خلال
الاجتماع، أعاد الصناعيون طرح المطالب ذاتها والمعيقات نفسها التي أنهكت
منشآتهم منذ سنوات؛ ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج- ضعف خدمات الطاقة-
اختناقات تشغيلية- صعوبات في تأمين المواد الأولية- أعباء ضريبية ورسوم
متراكمة- وبيئة عمل طاردة للاستثمار والإنتاج. مطالب باتت معروفة، محفوظة،
ومكررة... لكنها ما زالت بلا حلول.
الأخطر في المشهد أن هذا
الاجتماع لم يكن الأول من نوعه. فقبل ما يقارب العام، عُقد لقاء موسع مع
وزير الاقتصاد، استُمع خلاله لمطالب الصناعيين نفسها، وجرى الحديث آنذاك عن
تفهم حكومي، وتنسيق، ومعالجة، وخطط قادمة. لكن، وبعد مرور عام كامل، يعود
الصناعيون اليوم إلى نقطة الصفر، حاملين الملفات ذاتها، وكأن الزمن لم
يتحرك، وكأن شيئاً لم يُنفذ.
إن تكرار المطالب بعد عام كامل لا يمكن
تفسيره إلا كمؤشر واضح على أن تلك اللقاءات لم تُسفر عن أي إجراء فعلي يخفف
العبء عن الصناعة في حلب. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الاجتماعات
إن لم تُرفق بقرارات تنفيذية، وآليات متابعة، ومحاسبة واضحة لجهات
التقصير.
يأتي كل ذلك في وقت يمر فيه الاقتصاد السوري بحالة هشاشة
غير مسبوقة؛ تراجع القدرة الشرائية- انكماش الأسواق- ضعف الصادرات- وانعدام
الثقة. وفي خضم هذا الواقع القاتم، يُترك القطاع الإنتاجي– الذي يُفترض أن
يكون قاطرة التعافي الاقتصادي– يصارع وحده، بلا دعم حقيقي، وبلا بيئة
تمكنه من الصمود.
فمن غير المنطقي، ولا المقبول، الحديث عن تحسين
الواقع الاقتصادي أو تقوية الليرة أو خلق فرص عمل، بينما الصناعة تُستنزف
يوماً بعد يوم. فكل اقتصاد، في أبسط قواعده، يبدأ من الإنتاج، لا من
الجباية، ولا من الخطابات، ولا من الوعود المؤجلة.
إن ما يجري اليوم في حلب ليس مجرد أزمة صناعيين، بل أزمة خيار اقتصادي. خيار لم يُحسم بعد:
إما دعم الإنتاج الوطني بقرارات شجاعة وسريعة.
أو الاستمرار في الدوران في حلقة الاجتماعات العقيمة، إلى أن يُطفأ ما تبقى من معامل، ويُقضى على ما تبقى من قدرة إنتاجية في البلاد.
الرسالة
التي خرجت من اجتماع غرفة صناعة حلب الأخير واضحة وصادمة: الصناعة ما زالت
تنزف، والصبر يقترب من نهايته، والاقتصاد لا يُبنى بالإنصات فقط... بل
بالفعل.
قاسيون
