برميل النفط بـ200 دولار... سيناريو واقعي أم مبالغة الأسواق؟
30/03/2026





سيرياستيبس 
كتب الاعلامي غالب درويش 

في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد على أبواب مضيق هرمز، يعود الحديث عن سيناريو وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل إلى واجهة الأسواق العالمية، لا باعتباره توقعاً مباشراً بقدر ما هو انعكاس لمستوى القلق المتصاعد من تحول التوترات في الشرق الأوسط إلى أزمة طاقة ممتدة تعيد تشكيل توازن السوق العالمية من جذوره، إذ لم تعد المسألة مرتبطة فقط بتقلبات الأسعار، بل بقدرة النظام النفطي العالمي على امتصاص صدمات مركبة ومتداخلة.

هذا القلق تغذيه التطورات المرتبطة بالمضيق، الذي لم يعد مجرد ممر جغرافي، بل تحول إلى نقطة اختبار يومية لحركة الطاقة العالمية، بعدما انتقلت الأخطار من مستوى التهديد النظري إلى مؤشرات فعلية تمس حركة الشحن، ومع كل حادثة استهداف أو تعطّل ترتفع علاوة الأخطار تدريجاً، مما يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير الأخطار قبل تحققها الكامل.

وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد السؤال داخل دوائر القرار ما إذا كانت الأسعار سترتفع، بل إلى أي مستوى يمكن أن تصل إليه في حال فقدت السوق جزءاً مؤثراً من الإمدادات، خصوصاً أن أي اضطراب في المضيق ينعكس فوراً على النفط والتأمين والشحن، مما يخلق حلقة ضغط متشابكة تتسارع فيها الكلفة عبر سلاسل الإمداد.

هنا تحديداً يتحول سيناريو 200 دولار من مجرد رقم افتراضي إلى أداة اختبار لصلابة الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ظل بيئة تضخمية لم تستقر بعد، وسلاسل إمداد لا تزال تعاني آثار اضطرابات الأعوام الماضية، مما يجعل أي صدمة جديدة أكثر تأثيراً وأسرع انتقالاً.

قلق مركب
خلال الأسبوع الماضي المنتهي في 27 مارس (آذار) الجاري، عكست حركة الأسعار هذه الحالة من القلق المركب، إذ أغلق خام "برنت" قرب 112 دولاراً للبرميل، بعد أن لامس نحو 119 دولاراً في ذروة التصعيد، بينما ظل متماسكاً فوق حاجز 100 دولار، في إشارة إلى أن السوق لم تعد تتحرك وفق أساسيات العرض والطلب فقط، بل وفق مستوى الأخطار الجيوسياسية.

وأظهرت البيانات أن الأسعار حققت في الأسبوع السابق مكاسب تجاوزت ثمانية في المئة، في واحدة من أسرع موجات الصعود، وهو ما يعكس انتقال السوق من رد الفعل إلى الاستباق، إذ تتحرك الأسعار على أساس التوقعات وليس الأحداث فقط.

وفي قلب هذه المعادلة يبقى مضيق هرمز نقطة الاختناق الأهم، إذ يمر عبره ما بين 15 و20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 20 في المئة من الإمدادات العالمية، مما يجعل أي تعطّل ممتد كفيلاً بإحداث خلل هيكلي في السوق يصعب تعويضه بسهولة.

إدارة ترمب تدرس التأثير
نقلت وكالة "بلومبيرغ"، عن مصادر مطلعة قولها إن مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرسون سيناريو ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تصل إلى 200 دولار للبرميل، وما قد يعنيه ذلك للاقتصاد، في إشارة إلى أن كبار المسؤولين يقيّمون التداعيات المحتملة لسيناريوهات متطرفة مرتبطة بالحرب مع إيران.

وقالت المصادر، إن نمذجة مدى الأضرار التي قد يسببها ارتفاع أكبر في أسعار النفط لآفاق النمو تُعد جزءاً من التقييمات الدورية خلال فترات الضغوط، ولا تمثل توقعاً.

وأضافوا أن هذا الجهد يهدف إلى ضمان استعداد الإدارة لجميع الاحتمالات، بما في ذلك استمرار الصراع لفترة طويلة.

وأشارت المصادر إلى أن وزير الخزانة سكوت بيسنت أعرب عن قلقه، حتى قبل اندلاع الحرب، من أن يؤدي الصراع إلى ارتفاع أسعار النفط، وإلحاق الضرر بالنمو الاقتصادي. ونقل بعضهم أن مسؤولين في وزارة الخزانة عبّروا للبيت الأبيض عن مخاوف بشأن تقلبات أسعار النفط والبنزين على مدى أسابيع.

لكن المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي وصف هذه الرواية بأنها "غير صحيحة"، قائلاً "في حين تقييم الإدارة دائماً سيناريوهات مختلفة للأسعار والتأثيرات الاقتصادية، فإن المسؤولين لا يدرسون احتمال وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل".

انقطاع حاد
في قراءة أكثر عمقاً لطبيعة هذا السيناريو، قال متخصصون في قطاع النفط والغاز لـ"اندبندنت عربية"، إن وصول الأسعار إلى 200 دولار للبرميل لا يرتبط بمجرد تصاعد التوترات، بل يتطلب حدوث انقطاع حاد ومباشر ومستدام في الإمدادات الفعلية، بما يؤدي إلى سحب كميات كبيرة من السوق العالمية خلال فترة زمنية قصيرة.

وأوضحوا أن هذا المستوى السعري لا يتحقق إلا في ظل سيناريوهات قصوى، تشمل إغلاق مضيق هرمز لفترة ممتدة، أو تعرضه لأضرار عسكرية جسيمة، أو استهداف واسع للبنية التحتية للطاقة في الخليج، أو تحول الصراع إلى نزاع متعدد الأطراف يعطل الممرات الحيوية.

وأشاروا إلى أن أهمية هذه السيناريوهات تنبع من الطبيعة الحساسة لممرات الطاقة، إذ يمر عبر مضيق هرمز وحده نحو 20 في المئة من استهلاك النفط العالمي، مما يجعله نقطة اختناق رئيسة، ومن ثم فإن أي تعطيل طويل الأمد قد يدفع الأسواق إلى مرحلة شح فعلي تتسارع خلالها وتيرة استنزاف المخزونات في ظل محدودية البدائل.

وقدّر المتخصصون، أن بلوغ مستوى 200 دولار يتطلب خروج ما بين 10 و20 مليون برميل يومياً من السوق بشكل مفاجئ، وهو ما يمثل صدمة عرض واسعة النطاق تعيد تشكيل توازنات السوق بالكامل.

أسعار قياسية
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لمركز "كوروم للدراسات الاستراتيجية" طارق الرفاعي، إن الأسعار القياسية لا تُبنى على المخاوف وحدها، بل على نقص فعلي في الإمدادات يمكن قياسه، مشيراً إلى أن أقرب نموذج تاريخي يعود إلى صدمة أواخر السبعينيات، حين تضاعفت الأسعار نتيجة تراجع الإنتاج بشكل حاد.

وفي ما يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على احتواء هذه الارتفاعات، أوضح الرفاعي أن واشنطن تمتلك أدوات تدخل تشمل السحب من الاحتياط الاستراتيجي، وممارسة ضغوط على المنتجين، إضافة إلى تعزيز الإنتاج المحلي، إلا أن تأثير هذه الإجراءات يظل محدوداً في حال حدوث نقص كبير ومستدام، إذ تتحول ديناميكيات السوق إلى التركيز على حجم الفجوة الفعلية في الإمدادات.

تسعير الحرب
في السياق نفسه، يرى المتخصص في الشأن النفطي عامر الشوبكي أن مستوى 200 دولار يعكس ما يمكن وصفه بـ"سعر حرب كبرى"، يرتبط بحدوث شلل حقيقي في سلاسل الإمداد العالمية، سواء عبر مضيق هرمز أو باب المندب أو استهداف منشآت التصدير، وهو ما يؤدي إلى تسارع فقدان المخزونات وارتفاع كلفة الشحن والتأمين وانتقال التأثير إلى مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي.


وأضاف الشوبكي، أن الإدارة الأميركية، على رغم امتلاكها مخزوناً استراتيجياً ضخماً، لا تستطيع تعويض فقدان طويل الأمد بحجم ملايين البراميل يومياً، مما يجعلها أدوات لامتصاص الصدمات قصيرة الأجل فقط.

سيناريو مستبعد في الوقت الراهن
اعتبر المتخصص في مجال النفط والغاز محمد المبيضين أن سيناريو 200 دولار يظل مستبعداً في الوقت الراهن، موضحاً أن تحقق مثل هذا الارتفاع يتطلب انقطاع كميات ضخمة من الإنتاج العالمي بشكل مفاجئ، وهو ما يصعب حدوثه من دون تحول الصراع إلى أزمة شاملة.

وأكد أن الارتفاعات الكبيرة في الأسعار تقابلها تراجعات في الطلب، إذ يؤدي تجاوز مستويات مرتفعة إلى تقليص الاستهلاك العالمي بشكل واضح، مما يحد من استدامة الأسعار عند هذه المستويات.

توقعات البنوك والمؤسسات العالمية
في هذا الإطار، تشير تقديرات مجموعة "ماكواري" إلى أن وصول النفط إلى 200 دولار يرتبط بطول أمد الأزمة، مع احتمال يصل إلى نحو 40 في المئة بحال استمرار القيود على مضيق هرمز حتى منتصف العام.

ويرى بنك "جيه بي مورغان" أن فقدان ما بين 3 و5 ملايين برميل يومياً قد يدفع الأسعار نحو هذه المستويات، بينما تشير "غولدمان ساكس" إلى أن السوق تدخل في هذه الحالات مرحلة تسعير الذعر.

أما وكالة الطاقة الدولية فتؤكد أن أي تعطل واسع سيخلق فجوة يصعب تعويضها، نظراً لضخامة الإمدادات المارة وتعقيد سلاسل التوريد.

في المحصلة، لا يعكس سيناريو 200 دولار واقعاً وشيكاً بقدر ما يعكس هشاشة التوازن في سوق الطاقة، إذ يتحول النفط تدريجياً من سلعة تُسعّر وفق العرض والطلب إلى عنصر يتأثر بعمق بالتوترات الجيوسياسية.

وعند هذه النقطة، لا يصبح السؤال ما إذا كان النفط سيصل إلى 200 دولار، بل إلى أي مستوى يجب أن ترتفع الأسعار حتى تعيد التوازن عبر خفض الطلب قسرياً، وهي المعادلة التي تراقبها الأسواق اليوم بين احتواء سياسي قد يعيد الاستقرار، وتصعيد ميداني قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ الطاقة العالمي.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=205051

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc