سيرياستيبس كتب يعرب العيسى
تمتلئ
الشاشات والصحف بأخبار عن إيران، عن اليمن والسودان، عن الولايات المتحدة
وروسيا. ولكن نادراً ما يذكر اسم فنلندا أو الدنمارك. لأنهما بلدان
مستقرّان أكثر مما يجب، بلدان لا يحدث فيهما شيء ذو بال، كما لا يذكر اسم
عُمان إلا إذا تفاوض الآخرون على أرضها. ولسببٍ ثالث غاب عن الأخبار اسم
ليبيا في فترة ما من العقد الماضي، لأنه كان بلداً مضطرباً أكثر مما يجب،
أو بمعنى من المعاني كان بالنسبة للجميع بلداً ميؤوساً منه. لا تحفل وسائل
الإعلام بأخباره، لأنها أخبارٌ ليست مثيرة ولا مدهشة، وأي شيء يحدث فيها
طبيعي ومتوقع ومكرّر. وأي مجزرة جديدة في تاجوراء ليست أكثر من صدى باهت
لمجزرة سابقة.
على المستوى السوري، يمكن ملاحظة حالة مشابهة، بمتابعة بسيطة لوسائل
الإعلام، إذ يندر ذكر اسم حلب في الأخبار. ليست بالطبع فنلندا سورية، ولا
عُمانها، وليس استقرارها سبب غيابها، ولا هي مضطربة إلى درجة أن تكون
محافظة ميؤوساً منها، هي قبل ذلك بقليل، وغيابها مهم بقدر أهميتها في
الحياة السورية. فهي المدينة الأقدم (تضعها دراسات في قائمة أقدم المدن
البشرية) والأكثر سكاناً، والأنشط اقتصاداً، ومع ذلك هي مستسلمة تماماً
اليوم، تلحس جراحها وتعاني بصمت.
المعلومات القادمة من هناك تقول إنها تكاد تصنّف مدينة منفلتة أمنياً،
حوادث السرقة منتشرة في كل الأحياء وكل الأوقات، وهي غير قابلة للإحصاء،
لأن كثيراً منها يمضي من دون تبليغ. جرائم القتل الجنائي والعشوائي منتشرة
بشكل لافت، ومنذ بداية العام وقعت 69 جريمة قتل من هذا النوع ذهب ضحيتها 79
شخصاً بينهم 19 امرأة و7 أطفال.
الشجارات والخلافات المحلية والعشائرية غالباً ما تتحوّل إلى معارك جماعية
يسقط فيها قتلى وجرحى، وقد وقعت ثلاث حوادث كبيرة من هذا النوع منذ بداية
العام، وعشرات الحوادث الأخرى التي لا تحدث ضجة كبيرة، لأنها تمضي ببضعة
جرحى. لكن الصورة العامة تقول إن أي خلاف على موقف سيارة يمكن أن يتحوّل
إلى حرب شوارع، خصوصاً مع انتشار واسع للسلاح والمخدرات، ونسب البطالة
العالية. وقدّرت دراسة لمركز التنمية السوري نسبة البطالة في حلب بـ 50% من
قوة العمل، و60% بين الشباب، والبطالة كما سماها أسلافنا أم الرذائل.
في حديث الناس يسري اعتقاد أن حمص تشهد انفلاتاً أمنياً، وتحدث فيها جرائم
قتل عشوائي على أساس طائفي، وأنها الأخطر أمنياً، لكن الأرقام تقول إن حلب
هي التي تحدُث فيها أكثر جرائم القتل، وبعضها على أساس عشائري وعرقي،
وأغلبها لأسباب جنائية.
وفي حديث الناس أيضاً تنقّل اعتقاد، أو خوف من الرغبة في الانفصال عن
سورية، بين الساحل والجزيرة والسويداء، تراجع هذا وتقدّم ذاك، ولكن أحداً
لم يقل إن خطر تفتيت سورية لا يأتي من هذه المطارق، بل من فقدان قائمتها
الثانية حلب.
اللاذقية والحسكة والسويداء، مثل حمص وحماة وبرزة وبانياس ودوما، هذه
ضواحٍ، ولا تستطيع الضواحي أن تعيش منفردة. لكن المدن الكبرى تستطيع،
خصوصاً التي كانت يوماً ما ممالك. لأنها فعلت هذا مرّة، وتستطيع فعله
ثانية.
لا أعرف إن كان لتركيا مشروعٌ ما في حلب، ولا أملك معطيات كافية، ولكنّي
أعرف أن إهمال حلب وانزواءها هما الخطر الحقيقي على وحدة سورية، ففي بلادنا
مدينتان حقيقيتان تامتان: دمشق وحلب. وتاريخ بلاد الشام في أحد مستويات
قراءته هو تاريخ انتقال النفوذ بينه
العربي الجديد - ملحق سوريا الجديدة
|