو مفاجئة. وبالطبع، يأتي دور الهاشتاغ الرائج والذكي والسهل الممتنع، الذي ساعد في الزيادة الفورية في حركة البحث ويجذب المزيد من المتابعين، ومتابعي المتابعين، وهلم جرا.
وعودة إلى التفسير التكتيكي السابق، إذ يرى صاحبه إن اسم الصفحة، وهو "شكاوى سكان قاع الهامور" إسقاط على أشخاص لديهم مشكلات، وهبطت إلى قاع يمتلكه أثرياء وحيتان ورجال أعمال ومستثمرون. واعتبر المفسر التكتيكي أن هذا يؤكد مما لا يدع مجالاً للشك أن انطلاق التفاعل مع "قاع الهامور" حقق المراد، ألا وهو الإسقاط على رموز الحكومة، والمشروعات التنموية والخدمية التي نفذتها الدولة "بأسلوب ساخر وقليل الأدب". ورأى المحلل التكتيكي أن الغرض إذاً هو جس نبض الشارع الأثيري حول "مخطط إشاعة الفوضى وإعادة إنتاج سيناريو 2011 لصالح الإرهابيين". واعتبر المحلل أن القائمين على أمر "قاع الهامور" لم تفتهم فائتة، "فحتى الناس اللي دخلت ظاطت (نكتت) بهدف الضحك والسخرية، هو ترمومتر لقياس حجم الشريحة التي بلا وعي". تحليلات تكتيكية تحليلات "تكتيكية" و"فيسبوكية استراتيجية" عدة سارت على النهج التحليلي نفسه، مع إضافات وتجويدات، حيث تأكيد أن "مليارات (من الأموال) جرى دفعها لجعل الصفحة تنتشر بين الملايين في أيام معدودة، وتسيطر على الأخبار ومحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي"، مع الاتفاق على خلاصة واحدة، ألا وهي أن الهدف هو إسقاط الدولة وإشاعة الفوضى. ومنهم من ذهب إلى القول إنه على رغم سقوط البعض في شباك "الهامور"، فإن آخرين تيقنوا بذكاء وطني فطري أن "المسألة فيها إنّ"، وأن "قاع الهامور ليس إلا حيتاناً مفترسة وقروشاً قاتلة فانسحبوا بهدوء، وأبلغوا عن الصفحة ونواياها، أو نقبوا عن أصلها وفصلها، وتاريخ إنشائها، وأسماء القائمين عليه، ومواقعهم على الكوكب للإبلاغ عنهم. في السياق ذاته، وبشكل أكثر علماً، بدأ الكاتب محمد قريش على صفحته على "فيسبوك" تشكيكه في نوايا الصفحة عبر طرح ثلاثة أسئلة: لماذا الآن؟ ولماذا هذا الموضوع تحديداً؟ ومن المستفيد من أن يتحدث عنه الجميع في هذه اللحظة؟ يقول، بناءً على قراءات لمتخصصين في العالم الرقمي وما وراء صناعة الترند والانتشار الفيروسي، فإن صناعة الترند، والدفع بموضوعات أو قضايا بعينها إلى الواجهة، قد يكون الهدف منهما معرفة رد فعل مجموعات أو شرائح بعينها، أو حتى شخص واحد، ثم مطابقة رد الفعل بالخريطة النفسية للأفراد، وهذه مسائل تهم أجهزة الاستخبارات الكبرى. وربما يكون الهدف هو قياس اتجاهات الرأي العام، أو تجميع البيانات، أو اختبار مدى قابلية الناس للتأثر بفكرة أو صرعة أو ما شابه.
ويضيف أن الهدف قد يكون أكثر خبثاً، حيث إثارة التعاطف، أو تأجيج المشاعر، أو زرع فيروس مثل "حصان طروادة"، وهي أشياء لا تكتشف إلا بعد فوات الأوان، على حد قوله. ويخلص إلى القول إنه يتمنّى أن يكون مخطئاً، لأن البديل أكثر إزعاجاً وخطراً. اللافت أيضاً أن موقع "مركز رع للدراسات الاستراتيجية" نشر تحليلاً كتبه المشرف العام على المركز أحمد زغلول و"مساعد مدير الاستخبارات الحربية سابقاً"، حسب تعريفه، تحت عنوان "من قاع الهامور إلى قاع الوعي عندما يصبح الترند قوة وتأثيراً واختباراً للأمن القومي" (أغسطس 2026). جاء فيه أن "ظاهرة" قاع الهامور بدأت في إطار ساخر مُستوحى من عالم (سبونج بوب)، ثم تحوّلت خلال فترة قصيرة إلى مجتمع افتراضي واسع يتبادل أعضاؤه المواقف والشكاوى والصور والتعليقات، وكأنهم يعيشون في منطقة حقيقية لها أهلها وحكاياتها ومشكلاتها، مشيراً إلى أن ذلك قد يبدو في بدء الأمر مجرد مساحة للترفيه والضحك وكسر ضغوط الحياة، لا سيما في مجتمع يحتاج أفراده إلى متنفس وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية، لكنه أشار إلى أن القضية أهم من "قاع الهامور" في حد ذاته. تساءل: "ماذا لو تحوّلت مثل هذه التجمعات الرقمية الكبيرة في يوم من الأيام من مجرد مساحة للترفيه إلى وسيلة لصناعة الاتجاهات والتأثير في سلوك الناس؟ هنا يبدأ السؤال الحقيقي. ليست المشكلة في الضحك، إنما فيما قد يأتي بعد الضحك".
وبعقلانية شديدة يقول: "لا يجوز أن نتهم مجموعة بعينها بأنها تابعة لمنظمة مشبوهة، أو ممولة من جهة خارجية، أو تديرها جهة سياسية أو أمنية ما لم تكن هناك معلومات وأدلة واضحة تثبت ذلك، معتبراً أن الانتشار السريع ليس دليلاً على مؤامرة، وكثرة الأعضاء ليست دليلاً على جهة تقف خلفها. ويعود وينبه إلى أنه على رغم ذلك، فإن "الأمن القومي لا ينتظر وقوع الخطر حتى يبدأ في التفكير فيه. ولذلك، الرصد المبكر وفهم المؤشرات أفضل كثيراً من انتظار وقوع الأزمة، ثم البحث عن أسبابها. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس فقط: ماذا يحدث الآن؟ بل ماذا يمكن أن يحدث غداً؟". ويمضي قدماً في أسئلته: "ماذا لو استُخدمت الآلية نفسها في قضية أكثر حساسية؟ ماذا لو تعلق الأمر بالأمن القومي أو الاقتصاد أو مؤسسات الدولة أو الانتخابات أو العلاقات بين فئات المجتمع أو إثارة الغضب والإحباط وفقدان الثقة؟ هنا ينتقل الأمر من مجرد ترند إلى أداة محتملة من أدوات التأثير المعلوماتي، وهذا هو الجانب الذي يجب أن يستوقفنا". فريق آخر استوقفهم "قاع الهامور"، لكن من منظور مختلف تماماً. في مجموعة مغلقة تماماً على أعضائها وجميعهم ممن يمكن وصفهم بـ"كريمة المجتمع" من حيث التعليم والثقافة والأفق المنفتح في الحوار، ثارت تساؤلات حول "الهامور" وقاعه، لكن من منظور مختلف تماماً، ألا وهو "الحس الكوميدي اللزج" و"ثقل ظل وقلش (تنكيت سخيف) يعكس ثقافة محدودة جداً ووعياً مقيداً بسلاسل فكرية وأفكار جامدة، وتعليماً أحادي الرؤى قائم على ثقافة "آمين"، و"خلاصته تقوم على أن المتدينين يجب أن لا ينخرطوا في الدعابة والهزار، والنساء الغارقات في التدين المظهري يحظر عليهن الضحك والتنكيت، والرافضون للمدنية الحديثة والخروج من قمقم عصور الأولين عليهم الابتعاد تماماً عن عالم الكوميديا". قد تكون وجهة نظر قاسية أو طبقية أو تعكس ثقافة مغايرة للسائدة على "الهامور" وقاعه، والمعجبين به، والقائمين عليه، لكن تعادلها وجهات نظر أخرى رأت في "قاع الهامور" متنفساً للتعبير عن كبتها، أو رؤيتها لمشكلاتها الحياتية، أو معاناتها في ظل الأوضاع الاقتصادية الضاغطة، أو كراهيتها للنساء، أو انتقادها للذكورية السامة الملتحفة بالدين، أو مجرد السخرية من المشكلات اليومية التي تشغل البال وتعكر المزاج. بين باص مدرسة لم ينتظر الابن، وسكان المحارات المجاورة ممن يلقون نفاياتهم السمكية وقمامتهم البحرية فيلوثون القاع، أو يدعو لحملة "صلِّ على النبي" من تحت الأعماق، والقائمة تزيد بالعشرات بينما نتكلم. المكون الساخر من جهة أخرى، لا يمكن إغفال المكون الساخر في "قاع الهامور" شديد الصلة أو وثيق الإسقاط بما يقال على أرض الواقع والأثير وقت الجد، أي حين يطلق البعض العنان للشكوى من الحال. بين بيع زيت السمك المستعمل المسرطن لأهالي "قاع الهامور" الكرام، إلى مكون آخر يظهر بوضوح، ويحمل انتقاداً لاذعاً وإن غير مباشر لمظاهر "الطبقية" في المجتمع المصري. فبين الأسماك "البساريا" (صغيرة الحجم كثيرة العدد) التي تعمل في "الدليفري" (توصيل الطلبات) لسكان القاع، وشكوى سكان المحارات الراقية من أصوات "الدليفري" العالية وتجرؤهم بالدخول في الشعاب المرجانية الغالية للراحة أو الأكل أو الصلاة، وإعلانات لكومباوندات فاخرة في القاع بعيدة عن ضوضاء الأسماك الشعبية وتكاتك "البساريا" المزعجة وغيرها من شكاوى الطبقات الميسورة جداً ونسبياً مقارنة بغيرها. وكما جرت عادات الصفحات وتقاليد الترندات، انشطرت الصفحة عشرات الصفحات، لأسباب شتى، أبرزها نظرية الطفيليات التي تفتئت على كائنات غيرها بعدما حققت الانتشار وحازت الشهرة أصبحت حديث الناس. وتبقى الصفحة الأصلية حديث القيل والقال، وذلك بين مشكك في كونها مؤامرة ومحذر من تكرار سيناريو البراءة والشفافية، مرة باسم "خالد سعيد" "أيقونة يناير 2011" بالنسبة للبعض، و"مبتلع لفافة البانغو" بالنسبة إلى البعض الآخر، ومعتبراً إياها "صفحة لذيذة" و"تخفيفاً للضغوط" و"تنفيساً عن المشكلات". وكما هو متوقع في كل مرة، وسواء كانت الصفحة موجهة من جهات أو جماعات أو كيانات، تقفز بعض التيارات على كل ما هو رائج ويرجى منه فائدة. صفحات أخرى انتهجت نهج "الطفيليات" التي تتغذى على أجساد الكائنات الأخرى، واتخذت من "الهامور" وقاعه فرصة لتذكير بأحداث أغسطس (آب) عام 2013 حين انتفضت قطاعات عريضة من المصريين مطالبة بإنهاء حكم الجماعة، وما نجم عن ذلك من اعتصام مسلح في "رابعة العدوية" وفض الاعتصام بعد ذلك. فتبرع البعض بالمشاركة بميمز ورسوم تستكمل مسيرة "مظلومية الإخوان". آخرون استخدموها سياسياً لـ"نصرة غزة"، وصنعوا ميمز وريلز تصور سكان قاع الهامور البحريين وهم يهاجمون المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية إيلا واوية والمعروفة بـ"كابتن إيلا"، وكذلك المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي.
لا يمكن إغفال المكون الساخر في "قاع الهامور" شديد الصلة بما يقال على أرض الواقع (صفحة قاع الهامور على فيسبوك) قلة قليلة راصدة مراقبة مترقبة تتابع حمى القاع وصرعة الهامور وتنتظر ما ستسفر عنهما. هل يثبت بالفعل إنها مؤامرة موجهة، أو عملية جس نبض ممنهجة؟ هل يتطوّر الأمر أمنياً وتتواتر وتتصاعد البلاغات والمطالبات بتحجيم الصفحة والتحقيق في من يدعمها؟ هل يتزايد خروج القائمين عليها والـ"أدمنز" عبر فيديوهات إبراء ذمة وإعلان حسن نية والتأكيد على "العبط" لا الإرهاب؟ هل يثبت بالفعل إنها صفحة للتنكيت، وقاع للتنفيس، و"هامور" لتخفيف الضغوط؟ أم هي صفحة تعكس وتوضح وتسلط الضوء على الفجوات الكبيرة والعميقة للفروق بين الأجيال، إذ غالباً يغيب عن الأجيال الأكبر سناً فهم كيف تعمل الدماغ الأصغر سناً في العصر الرقمي؟ وغيرها الكثير من أسباب الرصد والمراقبة. وضمن هذه القلة الهادئة العاقلة المحافظة على هدوء الأعصاب، من يكتفي برصد وتتبع دورة حياة "قاع الهامور" وحساب مدتها الزمنية. إنها قواعد "دورة الحياة الفيروسية". إنها الدورة التي توحد بين أخطر القضايا السياسية، وأضحل الزوايا التنكيتية، وأعمق المسائل الفكرية، وأغرب النقاشات الاجتماعية والأمنية والاقتصادية وحتى الدينية، التي تمليها قواعد الترند وأصول الانتشار الفيروسي. من "الشرارة"، حيث منشور واحد يثير اهتمام فئة صغيرة، إلى "الحلقة" حيث التعليقات والمشاركات التي تدفع المنشور من حيز المتابعين المغلق إلى فضاء أصدقاء المتابعين والمارين بالصدفة وأصدقاء أصدقائهم، ومنها إلى "نقطة التحول"، حيث محرك توصيات فيسبوك، وهو نظام الذكاء الاصطناعي المعتمد على التعلم الآلي لتحليل سلوك المستخدمين واهتماماتهم، وذلك بهدف عرض محتوى مخصص ومقترحات دقيقة للمستخدمين لتنال إعجابهم، ويبدأون في التعليق والمشاركة لتأخذ الحلقة في المزيد من الاتساع، وذلك قبل أن تصل إلى "الركود والخفوت والاختفاء فجأة كما ظهرت فجأة"، حيث يمل المستخدمون منه، وتنفد قدرة الصفحة والفيروس على الجذب والإدهاش، وتظهر أخرى، وهلم جرا.المزيد عن: مصر قاع الهامور السخرية في مصر التنكيت في مصر الهامور سبونج بوب
اندبندنت عربية
|