قصف اقتصاد منهار: لبنان تحت ضغط الحرب والأزمات المركبة
07/03/2026



قصف اقتصاد منهار: لبنان تحت ضغط الحرب والأزمات المركبة

سيرياستيبس

يتعرض اللبنانيون للتهجير والقصف الإسرائيلي فيما اقتصادهم لا يزال يرزح تحت أسوأ أزمة في تاريخ البلاد. وفيما تتوالى الصواريخ وتهبط الأبنية ويواجه الآلاف موجة نزوح جديدة من بيوتهم، تواجه الأسواق هشاشة عميقة وأزمات مركبة تتقاطع فيها استمرارية الأزمة النقدية وارتفاع التضخم وتصاعد البطالة وضعف الاستثمارات.

وفي ظل تمدد الحرب إلى جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، ومع ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالمياً، يتعرض لبنان لتحديات إضافية تنعكس على الأسعار والقدرة الشرائية. وتأتي هذه التطورات في وقت لم ينجح فيه الاقتصاد بعد في تحقيق تعافٍ حقيقي أو الوصول إلى مرحلة الاستقرار، رغم التغيير الحكومي.

ولا تزال معدلات الفقر مرتفعة، والقدرة الشرائية للمواطنين ضعيفة، بينما تعتمد قطاعات واسعة من الاقتصاد على عوامل خارجية مثل التحويلات المالية من المغتربين وحركة السياحة الموسمية. كما أن النزوح الداخلي الذي شهدته البلاد، أدى إلى تغيرات في حركة الأسواق وارتفاع الطلب على السلع، فضلاً عن الضغط على سلاسل التوريد.

وقالت المواطنة اللبنانية أم محمد - فضلت عدم ذكر اسمها - لـ"العربي الجديد"، التي نزحت من إحدى القرى الحدودية إلى بيروت: "منذ أن اضطررنا إلى النزوح تغيّرت حياتنا بالكامل. لم يكن الأمر مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل انتقال إلى واقع مختلف تماماً من حيث تكاليف المعيشة وضغوط الحياة اليومية. الأسعار في المناطق التي لجأنا إليها مرتفعة جداً مقارنة بما كنا نعيشه سابقاً في قريتنا، حيث كانت الحياة أبسط وكلفة المعيشة أقل بكثير".

وأضافت أن "إيجار المنزل تضاعف تقريباً، واضطررنا إلى استئجار شقة صغيرة لا تكاد تتسع لنا. حتى المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز والخضار والحليب أصبحت تكلفنا أكثر بكثير مما اعتدنا عليه. كل زيارة إلى السوبرماركت أو إلى متجر الحي أصبحت تشكل عبئاً إضافياً على ميزانية العائلة، خصوصاً أننا فقدنا مصادر دخلنا المعتادة بعد النزوح".

وقال الخبير الاقتصادي وعضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان، أنيس أبو دياب لـ"العربي الجديد"، إنه في الواقع لم يصل لبنان بعد إلى مرحلة الاستقرار الاقتصادي، ومن ثم لن تؤثر الحرب بشكل كبير على اقتصاد غير مستقر؛ لأن الوضع أساساً ما زال هشاً. وأضاف أنه على الرغم من أن الحكومة كانت قبل الحرب تحاول اتخاذ بعض القرارات التي قد تساعد الاقتصاد، لكن مستويات الفقر لا تزال مرتفعة. كما أن حالة ارتفاع الأسعار كانت موجودة قبل الحرب، وجاءت هذه الحرب لتؤدي إلى زيادة إضافية في الأسعار وارتفاع في الطلب على المحروقات والمواد الغذائية. إلا أنه في المرحلة المقبلة قد نشهد انكماشاً في الأسواق؛ حيث سيتأثر السوق بفعل الحرب، كما أن الأسعار ترتفع أيضاً بسبب اعتماد لبنان على استيراد نحو 80% من السلع.

وأضاف أن هذا السيناريو بدأ فعلياً منذ أكثر من عام مع نزوح نحو مليون و200 ألف لبناني. واليوم تتجدد حركة النزوح، مما يؤدي إلى تهافت شديد على بعض السلع في مناطق معينة، خاصة أننا في مرحلة الصيام؛ حيث يزداد الطلب على بعض السلع من قبل النازحين، في حين أن هناك مناطق خلت من السكان، مما أدى إلى تأثر الأسواق فيها. كما أن حركة النزوح خلقت صعوبات في سلاسل التوريد نتيجة الكثافة السكانية في بعض المناطق منذ بدء الحرب، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى المحلات التجارية والأسواق.

أما في ما يخص الخطر التضخمي، فقال أبو دياب إن التضخم لم يعد مجرد توقع، بل أصبح واقعاً. وأوضح أن ارتفاع سعر برميل النفط بنحو 13 دولاراً قد يعني ارتفاعاً تضخمياً عالمياً بنحو 1%، وهذا سينعكس على لبنان وعلى أسعار مختلف السلع. وأضاف أن لبنان بدأ يشعر بموجة التضخم منذ فبراير/شباط بسبب ارتفاع أسعار البنزين، وأن التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى تضخم بين 3% و5% قد تصبح أعلى بكثير، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية واتساع حالات الفقر والبطالة.

وأشار إلى أنه في حال استمرار المواجهة لفترة طويلة، فإن الأسواق ستدخل في أزمة قاسية، مع الإشارة إلى أن المواد الغذائية تبقى لها خصوصية مختلفة. لكنه لفت إلى أن الأسواق كانت تهيئ نفسها لموسم الأعياد، الأمر الذي يؤدي إلى خسائر كبيرة للتجار بعد بدء الحرب، خصوصاً في قطاعات الحلويات والملابس التي تشهد تراجعاً في الطلب. كما أن القطاع السياحي يتأثر بشكل كبير، رغم أنه كان يعول على تحقيق نمو. وأضاف أن الحرب في الخليج تنعكس أيضاً على لبنان، خاصة أن الاقتصاد المحلي يعتمد إلى حد كبير على المغتربين اللبنانيين في دول الخليج.

وفي المقابل، أعرب أبو دياب عن أمله في ألا يحدث أي تطور نقدي سلبي، وقال إن المواطنين في لبنان، إلى جانب مختلف القطاعات الاقتصادية، يأملون ألا تطول الحرب الحالية، خصوصاً أن الحرب في 2023 كلفت لبنان نحو 14 مليار دولار. وأضاف أن البلاد تعيش أصلاً أزمة اقتصادية عميقة، في وقت كانت تسعى فيه الدولة للحصول على دعم للجيش والاقتصاد والعمل على استقطاب المستثمرين. كما كانت الحكومة تحاول بجدية إعادة النظر في بعض القوانين لتشجيع الاقتصاد والاستثمار، لكن في ظل الأوضاع الحالية أصبح الأمن الاقتصادي هشاً، فيما يواجه لبنان خسائر إضافية بسبب الاستهدافات.

العربي الجديد



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=204763

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc