تراجع الليرة السورية يفرض تقليص فاتورة الاستيراد الباهظة وإحياء القطاع الزراعي
08/04/2026
سيرياستيبس
خسرت الليرة السورية خلال أقل من شهرين قرابة 6 في المئة من قيمتها، فقد ارتفع سعر الدولار في السوق السوداء خلال هذه الفترة من 117 إلى 125 ليرة، ما يؤشر على مسار تراجع
تدريجي بدأ عشية الحرب بين كل من واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى.
لكن الحرب في الإقليم لا تمثل السبب الوحيد لتراجع الليرة، حيث تفيد الأرقام المتاحة مثل الفاتورة الهائلة للاستيراد بوجود شح للقطع الأجنبي في السوق، وسط جمود نسب الناتج المحلي بسبب تدهور التصنيع والقطاع الزراعي.
وانعكس تراجع الليرة على أسعار السلع، خاصة مع تزايد الفجوة بين سعري الدولار الرسمي والعائم والتي تقارب 13 في المئة، وهذه الفجوة تُترجم فوراً إلى ارتفاع في الأسعار.
احتياطات القطع الأجنبي شحيحة
ويعزو الخبير الاقتصادي محمد علبي خلال حديثه السبب الأساسي لتراجع الليرة إلى اختلال التوازن، فسوريا اليوم تمتلك احتياطيات نقدية شحيحة جداً من القطع الأجنبي، ولا شفافية بشأنها، بعدما كانت تقارب 18.5 مليار دولار قبل الثورة، في حين تراجعت الصادرات من نحو 18.4 مليار دولار عام 2010 إلى نحو 1.8 مليار فقط، أي أن مصادر القطع الأجنبي ضئيلة إلى حد لا يُذكر.
في المقابل، يشير علبي إلى أن الحاجة إلى الاستيراد مرتفعة جداً، فتعتمد البلاد على استيراد الطاقة (الغاز بشكل رئيسي)، إضافة إلى استيراد القمح والحبوب لتغطية فجوة غذائية كبيرة بسبب الفشل الزراعي الخطير، لأن 82 في المئة من السوريين لا يتمتعون بالأمن الغذائي.
ويؤكد أن هذا الخلل البنيوي ترافق مع انفتاح تجاري سريع وغير مدروس، حيث ارتفعت حركة التجارة بنسبة استيراد كبيرة عبر المعابر في عام 2025 بشكل مخيف، وفي هذا الصدد: استوردت سوريا بضائع بقيمة 3 مليارات دولار من تركيا والأردن ولبنان (14% من الناتج المحلي الإجمالي).
وبناء على ما سبق، يلفت علبي إلى أن تدفق هذه السلع المستوردة يقابله حتماً طلب متزايد على الدولار، طبعاً دون أن يقابله تحسن مماثل في الإنتاج المحلي، بمعنى آخر، الاقتصاد توسّع في الاستهلاك المستورد قبل أن يعيد بناء قاعدته الإنتاجية بشكل أشبه إلى الانتحار.
التراجع محدود لكنه غير مطمئن
من جانبه، يقدم الكاتب والخبير الاقتصادي سمير طويل قراءة مختلفة، فهو يلاحظ أن التراجع الذي طال الليرة السورية مؤخراً يعد انخفاضاً محدوداً، وبالتالي فإن الأثر المباشر على سعر السلعة ما يزال طفيفاً ومحدوداً أيضاً.
ويشير طويل خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى وجود سعرين للدولار الأول سعر السوق السوداء والآخر السعر الرسمي الذي يحدده المصرف المركزي، مؤكداً أن الاختلاف الملموس بين السعرين يمكن أن ينعكس سلباً على السوق.
ويعزو طويل سبب تراجع الليرة إلى لجوء المصرف المركزي لضخ كتل نقدية من الليرة الجديدة، في المقابل يستبعد وجود شح للدولار في السوق لا سيما بعد الموسم الرمضاني وعيد الفطر التي تعد مواسم لدخول القطع الأجنبي إلى البلد عبر الحوالات الخارجية من المغتربين لأقاربهم في الداخل السوري.
وبحسب طويل، يرتبط مستقبل الليرة السورية من حيث تراجع القيمة أو تزايدها بوجود الإنتاج الوطني الحقيقي وتصاعد حجم التصدير بحيث تستقبل السوق السورية كتلاً كبيرة من القطع الأجنبي، ويشير إلى أهمية اتخاذ المصرف المركزي إجراءات تحد من التضخم الذي يؤثر على الليرة وقيمتها، خاصة أن الركود الناتج عن التضخم ينعكس بشكل سلبي جداً على العملة الوطنية.
تغييب دور التصدير والنفط والمنتجات الغذائية
وتؤثر عوامل عديدة على استقرار الليرة السورية أبرزها الاعتماد على المنتجات المستوردة وسط زيادة هائلة في حجم الاستهلاك بالتوازي مع توقف الصناعة الوطنية نتيجة تعرض المصانع للتدمير على يد النظام المخلوع، وفقاً لحديث الوزير السابق الدكتور عبد الحكيم المصري لموقع تلفزيون سوريا.
ويقدر المصري حجم الناتج المحلي في سوريا حالياً بـ 20 مليار دولار، وهي نسبة تقريبية لعدم وجود أرقام رسمية في هذا المجال، مشيراً إلى أن معظم الناتج المحلي يصنف ضمن الإطار الخدمي وبالتالي لا يوجد ناتج محلي حقيقي يمكن أن يشكل رافعة كبيرة للاقتصاد. ويتابع بأن الاستثمارات في سوريا لا تزال خجولة ومحدودة، ويشكل هذا المسار إضافة إلى العوامل الأخرى ضغطاً على سعر صرف الليرة.
ويشير المصري إلى شح في القطع الأجنبي في سوريا، عازياً السبب الرئيسي في هذا الشح إلى غياب التصدير الذي يمثل البوابة الرئيسية للقطع الأجنبي، بينما لا تحصل الدولة حالياً على الدولار إلا من خلال استيفاء الرسوم الجمركية فقط.
وبخصوص آبار النفط وإمكانية أن يشكل تصدير النفط الوطني بوابة أخرى للحصول على القطع الأجنبي وبالتالي تعزيز قيمة الليرة، أشار المصري إلى أن الأرقام الرئيسية للإنتاج النفطي المعلن عنها والتي لا تتجاوز 100 ألف برميل نفط يومياً لا تكاد تكفي السوق المحلية، فضلاً عن إمكانية تصديرها.
ويؤكد على أهمية توفير عوامل عديدة للمستثمر الخارجي الذي ما يزال في حالة ترقب، وعلى رأسها الأمن والأمان والتشريعات الاستثمارية الواضحة التي تحمي المستثمر وإمكانية التحويل المالي الحر والميسّر والآمن، مع وجود بنية تحتية كاملة من كهرباء وطرقات واتصالات وغيرها.
ما مستقبل الليرة السورية؟
كل ما سبق، يثير علامة استفهام كبيرة حول مستقبل الليرة السورية التي لم تنته حتى الآن إجراءات ضخها في السوق مع استبدال الليرة السورية القديمة والتوجه في الشمال السوري نحو تقليص التعاملات بالليرة التركية التي أضحت وسيلة التداول الأساسية في المنطقة منذ العام 2020.
وفي هذا السياق، يرى الخبير محمد علبي أنه طالما أن العوامل التي تدفع الطلب على الدولار ما تزال قائمة، وهي فاتورة استيراد مرتفعة، وإنتاج محلي ضعيف، واحتياطي نقدي محدود، وسعر رسمي لا يعكس القيمة الحقيقية لأسباب سياسية شعبوية، فإن المسار المرجح هو استمرار التراجع بشكل دراماتيكي.
ويتابع بأن مسار التراجع لن يتوقف فعلياً، حتى لو شهد فترات استقرار مؤقتة، أما سرعة هذا التراجع، فتتعلق إلى حد كبير بقرارات المصرف المركزي، سواء في تقييد السيولة أو تحريرها، وبكيفية إدارة هذا التوازن الحساس.
ويشير علبي إلى بروز اتجاه متزايد نحو نقل جزء من الضغوط إلى المجتمع، من خلال تسعير متنام بالدولار في عدد من القطاعات، وهو بدأ يظهر بوضوح خلال الفترة الأخيرة، كما تتزايد مطالبات السلطة للسوريين في الخارج بدعم الداخل عبر الحوالات المالية، سواء تحت عناوين إعادة الإعمار أو التبرعات أو حتى دعم الأسر، ما يعكس محاولة لتعويض نقص التدفقات الخارجية من العملة الصعبة.
من جانبه، يربط الدكتور عبد الحكيم المصري مستقبل الليرة بمدى سن تشريعات استثمارية عادلة وإنشاء محاكم أو مجالس تحكيم استثمارية تبت بالقصايا بشكل مستعجل، وتأهيل الشبكة المصرفية، وضبط حركة الاستيراد، والاهتمام بقطاع الزراعة وتصنيع المنتجات الزراعية بشكل كبير لتنشيط عجلة التصدير.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=205153