سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:01/10/2026 | SYR: 11:25 | 01/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

Buildexnewwide

 طوابق دمشق المتنافرة.. كيف تستعيد العاصمة هويتها العمرانية؟
01/10/2026      

سيرياستيبس 

بدأنا من أمام الجامع الأموي، وعبرنا سوق الحميدية وشارع القلعة سيراً باتجاه شارع النصر، ثم الحلبوني والبرامكة والصالحية وشارع بغداد والحمرا. خلال بضعة كيلومترات فقط، تبدلت صورة دمشق أكثر من مرة أمام عدسة الكاميرا.

تغيرت الأبنية وارتفاعاتها وواجهاتها، واتسعت الشوارع وضاقت، واختلفت الأرصفة والأشجار واللافتات والإعلانات والإنارة، وانتقل المشهد من نسيج تاريخي للمدينة القديمة إلى أحياء وشوارع تشكلت في مراحل مختلفة من توسع دمشق وتحديثها.

هذه المسافة القصيرة تختصر جانباً من قصة مدينة راكمت خلال قرون طبقات عمرانية شديدة التنوع، لكنها تكشف أيضاً سؤالاً أكثر حداثة: ما الذي يجعل كل هذه الأماكن، على اختلافها، أجزاء من مدينة واحدة لها هوية عمرانية وبصرية يمكن تمييزها؟

قليل من المدن تحمل هذا التراكم كما تحمله دمشق، فالمدينة لم تُبنَ في عصر واحد، بل تشّكلت فوق طبقات متعاقبة من المجتمعات والحضارات وأنماط الحياة، والتي ترك كل منها أثره في عمرانها من دون أن يمحو ما سبقه بالكامل؛ من النسيج القديم الذي تشكل حول الأزقة والأسواق المتنوعة الاختصاصات ودور العبادة والبيوت الدمشقية ذات الأفنية، إلى الأحياء التي تمددت خارج السور، ثم الشوارع والساحات والأبنية التي جاءت مع تحديث المدينة في القرنين التاسع عشر والعشرين.







ولهذا لم تكن هوية دمشق يوماً طرازاً معمارياً واحداً، بقدر ما كانت قدرة المدينة على استيعاب طبقات تاريخية مختلفة وربطها بالمكان وبيئته وحياة سكانه عبر تعاقب حضارات ومجتمعات مختلفة، من الآراميين والفرس واليونانيين والرومان والبيزنطيين، وصولاً إلى العصور الإسلامية والعثمانية والحديثة.

لكن القدرة على جمع هذا المختلف اليوم تبدو صعبة للغاية. أبنية بارتفاعات وأنماط متباينة، واجهات ولافتات وإعلانات لا تجمعها قواعد واضحة، أرصفة وإنارة وكابلات كهرباء وهاتف وأثاث حضري يختلف من شارع إلى آخر، أحياء نشأت في مراحل وظروف مختلفة، بينما أضافت سنوات الحرب والإهمال طبقة أخرى من التراجع والتشوه البصري.

وفي ظل هذا المشهد، أعادت محافظة دمشق، في تموز الماضي، طرح مسألة هوية المدينة بعد إعلانها مشروعاً لتطوير هوية بصرية جديدة للعاصمة، وفق محددات تشمل الهوية التاريخية والحضارية، والتكامل مع النسيج العمراني، والاستدامة، ووضوح المرجعية البصرية، وبدأت لاحقاً اجتماعات مع مختصين وجهات أكاديمية وحكومية لوضع أسس المشروع.

لكن الحديث عن "هوية بصرية لدمشق" يستدعي سؤالاً يتجاوز مشروع الهوية البصرية نفسه: ما شكل دمشق الذي نريد الحفاظ عليه أو استعادته أصلاً؟

فهوية المدينة لا تختصر بشعار وألوان وخطوط، بل تتشكل أيضاً من المباني والشوارع والأرصفة والأشجار والواجهات والإعلانات والإنارة وخط السماء والفراغ العام، ومن العلاقة التي تجعل هذه العناصر، على اختلاف أحياء دمشق وطبقاتها العمرانية، جزءاً من مدينة يمكن قراءتها بوصفها مكاناً واحداً منسجماً.

ومن هنا، تصبح محاولة بناء هوية جديدة لمدينة دمشق مسألة تتجاوز التصميم البصري إلى التخطيط والعمران، خصوصاً مع دخول العاصمة مرحلة جديدة من الاستثمار وإعادة الإعمار ومشاريع قد ترسم شكلها لعقود مقبلة.

صور حديثة من أحياء مدينة دمشق - تلفزيون سوريا
في هذا التقرير، نتتبّع كيف تغير عمران دمشق خلال أكثر من قرن، من توسّع المدينة خارج نواتها التاريخية ودخول التخطيط الحديث، إلى النمو السريع والسكن غير المنظم، وصولاً إلى واقع دمشق الحالي والتحديات التي تطرحها مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار على هوية العاصمة.

من مدينة متماسكة إلى طبقات متنافرة
لم تفقد دمشق هويتها العمرانية في لحظة واحدة، ولم يكن دخول العمارة الحديثة إليها بداية التشوّه بحد ذاته، بل تشكل المشهد الحالي عبر أكثر من قرن من التوسع والتخطيط والتحولات السكانية، أضيفت خلاله طبقات جديدة إلى المدينة، من دون أن تنجح دائماً في الاندماج ضمن نسيج عمراني واحد.

تقدّم دراسة "الهوية الحضرية في مرحلة انتقالية: تحليل حضري لدمشق"، المنشورة في مجلة "العلوم الحضرية" المتخصصة بدراسات المدن في حزيران 2024، مرجعاً مهماً لفهم هذا التحول، حيث يتتبع الباحثون تطور دمشق عبر ثلاث مراحل رئيسية: حتى عام 1929، وبين 1929 و1968، ثم بين 1968 و2010، ودرسوا تغير عناصرها الطبيعية والعمرانية والاجتماعية والثقافية.

وتخلص الدراسة إلى انتقال الهوية الحضرية للمدينة من حالة تماسك عمراني نسبي عام 1929 إلى حالة مجزأة ومتنافرة عام 1968، قبل أن يتواصل تراجعها وصولاً إلى ما يمكن وصفه بحالة حرجة من فقدان الهوية.

وتعليقاً على ذلك، تقول المهندسة المعمارية شذا بدّور إن تعدد الأنماط العمرانية يمكن أن يكون جزءاً من هوية المدينة عندما يأتي التوسع منظماً ومنسجماً مع إطارها العام، لكنه يتحول إلى عامل لفقدان الهوية عندما يجري بصورة عشوائية وغير مدروسة، معتبرة أن مدينة دمشق تجمع بين الحالتين.


دمشق إلى خارج أسوارها
حتى القرن التاسع عشر، شكلت المدينة القديمة داخل الأسوار قلب دمشق، لكنها لم تكن المدينة كلها، حيث نشأت خارجها أحياء تاريخية مثل الصالحية والميدان وساروجة، وارتبطت بالنواة القديمة وبالطرق المؤدية إليها.

ورغم اختلاف هذه الأحياء في أشكالها ووظائفها، حافظت المدينة على قدر كبير من الترابط بين عمارتها وبيئتها الطبيعية، من بساتين الغوطة ونهر بردى وقاسيون إلى شبكة الأزقة والساحات والبيوت والأحياء التي تشكلت وفق احتياجات سكانها.

يقول خالد محمد الفحام، رئيس جمعية "سوريون من أجل التراث العمراني"، إن حدود دمشق التاريخية أوسع من المدينة المسجلة على قائمة التراث العالمي داخل السور، إذ تمتد إلى أحياء تاريخية نشأت خارجه وارتبطت بالمدينة القديمة ضمن سياق عمراني ومعماري واجتماعي وبيئي واحد.

ويوضح أن هذه الأحياء انتمت إلى نمط التخطيط العمراني التقليدي المشرقي، وشكلت مع المدينة داخل السور نسيجاً متكاملاً استطاع الحفاظ على حيويته والتكيف مع مراحل مختلفة من التحديث. ويربط هذا النسيج أيضاً بشبكة المياه التاريخية، من بردى إلى القنوات وتورا ويزيد، بوصفها جزءاً من المكون البيئي والعمراني للمدينة.

وتصف دراسة "الهوية الحضرية" هذه المرحلة بأنها شهدت نسيجاً عمرانياً عضوياً كثيفاً، وشوارع ضيقة ومتعرجة، وترابطاً قوياً بين الفضاءين العام والخاص وبين البنية العمرانية والحياة الاجتماعية.

لكن المدينة بدأت، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بالخروج بوتيرة متسارعة من نواتها التاريخية، حيث امتد العمران غرباً وشمالاً، وظهر مركز إداري وتجاري حديث حول منطقة المرجة، وتوسعت مناطق الصالحية والمهاجرين والميدان، وبدأت أجزاء من البساتين المحيطة تتحول تدريجياً إلى مناطق سكنية، الأمر الذي كان بداية لتشكيل دمشق الجديدة إلى جانب دمشق التاريخية.

ويشدد الفحام على أن حماية هذا النسيج لا تعني تجميده، فالمدينة القديمة، كما يقول، لم تكن يوماً "تراثاً متحفياً"، بل بقيت مدينة حية استطاعت إدخال وظائف وتقنيات حديثة عبر مراحل تاريخية مختلفة، من الترام الكهربائي مطلع القرن العشرين إلى تطور المرجة وشارع النصر والحلبوني وظهور أحياء حديثة مثل أبو رمانة.

ويرى أن المطلوب هو حماية وإحياء وتأهيل النسيج التاريخي بما يحسن جودة الحياة داخله، لا تحويله إلى مساحة سياحية منفصلة عن سكانها ووظائفها اليومية.

حين دخل التخطيط الحديث إلى دمشق
خلال النصف الأول من القرن العشرين حدث التحول الأكبر، حيث دخلت إلى دمشق، خلال فترة الانتداب الفرنسي، مفاهيم التخطيط الحديثة، مثل الشوارع العريضة والمستقيمة، والساحات والدوارات، وتقسيم استعمالات الأراضي، والأحياء السكنية الجديدة، وتخطيط المدينة لاستيعاب السيارات والحركة الحديثة.

في العام 1936 وضع المخططان الفرنسيان رينيه دانجيه وميشيل إيكوشار أول مخطط تنظيمي حديث للمدينة، ركز على البنية التحتية والتوسع خارج النواة القديمة، وأسهم في رسم ملامح دمشق الحديثة وشبكة طرقها وأحيائها الجديدة.

وتوضح دراسة "الهوية الحضرية" أن مساحة العمران في دمشق ارتفعت من نحو 35 كيلومتراً مربعاً عام 1929 إلى قرابة 105 كيلومترات مربعة عام 1968، أي بزيادة تقارب 200 %، وحدث جزء كبير من هذا التوسع على حساب أراضي الغوطة.

أيضاً ظهرت خلال هذه العقود أحياء حديثة مخططة بأنماط مختلفة عن المدينة القديمة، ولم يكن الاختلاف بحد ذاته دليلاً على فقدان الهوية، فالمدينة كانت تتكيف مع أشكال حياة وتقنيات واحتياجات جديدة، وباتت دمشق تضم بصورة أوضح مدينتين عمرانيتين: مدينة قديمة تحوي نسيجاً تاريخياً عضوياً، وأخرى حديثة تقوم على الشوارع الواسعة والتقسيمات والمباني المنفصلة.

وتؤكد المهندسة شذا بدّور أن دخول التخطيط الحديث لم يمثل في بدايته "انقطاعاً تاماً" مع هوية دمشق، بل أنتج هوية معمارية جديدة مزجت التأثيرات الأوروبية بالروح المحلية، وظهرت خلالها أحياء مثل أبو رمانة والقصاع والمهاجرين.

وترى بدّور أن بداية الخلل الأكثر وضوحاً ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، مع تسارع النمو السكاني والهجرة من الريف واتساع أنماط تخطيط ابتعدت تدريجياً عن النسيج التقليدي للمدينة.


المحطة التالية جاءت في الستينيات، عندما عاد الفرنسي ميشيل إيكوشار إلى العمل في دمشق، هذه المرة بالتعاون مع المخطط والمعماري الياباني غيوجي بانشويا، الذي عمل في سوريا ضمن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ودرّس في جامعة دمشق.

بين عامي 1966 و1968 أُعد المخطط العام الجديد لدمشق، الذي عُرف باسم "مخطط إيكوشار - بانشويا"، وصُمم لاستيعاب مدينة يتوقع أن يصل عدد سكانها إلى نحو 1.5 مليون نسمة مع بداية الثمانينات، مع تقسيمات تفصيلية للمناطق السكنية والصناعية ومناطق الحماية، وشبكة طرق تتلاءم مع توسع استخدام السيارات وتربط العاصمة بمحيطها والمدن السورية الأخرى.

حاول مخطط إيكوشار بانشويا التعامل مع معضلتين متعارضتين في الوقت نفسه: تحديث مدينة تتوسع بسرعة، والحفاظ على نواتها التاريخية. وتضمنت التصورات الخاصة بالمدينة القديمة إعادة تنظيم حركة المرور ومواقف السيارات وفتح بعض المحاور، بل واقترحت بعض التصورات هدم مجموعات من المباني السكنية لإنشاء طرق وحدائق عامة، وهي أجزاء لم تنفذ جميعها.

كما أعاد المخطط تنظيم شبكة الحركة عبر طرق ومحاور ومتحلقات جديدة، ما زاد قدرة المدينة على الاتصال والتوسع، لكنه أسهم في الوقت نفسه في تقطيع بعض الأنسجة العمرانية التقليدية وتغيير العلاقة التاريخية بين أجزاء المدينة.

وظهر تأثير المخطط بشكل واضح على المناطق المحيطة بجامعة دمشق، حيث رسم الملامح الحديثة لتنظيم وتخطيط أحياء البرامكة، والمزة، والجمارك، والمالكي، بالإضافة إلى شق المحاور المرورية الكبرى مثل المتحلق الجنوبي وساحة الأمويين.

تقول المهندسة شذا بدّور إن المخطط نجح، في مرحلة أولى، في استيعاب جانب من النمو السكاني وتنظيم توسع المدينة، من خلال شق طرق واسعة وتنظيم ساحات ودوارات وإنشاء تجمعات سكنية منظمة، فضلاً عن توقف جانب من التوسع نحو المناطق الجبلية والأراضي الجافة.

وترى أن هذه التحولات رافقها أيضاً انتقال واضح عن النمط المعماري التقليدي، مع انتشار واجهات وكتل إسمنتية متأثرة بعمارة الحداثة، وصولاً إلى ما تصفه بـ"نقلة صارخة في النمط المعماري الخاص بدمشق"، مشيرة إلى إزالة مكونات تاريخية من محيط المدينة القديمة، من بينها أجزاء من ساروجة وبيوت دمشقية في الميدان والشاغور.

وتشير بدّور إلى أن شبكة الطرق الناتجة عن مخطط إيكوشار - بانوشيا في العام 1968 حسّنت الوصول، لكنها أسهمت أيضاً في تجزئة أحياء تاريخية.

في مقابل ذلك، يقدم خالد الفحام قراءة أكثر نقداً، إذ يرى أن إخضاع دمشق لأنماط التخطيط الحضري الغربي، ولا سيما في مخططي دانجيه وإيكوشار، أضعف بعض المكونات البيئية والثقافية والاجتماعية للنسيج التاريخي، منتقداً بقاء أجزاء واسعة من الامتداد التاريخي للمدينة خارج نطاق الحماية المرتبط بالتراث العالمي.

مدينة تكبر أسرع من مخططاتها
سرعان ما تجاوزت دمشق قدرة المخططات على ضبط نموها، حيث ارتفعت المساحة العمرانية التي تحصيها الدراسة، بين عامي 1968 و2010، من نحو 105 إلى 410 كيلومترات مربعة، بزيادة تقارب 290 %، وامتد البناء غرباً وإلى الغوطة وعلى سفوح قاسيون، التي تحولت تدريجياً من حدود طبيعية للمدينة إلى جزء من كتلتها العمرانية.


ومع النمو السكاني والهجرة إلى العاصمة وأزمة السكن، توسعت المناطق المبنية خارج التخطيط الرسمي، حيث تظهر وثائق الوكالة اليابانية للتعاون الدولي "جايكا"، المنشورة في آذار 2008، وجود نحو 30 منطقة سكن غير منظم في دمشق ومحيطها في منتصف العقد الأول من الألفية، كان يعيش فيها ما يقارب 30 % من السكان، بينما تقدر دراسة "الهوية الحضرية" النسبة بنحو 40 % بحلول عام 2010.

وتربط المهندسة شذا بدّور اتساع مناطق السكن غير المنظم باستمرار النمو السكاني بعد أن أصبحت قدرة المخططات القائمة غير كافية لاستيعاب التوسع وتأمين احتياجات السكن والخدمات والبنية التحتية، مشيرة إلى توسع مناطق مثل مزة 86 وعش الورور والمخيمات، ووصول البناء إلى أجزاء من الغوطة وما رافقه من آثار بيئية ومناخية.

وبالتوازي، انتشرت الأبنية الخرسانية المتعددة الطوابق، وظهرت أنماط عمرانية جديدة في مناطق المزة وكفرسوسة ودمر وبرزة ومناطق أخرى، وتغير خط سماء دمشق، بينما تراجعت المساحات الخضراء واستمر البناء على أجزاء من الغوطة.

ووفق ذلك، أصبحت دمشق تضم أنماطاً متجاورة شديدة الاختلاف: مدينة تاريخية، وأحياء حديثة مخططة من مراحل متعددة، ومناطق سكن عشوائي، وأحياء مرتفعة الكثافة، ومراكز تجارية وإدارية ومشاريع عمرانية كبيرة، من دون مرجعية بصرية وعمرانية واحدة تجمعها.

ولا ترى المهندسة بدّور أنه يمكن اليوم الحديث عن هوية عمرانية واحدة لدمشق، في ظل الاختلاف الكبير بين المدينة القديمة والأحياء المخططة ومناطق السكن غير المنظم والمشاريع الحديثة، لكنها تشير إلى أن بعض العناصر ما تزال تربط أجزاء المدينة، في مقدمتها جبل قاسيون بوصفه خلفية بصرية ثابتة، ونهر بردى، ومحاور الحركة والأسواق والمراكز التجارية والحدائق والأسواق الشعبية.

وتختصر المشهد بالقول إن "الهوية العمرانية لدمشق ليست نمطاً واحداً، وإنما نمط هجين قائم على التناقض والتعايش"، معتبرة أن قدرة السكان على التكيف والتنقل بين هذه البيئات المختلفة أصبحت بدورها أحد عناصر الترابط بينها.


حقبة الأسد: عقود من الإهمال
مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011 والحرب التي شنها نظام الأسد المخلوع، دخلت دمشق مرحلة جديدة من الضغط العمراني، حيث تضررت أجزاء من المدينة ومحيطها، وتعطلت مشاريع وخدمات، وتفاقمت أزمة السكن، وحدثت تحولات سكانية واسعة، بينما انعكست سنوات الإهمال وضعف الصيانة على المباني والواجهات والأرصفة والحدائق والإنارة والفضاءات العامة.

لكن الحرب لم تبدأ أزمة الهوية العمرانية لدمشق، فالمدينة كانت قد دخلت قبل ذلك بعقود مرحلة من التوسع السريع والتجزؤ العمراني وفقدان أجزاء واسعة من محيطها الطبيعي، بالتوازي مع عقود من الإهمال وضعف الإدارة والتخطيط الحضري خلال حكم الأسدين، ما راكم مشكلات السكن والبنية التحتية والفضاءات العامة وترك أجزاء واسعة من المدينة تنمو وتتغير من دون رؤية عمرانية متماسكة.

ولهذا تبدو دمشق اليوم حصيلة جميع هذه الطبقات في وقت واحد: نواة تاريخية شديدة الخصوصية، ومدينة حديثة تشكّلت خلال القرن العشرين، وأحياء ومناطق نشأت خارج التخطيط، ونسيج تضرر أو أهمل خلال سنوات الحرب، بالتزامن مع استعداد العاصمة لموجة جديدة من الاستثمار والبناء وإعادة الإعمار.

ووفق الخلاصة التي تصل إليها دراسة "الهوية الحضرية"، لم يكن التحول من دمشق المتماسكة إلى دمشق المجزأة نتيجة لقرار أو مرحلة واحدة، وإنما حصيلة تراكمات طويلة من التوسع والتحديث والتغير الاجتماعي والعمراني، وهي النتيجة التي تعيد السؤال من البحث عن هوية دمشقية واحدة إلى البحث عن القواعد التي يمكن أن تربط الطبقات المختلفة ضمن مدينة واحدة.

لكن البحث عن هذه القواعد لا يعني، وفق المهندس محمد العويس، رئيس لجنة المشاريع في نقابة المهندسين، العودة إلى نسخ العمارة الدمشقية القديمة، فالحجر أو القوس أو الزخارف التقليدية لا تجعل المبنى دمشقياً بالضرورة، وقد تتحول، بحسب تعبيره، إلى مجرد "قشرة شكلية".

ويرى أن الهوية المعمارية أعمق من ذلك، وترتبط بعلاقة المبنى بالمكان والمناخ والإنسان والشارع والنسيج المحيط به، وأن دمشق تحتاج إلى "عمارة معاصرة وواثقة" تستخدم التكنولوجيا والمواد الحديثة من دون استيراد نماذج جاهزة من مدن أخرى.

ويحدد المهندس العويس المشكلة في غياب العلاقة الواضحة بين المبنى والشارع، والتعامل مع بعض الأبنية باعتبارها قطعاً مستقلة لا أجزاء من مشهد حضري متكامل، إلى جانب التفاوت الكبير في المقاييس والارتفاعات والكتل من دون رؤية عمرانية واضحة.

دمشق التي تُبنى الآن
السؤال عن هوية دمشق العمرانية اليوم لم يعد متعلقاً بما خسرته المدينة خلال العقود الماضية فقط، بل بما يمكن أن تصبح عليه خلال السنوات المقبلة، فالعاصمة ومحيطها يقفان اليوم أمام موجة جديدة من الاستثمار والتطوير العقاري، بدأت تظهر ملامحها في مشاريع عمرانية تمتد على مساحات شاسعة وتضم آلاف الوحدات السكنية والتجارية والفندقية والمرافق والخدمات.

ويقدّم مصممو هذه المشاريع المخططات بوصفها محاولة لبناء مجتمع عمراني متكامل يستجيب لطبيعة الأرض وتضاريسها، ويربط الأبنية بالمساحات العامة والممرات الخضراء والحركة داخل المشروع، بدلاً من فرض نموذج عمراني موحد على الموقع.

لكن أهمية هذه المشاريع بالنسبة إلى دمشق لا تتعلق فقط بعدد المساكن التي ستضيفها أو حجم الاستثمارات التي ستجذبها، بل تفتح سؤالاً يتعلق بشكل المدينة نفسها، ومن يحدد ملامح دمشق التي ستُبنى خلال السنوات العشر المقبلة؟

ومع اتساع مشاريع إعادة الإعمار والتطوير العقاري، لن تتشكل هوية العاصمة المقبلة من قرارات محافظة دمشق المتعلقة بالألوان واللافتات والأثاث الحضري وحدها، وإنما أيضاً من المخططات التنظيمية وأنظمة البناء والارتفاعات والكثافات، وتصميم الشوارع والمساحات العامة، وطبيعة المشاريع التي سيقيمها المستثمرون داخل المدينة وحولها.

وفي هذا السياق، تقول المهندسة المعمارية المتخصصة بالتصميم الحضري، ريم قاسم، إن توحيد الهوية البصرية لدمشق لا يعني فرض نموذج معماري واحد على أحيائها، فلكل منطقة شخصيتها الخاصة، من دمشق القديمة والمهاجرين والشعلان إلى المناطق الحديثة.

وتقترح قاسم إعداد "دليل للأثاث والتصميم الحضري" يحدد قواعد عامة للفضاء العام، من ارتفاع الأرصفة واستمراريتها وملاءمتها للأشخاص ذوي الإعاقة وعربات الأطفال، إلى ممرات المشاة والإنارة وسلال المهملات، مع ترك المجال لكل حي للاحتفاظ بألوانه ومواده وخصائصه المحلية.

وهنا تصبح استعادة الهوية العمرانية للمدينة أكثر من محاولة لإصلاح ما شوهته عقود التوسع غير المنضبط والحرب والإهمال، حيث تواجه دمشق تحدياً آخر يتمثل في منع موجة البناء المقبلة نفسها من إضافة طبقة جديدة من التشوه.

وترى المهندسة قاسم أن جانباً كبيراً من التشوه الذي يراه سكان دمشق يومياً لا ينتج عن قرارات معمارية كبرى فقط، بل عن تراكم تفاصيل صغيرة: أسلاك الكهرباء والاتصالات المكشوفة، ووحدات التكييف الموزعة عشوائياً على الواجهات، وتفاوت الأرصفة، واللوحات الإعلانية التي تحجب الأبنية، وإغلاق الشرفات بمواد وألوان مختلفة؛ وهي عناصر تصف مجموعها بأنها "الفوضى البصرية الحضرية".

وفي مقابل المشاريع الكبرى، تلفت المهندسة قاسم إلى أن تحسين صورة المدينة لا يحتاج دائماً إلى تدخلات مكلفة، وتقترح ما تسميه "الوخز بالإبر الحضرية"، وهو تدخلات صغيرة ومحددة يمكن أن تحدث أثراً أوسع في النسيج الحضري.

ومن الأمثلة التي ذكرتها تنظيم وحدات التكييف على الواجهات، وتوحيد ارتفاع الأرصفة وإزالة العوائق عنها، وتجميع شبكات الأسلاك ضمن مسارات مخصصة، ووضع كود للافتات التجارية وضوابط لإغلاق الشرفات وتغيير النوافذ والمظلات، بحيث يبدأ استعادة الانسجام من التفاصيل اليومية للشارع، بالتوازي مع التخطيط للمشاريع الكبرى.

فالاستثمار العقاري قادر على ترميم المدينة وتطوير بنيتها وتوفير السكن وإعادة الحياة إلى مساحات واسعة منها، لكنه قادر أيضاً، في غياب تصور عمراني جامع، على إنتاج أحياء عقارية منفصلة وأبراج ومجمعات حديثة لا تربطها بالمدينة سوى الجغرافيا.

في المحصلة، لا تحتاج دمشق إلى استعادة شكل سابق للمدينة، ولا إلى فرض طراز معماري واحد على أحيائها المختلفة، بقدر ما تحتاج إلى قواعد واضحة تضبط البناء والتطوير وتحافظ على العلاقة بين المباني والشوارع والفضاءات العامة وخصوصية المكان.

ومع بدء مرحلة جديدة من الاستثمار وإعادة الإعمار، تصبح هذه القواعد أكثر أهمية، لأن المشاريع التي تُخطط اليوم لن تضيف إلى دمشق مباني جديدة فقط، بل طبقة عمرانية جديدة ستصبح جزءاً من الصورة التي سيعرف بها السوريون عاصمتهم بعد عقود.

تلفزيون سوريا 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 
الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس