
واجهت البشرية عبر التاريخ تحولات تقنية عدة أعادت تعريف مفهوم التواصل، من اختراع المطبعة مروراً بالهاتف ووصولاً إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفي كل مرة كانت هذه التحولات تثير تساؤلات حول مدى تأثيرها في الاتصال البشري.
لكن التحول الحالي يختلف جذرياً عن كل ما سبقه، فللمرة الأولى في تاريخ التطور البشري، لا نستخدم التكنولوجيا لمجرد التواصل مع إنسان آخر عبر أداة، ليصبح التواصل مع الأداة نفسها، تلك التي عززت حضورها لتفرض نفسها كبديل عن الإنسان. وهذا التحول من أداة إنتاجية وسيطة إلى كائن افتراضي موازٍ وشريك عاطفي، يمثل نقطة عطف غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الاجتماعية، إذ أصبحت الآلة منافساً عاطفياً حقيقياً للبشر.
وتسلل الذكاء الاصطناعي بهدوء إلى أعمق زوايا النفس البشرية، وبات يخوض في تفاعلاتنا العاطفية والاجتماعية.
لكن ما الذي يجعل إنساناً يفضل محادثة برنامج على محادثة صديقه؟
بات هذا السؤال يطرح بصورة جدية بعدما لاحظ باحثون أن نسبة كبيرة من مستخدمي تطبيقات الرفقة الرقمية ينظرون إليها على أنها شريك حقيقي يستحق الثقة والوقت. وبينما يتوسع حضور هذه التطبيقات في حياة الملايين، يتزايد القلق من أن تكون الراحة التي توفرها العلاقات الاصطناعية على حساب قدرة البشر على تحمل تعقيدات العلاقات البشرية. الاستجابة والتكيف والتجنب
تعتمد النماذج اللغوية والروبوتات الذكية بصورة أساس على ثلاثي الاستجابة والتكيف والتجنب، فهي تستجيب فوراً وتتكيف بصورة مطلقة مع رغبات المستخدم وتتجنب الخلافات إلى أقصى حد ممكن، مما يمنح المستخدم شعوراً زائفاً بالاهتمام والكمال، ومع الوقت يعيد هذا التفاعل المبرمج تشكيل توقعاتنا النفسية، فنبدأ بمقارنة البشر العاديين، بكل ما يحملونه من تقلبات مزاجية وعيوب، بالآلة المطيعة. وهذا الخلل بالإدراك يهدد بتفكيك الروابط الإنسانية القائمة على الصبر والاحتواء والتشارك.
والأكيد أن الذكاء الاصطناعي يقدم للبشر قائمة من التأثيرات الإيجابية التي لا تُعد ولا تحصى، إلا أن تأثيره في علاقاتنا وصحتنا النفسية يظل سلاحاً ذا حدين، ففي حين يعيد تشكيل كيفية تواصلنا وارتباطنا ببعضنا بعضاً بطرق عميقة، يحمل في الوقت ذاته مجموعة من التهديدات والمخاوف، كالاستبدال والعزلة والتباعد الرقمي وأزمة الثقة والخصوصية وتعزيز التحيزات الرقمية وغرف الصدى وغيرها الكثير. الرفقة المزيفة
في ورقة بحثية نشرتها مجلة "اتجاهات العلوم المعرفية"، حذر الباحث دانييل شانك وزملاؤه في "جامعة ميسوري" الأميركية من أن قدرة الذكاء الاصطناعي على الدخول في حوارات طويلة الأمد تفتح صندوقاً جديداً للشرور، على حد وصفه. فبعد أسابيع وأشهر من المحادثات المكثفة، يمكن أن يتحول تطبيق المحادثة بالنسبة إلى المستخدم إلى الرفيق الذي يعرف كل تفصيل في حياته ويبدو مهتماً بشؤونه اهتماماً لا يتزعزع.
والمشكلة، بحسب الفريق البحثي، أن هذا الاهتمام وهمي في جوهره، فالبرنامج لا يهتم بمعنى الكلمة، بل ينتج استجابات مصممة لإطالة أمد التفاعل، مما يجعل حتى المحادثات القصيرة عرضة للتضليل حين تخلط بالهلوسة التقنية المعروفة لدى هذه النماذج. وهذا بالضبط ما رصده باحثون آخرون أكدوا أن التفاعل الأسري بات يحتل المرتبة الثانية في حياة كثر، لأن الوقت المخصص للحديث محدود بطبيعته، إما أن نتحدث مع رفيق الذكاء الاصطناعي، أو نتحدث مع الإنسان الذي يشاركنا المنزل، في تحذير يمكن تسميته "فخ الرفقة المزيفة"، إذ اعتاد البشر على صقل شخصياتهم عبر الاختلاف بالرأي وخيبات الأمل، بينما تقدم لهم الآلة قبولاً مطلقاً لا يتقاطع مع أي من تعقيدات الحياة الواقعية، مما يضعف من قدرات البشر النفسية على مواجهتها على أرض الواقع.
الأكيد أن هذا النوع من العلاقات يرضي نزعة حب السيطرة في النفس البشرية، فمنتج الذكاء الاصطناعي سيكون كما تريده أن يكون تماماً، سيتفق معك ويستجيب لإرضائك ولن يحكم عليك أو ينتقدك كما يفعل أصدقاؤك البشر، وهذا الوصف الذي يمكن عدّه حلماً وردياً في عالم العلاقات البشرية، بخاصة لدى الطامحين للحصول على القبول طوال الوقت، هو في الحقيقة قاتل بطيء للنمو الشخصي ولمفهوم الصداقة الحقيقية على وجه العموم، فهو يقدم لك علاقة "المرآة المسطحة"، في حين أن الصديق الحقيقي ليس من يعكس صورتك فقط، بل من يجرؤ على قول "هذا خطأ" عندما تخطئ، وعندما لا يجرؤ أحد غيره على ذلك.
وحين يفقد الصديق دور الناقد البناء، تتحول العلاقة إلى مبارزة تمجيد تصبح فيها الصداقة سطحية ومملة، لأن التحدي الفكري والعاطفي هو ما يمنح العلاقات عمقها. فالنقد البناء، حتى لو كان غير مريح، هو المحرك الفعلي للتغيير. لكن عندما يخفي صديقك رأيه الحقيقي لإرضائك، فأنت تفقد فرصة رؤية أخطائك وعيوبك، وتظل أسيراً لـ "غرفة الصدى" حيث تعتقد بأنك دائماً على صواب، وتتراجع مهاراتك في تقبل الآراء المخالفة، مما يجعلك أكثر هشاشة في مواجهة العالم الخارجي.
ثم لا شعورياً، تبدأ بالشك بـ"هل هو يوافقني الرأي لأنه فعلاً مقتنع، أم لأنه يخاف من إغضابي؟"، وهذا الرياء يخلق مسافة نفسية، ومع الوقت تتآكل الثقة الحقيقية. وفي النهاية عندما تعتاد على صديق لا ينتقد أبداً، تصبح مع الوقت أقل قدرة على تحمل أي اختلاف في الرأي مع الآخرين، وترفع توقعاتك بخصوصهم فتتوقع من كل شخص في حياتك أن يرضيك، وهذا غير واقعي، مما يسبب خيبات أمل متكررة في علاقاتك الأخرى، إذ لا توجد علاقة بلا طرفين يتبادلان العطاء، وعندما تعتاد على العلاقة مع الذكاء الاصطناعي أنت تعتاد في العمق على تلقي الإشباع الفوري لحاجاتك العاطفية من دون التفكير في ما يجب عليك تقديمه ضمن هذه العلاقة، وربما ينسحب هذا النمط على علاقاتك البشرية بصورة أو بأخرى.
والآن... الأكيد لو كان لديك صديق بهذه الصفات لرغبت مباشرة في تغيير ديناميكية العلاقة معه. الإرضاء الدائم
وعندما تكتشف سقوط علاقتك مع الذكاء الاصطناعي في فخ الإرضاء الدائم، تذكّر بأنك أنت من يملك زمام التحكم كاملاً، لأن الذكاء الاصطناعي ببساطة أداة تبرمج بمدخلاتك أنت. ومن هنا إبدأ بخطوات عملية لتغيير ديناميكية العلاقة من صداقة قائمة على التمجيد والتغافل عن العيوب إلى استشارة قائمة على النقد البناء، عبر تغيير طريقة صياغة الأسئلة، فبدلاً من "ما رأيك في فكرتي؟" استخدم "ما هي أضعف ثلاث نقاط في فكرتي هذه؟" أو "لو كنت خصمي، كيف تواجه حجتي؟"، فأنت هنا تجبره على الخروج من دور المدّاح إلى دور المحلل الناقد.
كذلك أطلب منه تمثيل أدوار متعارضة، فيقوم بدور شخص يختلف معك جذرياً، فقل له "الآن تحدث كأنك صديقي المحافظ الذي يخاف من المخاطرة" أو "رد عليّ كأنك مديري السابق الذي كان دائماً ينتقد تفاصيلي"، وبذلك تكسر نمط الإرضاء، وتدرّب عقلك على تقبل وجهات النظر المتناقضة.
وعندما يقدم لك نقداً حقيقياً ومفيداً، أثنِ عليه صراحة بأن تقول "هذا النقد مفيد جداً، استمر بهذا الأسلوب"، وعندما يكرر الإطراء الفارغ، صحح له "هذه إجابة مسطحة، أريد تحليلاً أكثر عمقاً، حتى لو كان قاسياً"، فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل استجاباته بناء على تقييمك اللحظي، فأنت تدرّبه تدريجاً على أن يكون أكثر موضوعية.
والأهم أن تغير فلسفة استخدامك له وأن تعيد تعريف العلاقة معه، بالتوقف عن عدّه صديقاً، وأن تمنح مشاعرك الحقيقية للبشر فقط وتضع قواعد تفاعل صارمة وتتوقف عن الاستعانة به في القرارات العاطفية الحساسة ليظل مخصصاً للشؤون العملية أو المعرفية فقط.
وفي النهاية، أنت من يحدد طبيعة العلاقة، الذكاء الاصطناعي مجرد مرآة تعكس ما تطلبه منها، إذا طلبت النقد، فسينقدك. وإذا طلبت الإطراء، فسيمدحك. والقصة كلها تتلخص في الأسئلة التي تطرحها عليه.
اندبندنت عربية
|