كيف كشفت أزمة هرمز هشاشة الاقتصاد العالمي أمام سلاح الجغرافيا؟
09/06/2026





سيرياستيبس 

تؤكد الأزمة أن محاولات التخلص من تبعية معينة قد تؤدي إلى خلق تبعيات جديدة في مجالات الطاقة والمعادن والتكنولوجيا.

أظهر إغلاق إيران مضيق هرمز كيف يمكن لدولة أن تستخدم نقطة اختناق اقتصادية استراتيجية كسلاح ذي تأثيرات هائلة على الاقتصاد العالمي.

ويتمثل السؤال المطروح الآن في الكيفية التي ستتعامل بها الحكومات مع هذا الواقع الجديد.

وقال القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) الأميرال جوزيبي كافو دراغوني، خلال كلمة أمام مسؤولين في مجالي الدفاع والأمن في سنغافورة، إن الدول تواجه اليوم ما وصفه بـ"تسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل"، وهو تحد يتطلب، بحسب قوله، تعاوناً أوثق بين الجيوش والحكومات والقطاع الخاص لمواجهته.

لأعوام طويلة، كانت الولايات المتحدة اللاعب الرئيس الوحيد تقريباً في هذه اللعبة الاستراتيجية، مستفيدة من هيمنة الدولار وما يمنحه من نفوذ على النظام المالي العالمي للضغط على الخصوم وفرض العقوبات على الأعداء.

لكن الصين أظهرت في الأعوام الأخيرة أنها تمتلك بدورها أدوات ضغط مؤثرة على دول أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، من خلال هيمنتها على المعادن الحيوية اللازمة لصناعة منتجات استراتيجية تراوح ما بين أشباه الموصلات ومحركات الطائرات النفاثة.

ومن خلال إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، استغلت إيران موقعها الجغرافي إلى أقصى حد، مستخدمة سلاحاً اقتصادياً غير متكافئ لمواجهة التفوق العسكري الأميركي الساحق. وعلى رغم صمود وقف إطلاق النار الهش حتى الآن، فإن التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع ويعيد فتح المضيق بصورة كاملة لا يزال بعيد المنال.

وسيستلزم تقليل اعتماد العالم على الطاقة التي تمر عبر ممر بحري يمكن أن تعود إيران لإغلاقه مستقبلاً استثمارات ضخمة في خطوط أنابيب ومسارات تصدير جديدة.

وسيتعين على الدول المستوردة إعادة بناء احتياطاتها المستنزفة من النفط الخام وتخزين كميات أكبر من النافثا ووقود الطائرات وغيرها من المنتجات المشتقة من النفط تحسباً لأي صدمة جديدة.

بناء المرونة الاقتصادية
قد تضطر هذه الدول أيضاً إلى ضخ استثمارات كبيرة في مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية لضمان إمدادات أكثر استقراراً في حال وقوع اضطرابات مستقبلية.

غير أن بناء هذه المرونة الاقتصادية يتطلب أموالاً طائلة وأعواماً من العمل، وقد تتراجع الحماسة السياسية لتنفيذه بمجرد انحسار الأزمة. وتسلط هذه المعضلة الضوء على الصعوبة التي تواجهها الحكومات في معالجة نقاط الضعف الاقتصادية التي نشأت في عالم شديد الترابط.

وقال رئيس قسم الاقتصاد الدولي في مؤسسة "موديز أناليتيكس" بلندن غوراف غانغولي لصحيفة "وول ستريت جورنال"، "استغرق الوصول إلى هذا المستوى من الترابط عقوداً من التعاون، لكن تفكيك هذه الروابط أصبح بالغ الصعوبة".

وواجه الاقتصاد العالمي تحدياً مشابهاً من قبل، عندما أثارت الصين قلقاً واسعاً باستعدادها لاستخدام سيطرتها الكبيرة على سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة للضغط على الولايات المتحدة ومعاقبة دول أخرى مثل اليابان.

وأدت التهديدات الصينية العام الماضي بتقييد الإمدادات العالمية من هذه المعادن إلى اضطراب شركات صناعة السيارات والرقائق الإلكترونية، وأسهمت في ممارسة ضغوط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتخفيف الرسوم الجمركية على الواردات الصينية.

وفي المقابل، تنفق الولايات المتحدة واقتصادات متقدمة أخرى، مثل أوروبا واليابان، مليارات الدولارات لتطوير قدرات بديلة للتعدين والتكرير خارج الصين، بما في ذلك مشاريع في الولايات المتحدة وماليزيا وأستراليا.

لكن التقدم في هذا المسار لا يزال بطيئاً، مما يعكس صعوبة التخلص من اعتماد ترسخ على مدى أعوام طويلة. ويشكو العاملون في قطاع التعدين من أن الحكومات لا تبذل ما يكفي لتشجيع الصناعات الغربية على تقليل اعتمادها على المعادن الصينية.

عانت اليابان من قيود الصين على صادرات المعادن الأرضية النادرة منذ عام 2010، وقضت أكثر من عقد في محاولة تقليص اعتمادها على جارتها الآسيوية في هذا المجال، ومع ذلك، لا تزال تحصل على نحو 60 في المئة من حاجاتها من هذه المعادن من الصين.


وفي المقابل، تعرضت الصين لضغوط كبيرة نتيجة القيود الأميركية على صادرات تكنولوجيا أشباه الموصلات، التي حدّت من قدرتها على تصنيع أو الحصول على الرقائق الإلكترونية المتطورة التي تنتجها شركات مثل "إنفيديا"، والمستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.

وتضخ بكين مليارات الدولارات في صناعة الرقائق المحلية أملاً في تجاوز القيود الأميركية، إلا أن قدرة الصين على اللحاق بالولايات المتحدة وتايوان لا تزال محل شك، في ظل استمرار الشركات الأميركية والتايوانية في دفع حدود التطور التكنولوجي إلى مستويات أعلى.

وقال كبير الاقتصاديين في معهد "لوي" رولاند راجاه، "السؤال الأساس، كما كانت الحال منذ فترة طويلة، هو ما إذا كانت الحكومات قادرة على تعزيز المرونة الاقتصادية من دون فرض كلفة اقتصادية باهظة".

"تسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل"
يُعد تقليل اعتماد الاقتصاد العالمي على مضيق هرمز تحدياً لا يقل صعوبة، فالسعودية تمتلك خط أنابيب "شرق غرب" عبر شبه الجزيرة العربية من حقول النفط الضخمة في شرق البلاد، ويفرغ في مدينة صناعية حديثة في ميناء ينبع على البحر الأحمر.

أما دول خليجية مثل الإمارات فتستطيع نقل الطاقة عبر خطوط أنابيب إلى خليج عُمان ومنها إلى الأسواق العالمية، إلا أن هذه الكميات لا تستطيع تعويض كامل الكميات التي تمر عبر مضيق هرمز.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تان أبراهام نيومان، والمشارك في تأليف كتاب حول "تسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل"، أن الدول التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على الآخرين وتحييد نقاط الاختناق الاستراتيجية يجب أن تحذر من استبدال تبعية بأخرى.

وأشار إلى أن الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا جعلت أوروبا أكثر اعتماداً على الغاز الطبيعي الأميركي في وقت تشهد العلاقات عبر الأطلسي توترات متزايدة، بينما تهيمن الصين على سلاسل الإمداد العالمية للبطاريات وتقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من تقنيات الطاقة المتجددة.

وقال نيومان، "على الدول أن تكون حذرة عندما تفكر في تنويع مصادرها، فالسؤال هو: هل يؤدي ذلك ببساطة إلى خلق تبعية جديدة يمكن استخدامها كسلاح؟".

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=136&id=205951

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc