
سيرياستيبس :
وصف المحلل الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي تقلبات سعر صرف الدولار الأميركي أمام الليرة السورية خلال الأيام الماضية بالحادة، إذ ارتفع الدولار إلى مستوى 145 ليرة جديدة للدولار الواحد "14500 ليرة قديمة"، قبل أن يتراجع سريعاً إلى ما من دون 135 ليرة جديدة "13500 ليرة قديمة" خلال يومين فحسب.
وهذه الحركة السريعة لا تعبر عن تحسن اقتصادي حقيقي، وتأتي في سياق المضاربة لا أكثر، مؤكداً أن تراجع الدولار أمام الليرة يعكس بوضوح طبيعة السوق الموازية التي تحكمها المضاربات، وليس العرض والطلب الحقيقيين.
وأكد قوشجي، في حديث إلى "اندبندنت عربية"، أن ما يحدث اليوم في سوق الصرف السوري ليس مؤشراً إلى تحسن اقتصادي، بل نتيجة مباشرة لغياب الاستقرار النقدي وضعف أدوات الرقابة وسيطرة المضاربين على السوق الموازية.
وما لم تُعالج الأسباب الجذرية، من تعزيز الإنتاج إلى ضبط السوق واستعادة الثقة بالليرة، ستبقى هذه الدوامة مستمرة وسيبقى المواطن الخاسر الأكبر.
وأوضح المحلل المصرفي أن التحليل العلمي والمنطقي لهذه التقلبات يشير إلى أن ما يحدث عملية تجميع وتصريف يقوم بها المضاربون، فعند وصول الدولار إلى مستويات مرتفعة يبدأ المضاربون في بيع الدولار للناس بأسعار عالية مستغلين خوفهم من استمرار الارتفاع، وبعد ذلك يقوم المضاربون بالتصريف عند مستويات أقل، كما حدث أخيراً بانخفاض يقارب 10 ليرات جديدة، أي بنسبة ثمانية في المئة خلال يوم واحد.
وهذا الانخفاض المفاجئ يدفع الناس إلى بيع ما لديهم من دولار خوفاً من مزيد من الهبوط، وعندها يعيد المضاربون شراء الدولار بأسعار منخفضة ليكرروا الدورة لاحقاً برفع السعر مجدداً.
وبيَّن أن هذه الآلية تظهر أن ما يحدث ليس استقراراً أو تحسناً في قيمة الليرة، بل لعبة مضاربية يتحمل المواطن نتائجها، لافتاً إلى أن هناك آثاراً سلبية لهذه التقلبات، أولها عجز مصرف سوريا المركزي الذي يبدو أنه ما زال غير قادر على التحكم في سعر الصرف أو حتى تثبيته، مما يعكس ضعف أدوات السياسة النقدية وغياب القدرة على التدخل الفعال في السوق.
وثانيها ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فعندما تنخفض قيمة الليرة ترتفع الأسعار فوراً، لكن عند تحسنها ولو بنسبة 10 في المئة لا تنخفض الأسعار، لأن التجار يتصرفون وفق مبدأ التحوط وتوقع عودة الدولار للارتفاع.
وثالثها تآكل مدخرات المواطنين، فالتقلبات السريعة تؤدي إلى ضياع جزء من قيمة مدخرات الناس، سواء كانت بالليرة أو الدولار، نتيجة قرارات بيع وشراء متسرعة تحت ضغط الخوف.
أما رابعها فيظهر في ضعف الثقة بالليرة السورية، إذ تجعل هذه التقلبات الليرة غير صالحة لقياس القيمة، وهو أحد أهم وظائف العملة، فإذا فقدت العملة قدرتها على تمثيل قيمة مستقرة، فقَدَ الناس ثقتهم بها واتجهوا إلى الدولار أو الذهب.
وتحدث قوشجي عن انعكاسات اقتصادية أخرى تتعمق مع كل موجة مضاربة وفي مقدمها توسع السوق الموازية، فكلما زادت التقلبات ازداد اعتماد الناس على السوق السوداء، مما يضعف الاقتصاد الرسمي ويقلل من قدرة الدولة على ضبط حركة الأموال.
وأشار أيضاً إلى زيادة معدلات الفقر، إذ إن ارتفاع الأسعار مقابل ثبات الدخل يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية، مما يدفع مزيداً من الأسر إلى ما دون خط الفقر.
وأضاف أن تراجع الاستثمار والإنتاج يمثلان أثراً مباشراً أيضاً. فالمستثمر، سواء كان محلياً أو خارجياً، لا يمكنه العمل في بيئة سعر صرف غير مستقرة، بالتالي تتراجع المشاريع الإنتاجية ويزداد الاعتماد على الاستيراد.
ولفت إلى ارتفاع كلفة التحويلات الخارجية، فالسوريون في الخارج يرسلون تحويلاتهم بالدولار، لكن عدم استقرار السعر يجعلهم يترددون أو يلجأون إلى قنوات غير رسمية، مما يزيد خسائر الاقتصاد.
وأشار كذلك إلى أن هذا التذبذب في سعر الصرف يؤدي إلى زيادة الاحتكار، ففي ظل الفوضى السعرية يزداد نفوذ كبار التجار والمضاربين الذين يملكون القدرة على التحكم بالأسعار وتخزين السلع.
وأخيراً، تحدث قوشجي عن تأثيرات تذبذب سعر الصرف في اضطراب سوق العقارات، إذ إن سعر العقار مرتبط بالدولار، ومع كل موجة تقلب تتجمد حركة البيع والشراء أو ترتفع الأسعار بصورة غير منطقية.
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=206260