الغاز المصري تحت ضغوط الاستيراد وكثافة الاستهلاك
25/04/2026





سيرياستيبس 

تفاؤل بإنتاج حقل عملاق جديد يصل 2 تريليون قدم مكعبة بعد أيام من استجواب لوزير البترول أمام البرلمان في شأن وعود الإنتاج وتراجعه.
تواجه مصر أزمة غاز مركبة، ففي وقت تصعد فاتورة الواردات بنحو 195 في المئة على أساس شهري، يبدو الإنتاج على مسار تنازلي مخلفاً فجوة إنتاجية مفقودة، الأمر الذي يدفع نحو تدبير حاجات البلاد من الخارج بضغوط على العملة الصعبة.


رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في خطابه أمام مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، قال إن فاتورة استيراد بلاده للغاز الطبيعي قفزت على نحو غير مسبوق في الآونة الأخيرة، مسجلة 1.65 مليار دولار من 560 مليون دولار قبل الحرب على إيران، معتبراً أن ترشيد استهلاك الطاقة لم يعد خياراً، لكنه ضرورة فرضتها التحديات الاقتصادية العالمية.
تنويع مصادر الطاقة
وتحدث رئيس الحكومة عن جهود تنويع مصادر واردات بلاده من الغاز، سواء عبر الاستعانة بالتعاقدات طويلة الأجل أو اللجوء إلى الأسواق الفورية عند الحاجة، بما يحدّ من الأخطار المرتبطة بتقلُّب الأسعار العالمية ويعزز مرونة منظومة الإمدادات.
المخاوف ذاتها عبر عنها وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، الأسبوع الماضي، حين كشف عن تضاعف كلفة استيراد الغاز الطبيعي المسال إلى 20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية من 11 و13 دولاراً قبل الصراع في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز.
كم توفر الطاقة المتجددة؟
في مواجهة هذا التحدي، تعمل القاهرة على تنويع مصادر الطاقة، وتعظيم القيمة المضافة من مشروعات الطاقة المتجددة أملاً في خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، مستهدفة رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 45 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد بحلول 2028، الأمر الذي سيوفر سنوياً 7 مليارات دولار من فاتورة استيراد الغاز اللازم لتشغيل محطات الكهرباء.
البيانات التي طالعتها "اندبندنت عربية" كشفت أن تراجع إنتاج البلاد من الغاز أسهم إلى حد كبير في تفاقم الأزمة، إذ كان الإنتاج المصري عند حدود 61 مليار متر مكعب في عام 2010 قبل أن يتراجع إلى 42 مليار متر مكعب بحلول عام 2016.
بعد عامين فقط، حققت مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز بفضل كشف حقل "ظُهر" باحتياطات قُدرت آنذاك بـ30 تريليون قدم مكعبة من الغاز، قبل أن يتراجع إنتاجه مخفضاً إنتاج البلاد إلى ثلاثة مليارات متر مكعب، الأمر الذي دفع البلاد نحو تخفيف الأحمال صيفاً وأثر سلباً في القطاع الإنتاجي.
تحريك أسعار الغاز
في مطلع الشهر الجاري كمثال، رفعت الحكومة أسعار الغاز المورد إلى مصانع الأسمدة بنحو 21 في المئة إلى 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية من 7 و7.8 دولار لكل مليون وحدة حرارية قبل الحرب.
ولعل أحدث مثال على الأزمة ما أشيع قبل أيام حول "وفاة حقل ظهر" في إشارة إلى نفاد إنتاج الحقل العملاق، الأمر الذي نفاه عديد من الخبراء والمتخصصين في مجال الطاقة بمن فيهم المسؤول السابق الذي نُسب إليه التصريح، وإن لم ينفوا التراجع في الإنتاج الأمر الذي عزوه إلى عديد الأسباب الفنية.
لكن حتى آفاق الكلفة تبدو مقلقة لبلد مستورد مثل مصر، إذ يتوقع نائب رئيس الاتحاد الدولي للغاز خالد أبو بكر، حاجة القطاع إلى وقت كي يتعافى، وأن أسعار الغاز ستظل على الأرجح على تقلبها حتى نهاية 2026 على الأقل، وعلى رغم أن الزيادات السعرية تبدو موقتة كما يقول، فإنها ستظل لمدة تراوح ما بين 6 أشهر وعام قرب المستويات الأخيرة المرتفعة حال استمرار الحرب أشهراً إضافية.
كيف تتصرف مصر؟
ونقلت منصة "الطاقة" عن أبو بكر قوله، إن مصر من البلدان كبيرة الإنتاج والاستهلاك للغاز، ما يجعل من الصعب تقييم المشهد بشكل دقيق، ثم يلفت إلى أن البلاد تعي طبيعة التحديات، لذا تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة بالاعتماد على مشروعات الطاقة المتجددة، جنباً إلى جنب مع اتجاهها نحو إدخال الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة خلال الفترة المقبلة، والاستفادة أيضاً من الطاقة الكهرومائية، بجانب تشجيع ترشيد الاستهلاك.
أمام أزمة نقص الإنتاج وحاجة البلاد إلى كميات أكبر للاستهلاك المحلي، وقعت القاهرة نهاية عام 2025، أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل، بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار، للحصول على 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من حقل "ليفاثيان" على مدى 15 عاماً.
مع ذلك يبدو أن هناك تفاؤلاً باكتشافات الغاز الأخيرة التي أعلنت عنها القاهرة لدى عدد من الخبراء والمتخصصين في قطاع الطاقة ممن يعتقدون أن كشف "إيني" الإيطالية و"بي بي" البريطانية لحقل الغاز الضخم قبالة سواحل شرق البحر المتوسط، بتقديرات أولية عند تريليوني قدم مكعبة من الغاز و130 مليون برميل من المكثفات المصاحبة، يبشر بزيادة إنتاج مصر من الطاقة.
بشائر الحقل الجديد 
الخبير المصري ثروت راغب، رأى في الكشف الجديد خطوة نحو زيادة إنتاج البلاد من الغاز، خصوصاً في ظل التوقيت الحساس الذي تحياه البلاد، وسط مساعيها لزيادة الإنتاج من 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً في الوقت الراهن، مشيراً إلى أن موقع الكشف الجديد في منطقة "التمساح" التي تبعد عن شواطئ بورسعيد قرابة 70 كيلومتراً يجعل من السهل ربط الحقل بالبنية التحتية القائمة.


وأعرب راغب عن تفاؤله بدخول الإنتاج حيز التنفيذ خلال زمن قصير قد لا يتجاوز عاماً واحداً، مع عمق الـ95 متراً من المياه في منطقة الكشف، الأمر الذي يسهل من عمليات الحفر وتوريد الإنتاج، إذا ما قورن بأعماق سحيقة أخرى، ومع وجود أنواع الصخور المسامية التي تسمح بنفاذية عالية وسهولة في استخراج الغاز.
الخبير البترولي جمال القليوبي، تحدث عن "معدلات إنتاج يومية تراوح ما بين 100 و120 مليون قدم مكعبة غاز و3 إلى 5 آلاف برميل متكثفات يومياً، مع ترجيحات بأن يبدأ الحقل الجديد بالإنتاج منتصف 2027 عند ذروة التشغيل".
خفض الفجوة الاستهلاكية
وتناول القليوبي، مساعي الشريك الأجنبي لتسريع إنتاج الحقل، والبدء في أعمال الحفر وبناء رصيف بحري في مدية قد لا تتجاوز عاماً واحداً، تمهيداً لبدء الإنتاج وربط الحقل بالشبكة القومية للغاز، لكن على رغم أن الإنتاج المتوقع لا يمثل سوى نسبة متواضعة من إجمالي استهلاك مصر البالغ 6.3 مليار قدم مكعبة يومياً، فإنه يرى أنه سيكفل تقليص جزء من الفجوة الحالية، بخاصة في فترات الذروة الصيفية التي يتجاوز فيها الاستهلاك المحلي متوسط 6.7 مليار قدم مكعبة يومياً.
لكن في المساحة الفاصلة بين تبشير المصريين بكنوز الغاز المخبأ في باطن الأرض وواقع بلادهم الصعب، ثمة من يلقي اللائمة على وزير البترول المصري الذي تلقى طلب الاستجواب الأول أمام مجلس النواب في دورته الحالية، حول الوعود التي تطلقها وزارته في شأن الإنتاج في وقت تدلل الأرقام على واقع صعب، مشيراً إلى أن البيانات الرسمية للوزارة تخالف الواقع.
وعود براقة وواقع صعب
وقال الاقتصادي والنائب البرلماني محمد فؤاد حول استجوابه، إن هذا الاستجواب لم يتعلق بواقعة واحدة لكنه يتناول مساراً كاملاً بجوانب مختلفة، وأنه رصد كل الوعود التي تمت وأعلنت في شأن الاستكشافات مع رصد الإنتاج الحالي، للمقارنة بين الوعود والأمور على أرض الواقع. واعتبر فؤاد، أن الفارق بين الشقّين غير مقبول منطقياً، مضيفاً "مسؤول سياسي صرح بأنه ستكون هناك زيادة مليار متر مكعب في الإنتاج فإذا بالإنتاج يتراجع 800 مليون متر مكعب"، ومبدياً اندهاشه حيال الإعلان عن مشاريع حفر لم يكن من المخطط حفرها قبل عام.
في المساحة الفاصلة بين التفاؤل الرسمي والواقع التشغيلي، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الحكومة في سد الفجوة المتزايدة قبل أن تتحول إلى أزمة هيكلية مزمنة، أم أن البلاد ستظل عالقة بين تآكل الحقول القديمة وانتظار وعود الحقول الجديدة؟

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=205379

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc