يبدو أن ميزان الحرب في سورية له وضع مختلف عن حروب مماثلة حصلت في دول أخرى إذ أفرز كفة أخرى حملت بين دفاتها تناقضات يقر بها لسان الواقع رغم عدم قبول المنطق بها، فبعد خسائر بشرية ومادية فادحة نرى ونسمع على المقلب الآخر وجود عمالة فائضة كان لوزارة الصناعة النصيب الأكبر فيها مقارنة مع وزارات ومؤسسات القطاع العام.
إشارة شهرية
وجود العمالة الفائضة لا يعني وجود عمال بلا رواتب، كما أكد تقرير حصلت «تشرين» على نسخة منه من وزارة الصناعة، يبين أن رواتب وأجور العاملين في الشركات المتوقفة والمتعثرة لعدم توافر السيولة تبلغ 345 مليون ليرة شهرياً، ولم يتوقف راتب أحد من العاملين في تلك الشركات حتى تاريخه، مع الإشارة الشهرية إلى العمل والسعي لزيادة الإنتاج وإيجاد جبهات عمل جديدة تمكن من الاستمرار في دفع رواتب أولئك العاملين ذاتياً.
بلغة الأرقام
بلغة الأرقام وبعد المتابعة لعدد العمالة الفائضة التابعة لوزارة الصناعة تبين أنها بلغت 4596 عاملاً، مقسمين تبعاً للمؤسسات العامة التابعة للوزارة، ليكون أعلى رقم من نصيب المؤسسة العامة للصناعات النسيجية التي بلغ عدد عمالها الفائضين 1957 عاملاً تليها الكيميائية بـ 882 عاملا ً ثم الإسمنت بـ 809 عمال، فالمؤسسة العامة للسكر بـ 393 عاملاً، ثم الغذائية بـ 256 عاملاً، أما مؤسستا التبغ وحلج وتسويق الأقطان فيحسب لهما أنه لم يسجل في قيودهما الإدارية أي عامل فائض.
وعلمت «تشرين» أيضا ًأن المبالغ المالية المخصصة رواتب لعمال الشركات المتوقفة والتابعة للوزارة موزعة على الشكل الآتي: 38.190 مليوناً للغذائية، و124.700 مليوناً للنسيجية، و47 مليوناً للسكر، و80.953 مليوناً للهندسية و54.90 مليوناً للكيميائية، وغيرها.
أسئلة تطرح نفسها بعد كل تلك الأرقام، ما مصير العمالة الفائضة؟ وإلى أي مدى تستطيع الدولة الاستمرار بتغطية رواتب أولئك العمال بلا عمل؟. ولماذا كانت الصناعة الأعلى رقماً من حيث عدد العمالة الفائضة؟.
آلية قابلة للتنفيذ
مدير الشؤون الإدارية في وزارة الصناعة ملهم قاسم بيّن لـ «تشرين» أن القطاع الصناعي كان الأبرز لجهة العمالة الفائضة لأن استهدافه كان الأكبر مقارنة مع غيره من القطاعات الأخرى في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر فيها البلد، ناهيك بتوزع القطاعات الصناعية على مختلف البقاع السورية كحالة جغرافية جعلت حجم الخسائر أكبر وإمكانية إعادة الإنعاش والإقلاع أصعب، ولا سيما نسبة الضرر التي طالت القطاع الصناعي في المنطقة الشمالية ودير الزور وإدلب والرقة.. وأكد قاسم أنه من بداية الحرب وحتى الآن لم يغلق ملف العمالة الفائضة لكنه عولج على مراحل، فقد تم تشكيل لجنة من وزارات التنمية الإدارية والصناعة والأشغال العامة لدراسة موضوع العمالة الفائضة، وإمكانية وضع حلول لها من خلال إعادة توزيع تلك العمالة، ولا سيما الخاصة منها بوزارتي الصناعة والأشغال العامة، إضافة إلى اعتماد آلية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، فكانت الخيارات المتاحة في المراحل الأولى متعددة، وشملت اعتماد آلية النقل الداخلي أو الخارجي «خارج ملاك الوزارة» أو الندب أو الإعارة إلى مؤسسات القطاع العام وليس فقط القطاع الصناعي.
خطة قائمة
أما عن الإجراءات الحالية، فقد أكد قاسم أن الوزارة تقوم بتطبيق خطة قائمة على مخاطبة المؤسسات العامة الصناعية لإرسال تفويضات بإجراء اللازم المتعلق بتوزيع العمالة مع مراعاة رغبة العامل بالدرجة الأولى سواء على صعيد النقل أو الندب من جهة، وسعي العامل بالحصول على موافقة من جهة ثانية لتتم الموافقة عليها مباشرة ً من جانب الصناعة من جهة أخرى، وفي حال عجز العامل عن الحصول على موافقة النقل أو الندب لجهة معينة،تساعده الوزارة بمخاطبة ومراسلة الجهة المعنية بشكل رسمي للمساعدة وإمكانية النقل، وفي حال كانت الجهة مكتفية أو خارج الجغرافيا التابعة للصناعة، تقوم الوزارة بمخاطبة رئاسة مجلس الوزراء لإيجاد جبهات عمل تستوعب تلك العمالة بمؤسسات القطاع الحكومي بشكل عام.
قابلة للتغير
وفيما يتعلق بالأرقام المذكورة والمتعلقة بعدد العمالة الفائضة التابعة للصناعة أوضح قاسم أنها غير ثابتة وقابلة للتغير ويتم العمل يومياً للتخفيف منها، مضيفاً أن أبرز أسباب العمالة الفائضة هو إما نتيجة تدمير وهدم أو نتيجة توقف عن العمل لعدم توافر المادة الأولية كما هي حالة معملي سكر الغاب وسلحب.
وأكد قاسم عدم انقطاع راتب أي موظف في أي شركة تضررت أو دمرت بالكامل، بل تم الاستمرار بضخ الرواتب من قبل وزارة المالية بالتشاور والتنسيق مع وزارة الصناعة وبالطرق القانونية، مع الاستعانة بعدم وضع حواجز في موضوع الاستقالات والإجازات بلا أجر وغيرها للتخفيف من حجم تلك العمالة الفائضة.
وتابع قاسم أنه تم في البداية نقل وندب بعض العاملين إلى ثلاث جهات حكومية هي وزارات الثقافة والتربية والمؤسسة العامة للآثار والمتاحف، ثم جرى النقل بناء على حاجة الجهات المنقولة إليها العمالة حتى يتقاضى العاملون المنقولون رواتبهم من قبل تلك الجهات من جهة والاستفادة من إمكاناتهم واختصاصاتهم من جهة أخرى.
عمال المغازل
وفيما يتعلق بعمال المغازل الذين تم استهداف منشآتهم في الآونة الأخيرة من قبل العصابات الإرهابية والبالغ عددهم الكلي حوالي 500 عامل، كشف قاسم أنه تمت تسوية أوضاعهم الوظيفية بعد استبيان أسمائهم وتحويلهم إلى شركات تحتاج إليهم وفق خطة إسعافية تعمل عليها الوزارة، تراعي حالة التوقف الدائم لبعض المنشآت المتضررة وحالة التوقف المؤقت بغض النظر عن الفترة الزمنية فيكون الحل الأمثل للتوقف الدائم هو النقل الخارجي أو إيجاد جبهات عمل، كاشفاً عن أن وزارة المالية ستتوقف عن ضخ رواتب العمال المتوقفين عن العمل والممتنعين عن الانخراط في تنفيذ الخطة الموضوعة للتخلص من العمالة الفائضة، مؤكداً أن ما قامت به وزارة الصناعة ضمن هذا الملف هو أقصى ما يمكن أن تقوم به في نطاق الإمكانات المتاحة وفي قمة المراعاة الكاملة لظروف العامل ووفق تحقيق حالة توازن مابين مصلحة العامل ومصلحة الدولة.
كفة من ترجح؟
ما بين مصلحة كل من العامل والدولة وما بين الجانب القانوني ونظيره الإنساني، نعود في الحديث إلى ميزان الحرب الذي بدأنا به، لكن هنا الوضع يختلف فأي كفة سترجح على الأخرى في خضم تلك الإجراءات المتخذة للتقليص من حجم العمالة الفائضة، هل هي كفة الدولة أم كفة المواطن، أو هي كفة القانون أم الإنسان؟ لربما تختلف المعايير والظروف وفقاً لكل حالة، لينظر فيما بعد إلى النتائج من حيث الفاعلية وفق ما جرى في كل حالة على حدة وليس كحالة جمعية مجتمعية لها أبعادها الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بها، موشومة بختم الحرب وإدارة مسؤولي الأزمة، كيف لا والصناعة ليست الوحيدة التي تعاني فائضاً في العمالة.

سيرياستيبس - تشرين