هل لا تزال فرنسا "حاملة القلم" في مصير لبنان؟
15/03/2026
سيرياستيبس
في ظل التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط واتساع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتزايد المخاوف من تحول لبنان إلى جبهة رئيسة جديدة في هذا النزاع الإقليمي. ومع امتداد التوترات إلى الساحة اللبنانية منذ الثاني من مارس (آذار) الجاري، تتكثف التحركات الدبلوماسية الدولية، لا سيما الفرنسية، في محاولة لاحتواء التصعيد والحفاظ على استقرار لبنان وسيادته. وذلك ضمن رؤية فرنسية تعد أن دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز قدراتها يمثلان المدخل الأساس لحماية البلاد ومنع انزلاقها إلى مواجهة أوسع.
في الثاني من مارس شنت إسرائيل هجوماً جديداً على لبنان، تمثل في غارات جوية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب وشرق البلاد. وجاءت هذه الضربات عقب هجوم نفذه "حزب الله" استهدف موقعاً عسكرياً في شمال إسرائيل، وذلك في سياق التصعيد المتبادل بين الطرفين على خلفية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي واستمرار الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
داخل الـ"يونيفيل"
يقول المتخصص في مجال القانون الدولي مجيد بودن، إن لبنان سيبقى دولة يجب حماية أراضيها وسيادتها السياسية، مؤكداً أن المجتمع الدولي يعمل على دعم الاستقرار في البلاد. فقوات "اليونيفيل" التابعة للأمم المتحدة الموجودة في جنوب لبنان هي قوات سلام تسهر على تطبيق قرارات الأمم المتحدة، وعلى رأسها القرار 1701 الذي ينص على وقف الأعمال العدائية وتنظيم الوضع الأمني في الجنوب.
وأضاف بودن أن مهمة هذه القوات تتمثل في المساعدة على منع وجود سلاح غير شرعي في جنوب لبنان، وكذلك العمل على منع أي تصعيد عسكري يمكن أن يؤدي إلى مواجهة جديدة بين الأطراف. مشيراً إلى أن هذه القوات تعمل أيضاً على منع أي اعتداء على الأراضي اللبنانية أو استهداف المناطق المدنية مثل الضاحية الجنوبية لبيروت أو مناطق الشمال اللبناني.
وحول وجودها داخل قوة "اليونيفيل"، أوضح أن فرنسا تشكل أحد الأعمدة الرئيسة لهذه القوة الدولية، وتسهم بإمكاناتها العسكرية واللوجيستية في الحفاظ على الاستقرار ومنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.
وأوضح بودن أن التصعيد العسكري في الفترة الأخيرة أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، مشيراً إلى أن الأعداد وصلت إلى مئات القتلى والجرحى، وهو ما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. فاستهداف المدنيين أو البنية التحتية المدنية قد يُصنف ضمن جرائم الحرب التي يجرمها القانون الدولي.
وأضاف أن فرنسا تقدم مساعدات إنسانية للبنان في إطار القانون الدولي الإنساني، وتشمل هذه المساعدات إغاثة المصابين والنازحين والمتضررين من القصف، فضلاً عن تقديم الدعم الطبي والإنساني للمناطق المتضررة.
وقال بودن أيضاً إن فرنسا تدافع عن لبنان في مجلس الأمن الدولي، مؤكداً تمسكها بعدم المساس بسيادته ووحدة أراضيه. فباريس تمتلك علاقات سياسية مهمة داخل لبنان، سواء مع رئيس الجمهورية أو الحكومة أو رئيس البرلمان، إضافة إلى تواصلها مع مختلف القوى السياسية اللبنانية.
وأضاف أن الهدف من هذه الاتصالات هو مساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وأن يكون السلاح محصوراً بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية فقط، بما يسمح للبنان باتخاذ قرارات الحرب والسلم بشكل سيادي.
كما أوضح بودن أن فرنسا تدعو إلى منع انجرار لبنان إلى أي صراع إقليمي، خصوصاً في ظل التوترات القائمة في المنطقة، لأن أي تصعيد قد يؤدي إلى ردود فعل عسكرية تؤثر بشكل مباشر على المدنيين اللبنانيين.
وأكد أن الحل الذي تدعمه فرنسا يقوم على توازن سياسي وأمني، بحيث يتحول أي حزب سياسي إلى العمل ضمن الإطار السياسي فقط، بينما تبقى الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح والدفاع عن البلاد.
في المقابل، يشدد بودن على ضرورة توقف إسرائيل عن استهداف الأراضي اللبنانية والمنشآت المدنية، مؤكداً أن القانون الدولي لا يعترف بما يسمى "الأضرار الجانبية"، وأن جميع الضحايا المدنيين يجب حمايتهم وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي ختام حديثه، قال إن فرنسا مستمرة في دعم لبنان اقتصادياً وأمنياً، سواء عبر المساعدة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة أو عبر دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وإعادة هيكلتها على أساس دولة القانون والمؤسسات. مؤكداً أن باريس تعمل مع مختلف القوى اللبنانية لمساعدة لبنان على تجاوز أزماته وبناء دولة قوية تحترم سيادة القانون وحقوق المواطنين وتحافظ على سيادة لبنان واستقراره.
في أتون الحرب
الباحث في الشأن السياسي نبيل شوفان، يقول إنه منذ اندلاع الحرب بات لبنان ساحة جديدة لها، حيث أدى قصف "حزب الله" على إسرائيل والرد الإسرائيلي العنيف على مختلف مناطق لبنان إلى موجات نزوح واسعة واضطراب أمني كبير على الحدود الجنوبية مع إسرائيل وحتى الشرقية مع سوريا، كما أسفرت الضربات الإسرائيلية حتى الآن عن مئات القتلى ونزوح مئات آلاف المدنيين اللبنانيين منذ مطلع مارس. وفي هذا السياق، كثف إيمانويل ماكرون دعواته إلى خفض التصعيد، وحث إسرائيل على تجنب أية عملية برية واسعة في لبنان، كما دعا "حزب الله" إلى وقف هجماته، بهدف منع تحول البلاد إلى جبهة رئيسة جديدة في النزاع الإقليمي.
ترى الدبلوماسية الفرنسية، وفق شوفان، أن "امتداد الحرب إلى لبنان واستمرار حال التصعيد سيشكل منعطفاً استراتيجياً ذا تداعيات دولية وعلى لبنان نفسه. طبعاً أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا تقوم حالياً بإرسال 60 طناً من المساعدات الطارئة إلى مئات الآلاف من النازحين في لبنان، إضافة إلى الجهود التي تُبذل بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية على الأرض. وكلام ماكرون كان واضحاً جداً حين قال إن احترام القانون الدولي يعني حماية السكان المدنيين، وإن أوضاع مئات الآلاف من النازحين في لبنان تثير قلقاً بالغاً، وأضاف أن على "حزب الله" وقف هجماته من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل وتسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني، ودعا إسرائيل إلى احترام السيادة اللبنانية والتحلي بضبط النفس، مؤكداً أن الإسرائيليين واللبنانيين يتمتعون بالحق نفسه في العيش بسلام وأمن.
وأشار شوفان إلى أن هذا هو السبب وراء التزام القوات الفرنسية المستمر ضمن قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) منذ عام 1978، وختم بالقول "فرنسا دولة موثوقة ووفية لأصدقائها".
وكان وزير الخارجية الفرنسي جان‑نويل بارو، أوضح أن المساعدات تمثل "ثلاثة أضعاف" حجم الدعم الإنساني الفرنسي للبنان، وأشار إلى أن باريس ستزود القوات المسلحة اللبنانية بـ"عشرات" المدرعات، مؤكداً أن فرنسا تعد الجيش اللبناني الجهة الوحيدة الشرعية المخولة ضمان أمن لبنان.
وفي الوقت الذي تسعى الحكومة اللبنانية إلى الحل السلمي والدبلوماسي، مع حماية سيادة الدولة على كامل الأراضي، يبقى مستقبل الاستقرار في لبنان مرتبطاً بقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على منع تحول أراضيه إلى ساحة مواجهة مفتوحة. ومع استمرار التوترات وتداخل الحسابات الجيوسياسية، يظل السؤال المطروح: هل تنجح الجهود الدبلوماسية في إبقاء لبنان خارج أتون الحرب الإقليمية، أم إن توازناته الهشة ستجعله الحلقة الأضعف في صراع يتسع يوماً بعد يوم؟
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=199&id=204886