عام ونصف العام بلا جرعات مجانية: مرضى السرطان متروكون
12/07/2026





سيرياستيبس 


من أصل 18 جرعة كيمائية حُقنت بها سارة إلى الآن، ثمّة ثلاث جرعات مجانية فقط حصلت عليها من «مشفى البيروني» قبل الثامن من كانون الأول 2024، في حين اضطرّت، بعد سقوط النظام، إلى شراء الباقي من الصيدليات، وبأسعار تتراوح بين 300 و350 دولاراً للجرعة الواحدة. سارة، المصابة بسرطان الثدي، ليست سوى واحدة من آلاف المصابين بهذا المرض، الذين تجزم معظم الدراسات والأبحاث أن أعدادهم زادت خلال سنوات الحرب الطويلة، وذلك من جرّاء التلوث المتعدّد الأشكال الذي لحق بالنظم البيئية، فضلاً عن الضغوط الاجتماعية والنفسية والاقتصادية. لكن حتى الساعة، ليست هناك بيانات إحصائية دقيقة تتعلّق بحجم انتشار السرطان وتوزّعه الجغرافي وأشكال الإصابة به، فيما لا يعدو المتداول في شأنه كونه تقديرات غير نهائية؛ فمثلاً، حديث مدير «مشفى البيروني» الحكومي، مؤخراً، عن تسجيل 12 ألف إصابة جديدة في البلاد خلال العام الماضي، يتناقض مع ما قاله رئيس «هيئة الإصابة بالسرطان» في وزارة الصحة قبل نحو عام، من أن سوريا تسجّل سنوياً نحو 17 ألف حال إصابة جديدة، منها 1500 بين الأطفال. أمّا «المرصد العالمي للسرطان» فهو يقدّر مثلاً عدد حالات الإصابة الجديدة المسجَّلة في سوريا خلال العام 2022 بنحو 21.9 ألف، كان نصيب الذكور منها نحو 46.4%، والإناث نحو 53.5%، بينما يشير في آخر إحصائية له إلى أن إجمالي عدد الإصابات المسجَّلة خلال خمس سنوات تجاوز 45881.

آلاف الأسر في دائرة المعاناة
غيّرت الحرب، بتبعاتها الثقيلة، من أولويات الاهتمام الرسمي والأهلي بمرض السرطان، منزاحةً بها من التوسّع في عدد المستشفيات الحكومية المتخصّصة بمعالجة الأورام وتوزّعها الجغرافي، والتعامل مع الأسباب المؤدّية إلى الإصابة بهذا المرض، وحملات التوعية المجتمعية به، إلى محاولة توفير الحدّ الأدنى من العلاج المجاني، وحتى غير المجاني، للمصابين. إذ علاوة على معاناة المستشفيات، خاصة الحكومية، من جرّاء نقص الموارد المالية وصعوبة استيراد الأدوية السرطانية، فإن صعوبة الوصول الفيزيائي والاقتصادي إلى المستشفيات والمراكز المتخصّصة، العامة والخاصة، خلال الحرب، شكل أيضاً عائقاً كبيراً أمام حصول المصابين على حقهم الإنساني في العلاج. على أن التحوّل السياسي الذي شهدته البلاد منذ أواخر عام 2024، لم يفلح في تبديل ذلك الواقع القاتم؛ فمع إعلان مدير «مشفى البيروني» الحكومي في دمشق، قبل أيام قليلة، وصول بعض أدوية العلاج الكيماوي والمناعي، وانتشار الخبر على صفحة المشفى على «الفيس بوك»، تتالت التعليقات من المصابين وذويهم الذين يشتكون من عدم توفّر الأدوية منذ أكثر من عام، واضطرارهم إلى شرائها من الصيدليات الخاصة، إضافة إلى تعطّل الأجهزة وسوء معاملة بعض الكادر للمرضى وغير ما تَقدّم. ومن ثمّ، جاء مقطع فيديو صَوّره أحد المصابين، يُظهر وجود قطط وأوساخ في إحدى الغرف المخصَّصة لإعطاء الجرعات الكيماوية للمرضى، ليكشف عن حجم الإهمال الحكومي للمشفى، لا سيما لجهة عدم تخصيصه باعتمادات مالية كافية تعينه على توفير العلاج وتقديم الخدمة لآلاف المراجعين والمرضى الذين يزداد عددهم سنوياً بفعل عاملَين أساسيَّين: الأوّل، ارتفاع عدد الإصابات المسجَّلة حديثاً؛ والثاني، تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لنحو 90 % من الأسر، وعجزها بالتالي عن تحمّل نفقات العلاج في حال إصابة أحد أفرادها بالمرض. ووفقاً لنتائج مسح الأمن الغذائي للعام الماضي، فإن نسبة الأسر التي لديها فرد أو أكثر مصاب بالسرطان وصلت إلى نحو 1.2% من إجمالي عدد العائلات، ما يعني أن هناك حوالي 60 ألف أسرة سورية تجد معاناة في توفير نفقات العلاج المرتفعة.


العملان الحكومي والأهلي
اعتمدت الحكومات السورية المتعاقبة في سياستها لتوفير العلاج المجاني لأكبر عدد من المصابين، العمل على مسارَين: الأوّل، زيادة عدد المستشفيات والمراكز المتخصّصة في معالجة الأورام السرطانية على المستوى الجغرافي، مع ما يتطلّبه ذلك من توفير اعتمادات سنوية كبيرة لشراء التجهيزات والأدوية وتقديم الخدمات المختلفة للمراجعين. على أن الحرب تسبّبت بإخراج عدد كبير من تلك المستشفيات والمراكز من الخدمة، بعدما تضرّرت جزئياً أو كلياً بفعل المعارك وعمليات التخريب والنهب، في حين عانت الأخرى التي بقيت داخل الخدمة من نقض الأدوية والتجهيزات، الناجم عن صعوبات التمويل والاستيراد وغيرها. ورغم ما تَقدّم، تُظهر البيانات الرسمية المتوفّرة للمدة ما قبل العام 2024، تخصيص الحكومات مبالغ كبيرة لاستيراد الأدوية السرطانية وتوفيرها مجاناً للمصابين، الأمر الذي أسهم في تخفيف معاناة آلاف الأسر، وإن كانت هناك عائلات لم تتمكّن أو عانت كثيراً للحصول على العلاج، في ما يمكن عزوه إلى الفساد والمحسوبيات. ومع أن المقارنة الإحصائية لعدد جلسات العلاج الكيماوي بين عامَي 2011 و2023، تُظهر فارقاً لصالح مدة ما قبل الحرب، حيث بلغ عدد هذا النوع من الجلسات في العام 2011 نحو 140 ألفاً مقارنة بنحو 122 ألفاً في العام 2022، إلّا أن الفارق يبدو مضلّلاً عملياً، إذا ما عُزل عاملا تزايد الإصابة السنوية وتوسّع دائرة الأسر العاجزة عن توفير تكاليف العلاج، ونُظر إلى أن الخسارة متمثّلة في 18 ألف جلسة فقط.

أمّا المسار الثاني، فجهود المجتمع الأهلي الذي نشط بشكل كبير ولافت، سواء لجهة تأسيس جمعيات أهلية مهمّتها تقديم خدمة العلاج المجاني للمصابين، لا سيما الأطفال منهم، أو تأسيس جمعيات علمية تعنى بالتوعية وتشجيع المجتمع على الكشف المبكر عن السرطان وتطوير الجانب العلمي والأكاديمي وغير ذلك. وقد برز بوضوح هنا دور بعض الجمعيات والأنشطة العلمية والاجتماعية، والتي حظيت بدعم خاص زمن النظام السابق، ولا يُعرف إلى الآن مصيرها، وما إن كانت ستحافظ على زخمها وحضورها على خريطة الجهود الرسمية والأهلية، أو أنها ستتحوّل إلى كيانات عادية تعاني نقص التمويل ومحدودية ما يمكنها أن تقدّمه من خدمات للمصابين المحتاجين. وعلى أيّ حال، تشير المعلومات المتوفرة إلى أن هذه الجمعيات استمرّت في عملها بعد سقوط النظام السابق، إنما بزخم أقلّ من جرّاء تراجع مصادر التمويل والتبرّعات، إضافة إلى تغيير إداراتها كما حدث في معظم مفاصل العملَين العام والأهلي، وأحياناً الخاص أيضاً.
إزاء كلّ ما تَقدّم، ومع شعور الكثيرين بأن توفير الجرعات الكيماوية مجاناً لن يكون قريباً، وإن حدث فقد لا يشمل جميع المصابين، اقترح أهالي بعض هؤلاء على وزير التعليم العالمي في الحكومة الانتقالية، في أثناء زيارته لـ«مشفى البيروني» في العام الماضي، أن تتولّى وزارة الصحة، على الأقلّ، توفير الجرعات في الصيدليات بأسعار مقبولة، تمنع عمليات الاستغلال والابتزاز التي يتعرّضون لها، والأهمّ أن تحُول دون دخول جرعات وأدوية مزوّرة، حتى لا يتكرّر ما حدث قبل نحو عامين. والجدير ذكره أنه تمّ وقتذاك ضبط شبكة مكوّنة من عشرة أشخاص في مدينة حلب يقومون بتعبئة عبوات بالسائل الملحي مع حبوب «فوليك أسيد»، ومن ثمّ تغليفها بلصقات لأدوية أجنبية مشهورة وبيعها للمرضى على أنها مستوردة، الأمر الذي تسبّب بوفاة عشرات المصابين على مدار عدّة سنوات. وبحسب بعض المعلومات، فإن هؤلاء خرجوا من السجن إثر سقوط النظام، ولا يُعرف ما إن كانت السلطات الجديدة أعادت القبض عليهم، أم أنهم لا يزالون طلقاء ويقومون بعمليات تزوير جديدة.

الأخبار اللبنانية 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=206457

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc