التضخم ينذر بالانفلات في أوروبا والمركزي يتوخى ضبط النفس
07/05/2026
سيرياستيبس
تستورد أوروبا تضخم أسعار الطاقة، إذ تعتمد على الخارج لتأمين 95 في المئة من حاجياتها، وتضيف زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار النفط ما بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية إلى التضخم.
بلغت الزيادة في الأسعار في أوروبا ثلاثة في المئة في أبريل (نيسان) الماضي، أي بارتفاع يتجاوز نقطة مئوية واحدة عن فبراير (شباط)، وتشمل هذه الزيادة معظم القطاعات، من البنزين إلى المنسوجات، ومن البتروكيماويات إلى الخدمات، وصولاً إلى الواقيات الذكرية.
وأعلن المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي أن معدل التضخم السنوي في البلدان الـ21 التي تستخدم اليورو ارتفع، مدفوعاً بزيادة قدرها 10.9 في المئة في أسعار الطاقة مقارنة بنسبة 5.1 في المئة في مارس (آذار)، تلتها الخدمات بنسبة ثلاثة في المئة، انخفاضاً من 3.2 في المئة، ثم المواد الغذائية والمشروبات الكحولية والتبغ بنسبة 2.5 في المئة، ارتفاعاً من 2.4 في المئة، وأخيراً السلع الصناعية غير المتعلقة بالطاقة بنسبة 0.8 في المئة مقارنة بـ0.5 في المئة.
نحو زيادة كلفة الائتمان
ارتفعت الأسعار نتيجة لكلفة الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران، ويثير التضخم قلقاً لتزامنه مع تباطؤ النمو، ويتمثل رد الفعل التقليدي للبنك المركزي في رفع سعر الفائدة الرئيس، إلا أن هذا الإجراء قد يعوق النمو الاقتصادي من خلال زيادة كلفة الائتمان.
ويبدو أن البنك المركزي الأوروبي وبنوكاً مركزية أخرى تتبنى نهج الترقب والحذر، إذ تراقب التضخم عن كثب مع الامتناع عن رفع أو خفض أسعار الفائدة.
تحدد سعر الفائدة الرئيس للبنك المركزي الأوروبي عند اثنين في المئة منذ يونيو (حزيران) 2025، لكن رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة يظل أمراً مرجحاً لمنع ارتفاع الأسعار على المدى الطويل.
ويتوقع استطلاع البنك المركزي الأوروبي، الذي استعرضه في اجتماع تحديد أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، أن يبلغ متوسط التضخم 2.7 في المئة هذا العام، يليه انخفاض إلى 2.1 في المئة في عام 2027، واثنين في المئة في عام 2028. ومن الواضح أن النمو الاقتصادي سيتأثر بتداعيات الحرب في إيران، إذ يتوقع الاستطلاع نمواً بنسبة واحد في المئة فقط هذا العام، وهو أقل من نسبة 1.2 في المئة المتوقعة قبل ثلاثة أشهر.
تقلص هامش المناورة النقدية
"المخاوف حقيقية ومبررة"، هكذا يعتقد يانيس ستورناراس، محافظ البنك المركزي اليوناني، الذي يضيف أن "التضخم الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط يحدث في وقت تعاني فيه الاقتصادات الأوروبية ضعفاً مقارنة بعام 2022. الاقتصاد الأوروبي دخل أزمة الطاقة الجديدة هذه في وضع أسوأ مما كان عليه قبل أربعة أعوام، إثر الأزمة الصحية. وعلى عكس عام 2022، يحدث ارتفاع التضخم في سياق نمو أضعف، وظروف مالية أكثر تقييداً، وتقليص هامش المناورة في الموازنة، مما يحد من إمكانات اتخاذ الإجراءات ويضعف الاقتصادات".
ويجب التمييز بين التضخم الناتج عن فائض الطلب والتضخم الناتج من صدمة العرض، وهما مختلفان، وعلاجهما يتفاوت وفق المتخصص الاقتصادي نبيل عادل، ففي الحال الأولى تكون السيولة وفيرة، والطلب يفوق العرض، وهنا ينجح رفع الفائدة في سحب السيولة وكبح الاستهلاك والاستثمار، بالتالي خفض الضغط على الأسعار، وهذا هو الحل الكلاسيكي المعتمد.
أما في الحال الأوروبية الحالية، فيرى عادل "أن ما نراه هو السيناريو الثاني، فارتفاع أسعار الطاقة يعود لسعر السوق، وهو خارج عن إرادتهم. وكلفة الإنتاج في المصانع زادت بفعل كلفة الشحن، علاوة على الاستهلاك المباشر على غرار التدفئة. وتهديدات الركود تسير بالتوازي مع ذلك، إذ تشهد أوروبا تراجع الطلب بسبب ضعف النمو".
ومن المعلوم أن أزمات العرض لا تحلها آليات الطلب، ورفع الفائدة في هذه الحال يؤدي إلى نتيجتين كلتاهما سيئة. فهو يثبط الاستثمار والإنتاج في وقت تكون فيه حاجة أوروبا ماسة إلى زيادة الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة، والمصانع التي تحتاج إلى قروض لتطوير كفاءتها الطاقية ستجد الفائدة مرتفعة، فتؤجل الاستثمار، كما ترهق المستهلك النهائي، والأسر الأوروبية التي تعاني ارتفاع فواتير الطاقة والغذاء سترهقها قروضها الاستهلاكية والعقارية، مما يقلص طلبها على السلع غير الأساسية ويخفض الاستهلاك. لكن هذا التقليص للطلب لن يخفض سعر النفط، ولن يخفض سعر الغاز، إذ إن الأسعار هناك تحددها أسواق عالمية لا علاقة لها بالفائدة الأوروبية.
والحلول الحقيقية لأزمة العرض ليست نقدية أبداً، بل تحتاج أوروبا إلى زيادة الإنتاج المحلي من الطاقة المتجددة والنووية، وتنويع مصادر الاستيراد، وترشيد استهلاك الطاقة، إضافة إلى دعم مباشر للأسر والصناعات الأكثر تضرراً للحيلولة دون تمريرها عبر الأسعار.
وجميع هذه الحلول ليست من اختصاص البنك المركزي الأوروبي، بل من اختصاص الحكومات والبرلمانات، وما دامت الحكومات الأوروبية عاجزة أو بطيئة، يبقى البنك المركزي وحيداً يصارع، وإن اتجه إلى الرفع في الفائدة سيضر بالطلب من دون أن يلمس جذور الأزمة، ومن الصعب التكهن باستجابة المركزي بالتيسير أو التشديد النقدي، وإن اختار الآلية الثانية فسيفاقم مشكل النمو الحاصل بمنطقة اليورو.
الإبقاء على أسعار الفائدة
من جهته، يرى الاقتصادي جمال بن جميع أن مستويات التضخم الأساسي، باستثناء الطاقة، لا تزال تحت السيطرة نسبياً عند نحو 2.2 في المئة، كما لا تزال التوقعات متوسطة الأجل مستقرة عند نحو اثنين في المئة، أو بمعنى آخر، هناك بوادر أزمة، لكنها لم تنتشر بصورة كاملة، وفق تقديره.
لكنه يحذر من مصدر القلق، وهو التضخم المستورد المرتبط بقطاع الطاقة والتوترات الدولية، بالتالي يصعب مكافحته بأسعار الفائدة.
ويجد البنك المركزي الأوروبي نفسه في موقف حرج، وهو الإبقاء على أسعار الفائدة عند اثنين في المئة، مع ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لرفعها في وقت مبكر، بداية من يونيو (حزيران) المقبل.
ويرى بن جميع أن السيناريو المرجح، وفق المؤشرات الحالية من الأسواق والاقتصاديين ومحافظي البنوك المركزية، وعلى المدى القصير، هو استمرار ارتفاع التضخم واحتمال رفع أسعار الفائدة، لكن بصورة محدودة.
أما على المدى المتوسط (2027-2028)، فالعوامل تسير نحو عودة تدريجية لاثنين في المئة، لكن الإشكال يتمثل في الارتهان إلى عامل خارجي يكاد يكون خارج الإرادة الأوروبية، وهو التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة، بحسب ما يوضح.
والرفع في أسعار الفائدة، حتى إن كان ذلك على حساب النمو، هو المرجح، بحكم أخطار فقدان السيطرة على التضخم، الذي سيكون أخطر على المدى البعيد من إبطاء الاقتصاد موقتاً.
وفي يونيو المقبل، من المرجح ارتفاع أسعار الفائدة في أوروبا، ولن يضحي البنك المركزي الأوروبي بالنمو بصورة كاملة، لكنه لن يسمح للتضخم بالانتشار.
بدأت الأسواق في استيعاب ذلك، إذ يتوقع 50 في المئة من المستثمرين أن يقترب معدل البنك المركزي الأوروبي من 2.4 في المئة بنهاية 2026، وقد يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، مواصلاً بذلك استراتيجيته التدريجية التي تساعد في تجنب الصدمات المفاجئة، مع إرسال إشارة واضحة إلى الأسواق.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=205555