معادلة السعر والاستقرار تعيد رسم اتجاهات الحرب
23/03/2026
سيرياستيبس
كتب الاعلامي غالب درويش
شغلت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب العالم وبنحو "مفاجئ" إجراء محادثات "مثمرة" مع إيران في وقت تراجعت فيه أسعار النفط بحدة في الأسواق، وهي موجة تحركات لا أحد يعرف تجاهها، فبينما خسر النفط مكاسبه، قفزت الأسهم والعملات المشفرة، في مؤشر واضح إلى تبدد المخاوف من تصعيد عسكري وشيك في الشرق الأوسط.
ونقلت وكالات الأنباء تغريدة لترمب على حسابه بموقع "تروث سوشيال" أنه وبناءً على "فحوى ونبرة" هذه المحادثات التي ستستمر طوال الأسبوع، وجه وزارة الحرب بتأجيل أي ضربات عسكرية تستهدف محطات الطاقة والبنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، مشيراً إلى أن القرار مرهون بنجاح الاجتماعات الجارية.
في المقابل، شككت التصريحات الصادرة من إيران في صدق ما كتبه ترمب، إذ نقلت وكالة "تسنيم" عن وزارة الخارجية أن طهران "متمسكة بموقفها الرافض لأي نوع من المفاوضات قبل تحقيق أهدافها من الحرب". وكانت الخطوة الأميركية بالسماح بتصريف كميات من النفط الإيراني تعد تطوراً لافتاً ومفاجئاً في إدارة تدفقات الطاقة العالمية، في وقت تواجه فيه الأسواق ضغوطاً متزايدة على الأسعار وتحديات في الإمدادات.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن هذه الكميات لا ترتبط بإنتاج جديد، بل بمخزونات قائمة كانت خاضعة لقيود سابقة، مع استمرار الضوابط المالية التي تنظم الاستفادة من عائداتها.
ويأتي هذا التحرك في سياق تدفقات نفطية لم تنقطع عن الأسواق، خصوصاً في آسيا، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذه الخطوة وهل تمثل إعادة تنظيم لمسارات قائمة، أم تمهيداً لتحولات أوسع في سوق النفط العالمية؟
140 مليون برميل
تشير التقديرات إلى أن الكمية المشمولة بالترخيص، والبالغة نحو 140 مليون برميل، تمثل حجماً محدود التأثير قياساً بحجم الطلب العالمي الذي يتجاوز 105 ملايين برميل يومياً، مما يضعها في إطار تدخل قصير الأمد يهدف إلى تهدئة السوق أكثر من إحداث تغيير هيكلي في معادلة العرض والطلب.
ويأتي ذلك في ظل تحرك الأسعار قرب مستويات 100 دولار للبرميل، وما يرافق ذلك من ضغوط تضخمية تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي.
استئناف شراء النفط الإيراني
في سياق متصل، قال متعاملون إن المصافي الهندية تتجه لاستئناف شراء النفط الإيراني، في وقت تدرس فيه شركات تكرير في أنحاء أخرى من آسيا اتخاذ خطوات مماثلة، وذلك عقب قرار واشنطن رفع العقوبات بصورة موقتة، في مسعى إلى احتواء تداعيات أزمة الطاقة الناتجة من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما فرضته من ضغوط متزايدة على الإمدادات والأسعار.
معادلة "السعر والاستقرار"
أفاد متخصصون لـ"اندبندنت عربية" أن الخطوة الأميركية تعكس انتقال الأولوية من الاعتبارات السياسية إلى متطلبات استقرار السوق، إذ باتت معادلة "السعر والاستقرار" تتقدم على أدوات الضغط التقليدية.
وأشاروا إلى أن السماح بتصريف شحنات عالقة يمثل زيادة فورية في المعروض تهدف إلى تقليص وتيرة ارتفاع الأسعار، وليس كبحها بصورة كاملة، في ظل حساسية الأسواق لأي نقص إضافي في الإمدادات.
وأكد المتخصصون أن هذا التحرك لا يمكن قراءته كمكافأة سياسية لإيران، بل كإجراء براغماتي يستهدف احتواء اختلالات سوق تعاني ضغوطاً واضحة، إذ لم تفتح واشنطن باب التعاقدات الجديدة، ولم تمنح شرعية كاملة للصادرات الإيرانية، بل سمحت بتحريك كميات محاصرة، مع إبقاء القيود المالية قائمة، مما يجعل الاستفادة الإيرانية من العوائد محدودة ومعقدة.
في السياق ذاته، لفت المتخصصون إلى أن القرار يحمل بعداً تنظيمياً يتمثل في "تقنين" تدفقات كانت تمضي عبر قنوات غير رسمية، خصوصاً نحو الصين، التي استحوذت على الحصة الكبرى من النفط الإيراني خلال الأعوام الماضية، مع توجه لإعادة توزيع هذه التدفقات وفتح المجال أمام أسواق آسيوية أخرى، مثل الهند وكوريا الجنوبية واليابان، ضمن إطار أكثر شفافية وتنظيماً.
إفراج موقت
من جانبه قال الرئيس التنفيذي لمركز "كوروم للدراسات الاستراتيجية" طارق الرفاعي، إن الخطوة الأميركية لا تمثل فتحاً شاملاً أمام سوق النفط الإيرانية، موضحاً أن الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة يقتصر على النفط الخام والمنتجات البترولية المحملة بالفعل على الناقلات حتى الـ20 من مارس (آذار) الجاري، على أن تنتهي صلاحيته في الـ19 من أبريل (نيسان) المقبل.
وأشار الرفاعي إلى أن ما جرى يعد إفراجاً موقتاً عن براميل عالقة، وليس ترخيصاً لإنتاج جديد أو تطبيعاً كاملاً للتجارة، لافتاً إلى أن هذه الكميات ستدر عائدات محدودة، في ظل استمرار القيود المالية التي تحد من وصول إيران إلى قنوات الدفع بصورة كاملة.
وأضاف طارق الرفاعي أن إيران لم تتوقف فعلياً عن بيع النفط، إذ استمرت الصادرات، خصوصاً إلى الصين، عبر قنوات التفافية، مما يجعل التحرك الأميركي أقرب إلى إعادة تنظيم هذه التدفقات بدلاً من إضفاء شرعية كاملة عليها، مع توسيع قاعدة المشترين، لا سيما في آسيا، لتخفيف حدة أي صدمة محتملة في الإمدادات.
وأوضح الرفاعي أن الهدف الأكثر وضوحاً يتمثل في كبح الأسعار، مشيراً إلى ارتباط القرار باستقرار الأسواق بعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تسريع وصول الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية، بما يعكس استعداداً لقبول قدر من التناقض في السياسة مقابل الحد من ارتفاع الأسعار.
ولفت إلى أن الرسالة الجيوسياسية الأساسية موجهة إلى آسيا، وفي مقدمها الصين، باعتبارها المستورد الأكبر للنفط الإيراني، إلى جانب الهند، فيما تبقى أوروبا خارج هذا المسار في ظل استمرار الحظر وعدم وجود مؤشرات إلى تغييره.
وأكد أن ما يجري لا يعكس تحولاً داعماً لإيران، بقدر ما يمثل إجراء طارئاً لإدارة الأسعار، عبر الإفراج الموقت عن براميل عالقة لتهدئة السوق، على رغم ما ينطوي عليه ذلك من مفارقة سياسية.
الغموض سيد الموقف
من جهته، يرى المتخصص في الشؤون النفطية كامل الحرمي أن الغموض لا يزال سيد الموقف، إذ إن تفاصيل هذا الترخيص لا تزال غير واضحة، سواء على مستوى آليات التنفيذ أو الجهات المستفيدة.
وأشار الحرمي إلى أن التأثير الأبرز قد يتركز في أسواق شرق آسيا، بما يسهم في تهدئة الأسعار بصورة موقتة، من دون أن يعكس تحولاً جذرياً في بنية السوق.
حال اختناق
بدوره أوضح المتخصص في قطاع الطاقة عامر الشوبكي أن الخطوة الأميركية تأتي في سياق محاولة إنقاذ سوق تعاني حال "اختناق" نتيجة التوترات واضطرابات الإمدادات، مشيراً إلى أن ضخ كميات محاصرة يستهدف تخفيف حدة الارتفاعات التي باتت تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، خصوصاً مع اقتراب الأسعار من مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل.
وأضاف الشوبكي أن التحرك يعكس تحولاً في طبيعة المواجهة داخل سوق الطاقة، إذ أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمعادلة السعر والتضخم، مؤكداً أن الإجراء يمثل "تنفيساً موقتاً" للسوق وليس بداية لانفتاح جديد على النفط الإيراني.
استجابة قصيرة
من جانبه يرى المتخصص في قطاع النفط والغاز محمد المبيضين أن التحركات الحالية تمثل استجابة قصيرة الأجل لاحتواء التقلبات، في ظل تصاعد الأخطار المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة.
وأشار إلى أن الدول تلجأ إلى استخدام مخزوناتها الاستراتيجية، إلى جانب تخفيف القيود عن بعض الإمدادات، لضمان توافر المعروض وتهدئة الأسواق، مؤكداً أن أولوية تأمين حاجات المستهلك، خصوصاً في الولايات المتحدة، تؤدي دوراً محورياً في هذه القرارات.
ولفت إلى أن هذه الإجراءات لن يكون لها أثر طويل الأمد، بل تندرج ضمن أدوات إدارة الأزمات التي تهدف إلى احتواء الضغوط من دون إعادة تشكيل السوق بصورة جذرية.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=204955