القمامة في الشوارع من المسؤول
لماذا يحافظ السوريون على نظافة منازلهم أكثر من شوارعهم؟
سيرياستيبس
في كل يوم، يغادر الإنسان مساحته الخاصة إلى فضاء أوسع يشاركه فيه الآخرون. داخل المنزل، تبدو العلاقة بالمكان واضحة؛ فهو جزء من الحياة اليومية، وامتداد للخصوصية، لذلك يحرص كثيرون على ترتيبه وتنظيفه والحفاظ على صورته. لكن ما إن يخرج الإنسان إلى الشارع حتى تتغير هذه العلاقة أحيانًا، فيصبح المكان المشترك أقل ارتباطًا بالمسؤولية الفردية.
فالمنزل يُنظر إليه باعتباره "ملكًا خاصًا"، بينما يُعامل الشارع أو الرصيف أو الحديقة أحيانًا وكأنها مساحات لا تخص أحدًا بشكل مباشر. وبينما يراقب الإنسان التفاصيل الصغيرة داخل بيته، قد يترك خلفه في الأماكن العامة مخلفات أو آثارًا لا يتوقف عندها، متجاهلًا أن شخصًا آخر سيضطر إلى التعامل معها لاحقًا.
لا تتعلق المسألة بكيس نفايات أو قطعة ورق ملقاة على الأرض فقط، بل بطريقة فهم الإنسان لعلاقته بالمكان الذي يعيش فيه. فالأماكن العامة، رغم أنها لا تحمل اسم فرد بعينه، هي جزء من حياة الجميع؛ من الشارع الذي نسلكه يوميًا، إلى الرصيف الذي نقف عليه، والحدائق التي يقضي فيها الأطفال أوقاتهم.
وتكشف هذه السلوكيات عن فجوة بين الشعور بالمسؤولية تجاه ما نملكه وحدنا، وما نملكه بشكل جماعي. فحين يغيب الإحساس بأن المكان العام امتداد للبيت، يتحول العبء إلى أشخاص آخرين؛ عامل نظافة، أو جار، أو أحد المارة، يدفع ثمن تصرف لم يكن طرفًا فيه.
فاتورة الإهمال يدفعها الجميع
في ظل تقنين المياه، يخرج أبو أحمد بشكل شبه يومي ممسكًا بخرطوم مياه، يغسل ببطء مدخل البناء الطويل الذي يتحول كل صباح إلى ما يشبه غرفة انتظار لعيادة طبيب معروف بسبب كثافة المراجعين.
يقول أبو أحمد، إنه يجمع يوميًا أكياس رقائق البطاطا، وأغلفة المكسرات، وبقايا السندويشات، وأحيانًا يضطر إلى تنظيف آثار تبول طفل داخل المدخل. ويضيف أن هذا الواقع يدفعه إلى تخصيص جزء من كمية المياه المخصصة لعائلته لتنظيف المدخل المؤدي إلى حديقة منزله الصغيرة، رغم أن المياه أصبحت موردًا يُحسب بدقة في ظل التقنين.
ولا يقتصر الأمر على استهلاك كمية إضافية من المياه، بل يفرض على العائلة وقاطني البناء عبئًا يوميًا كان يمكن تفاديه لو غادر كل شخص المكان كما وجده.
ولا يبدو هذا السلوك محصورًا بمكان واحد أو بمدينة محددة، تقول راما، وهي شابة عادت مؤخرًا من إسطنبول، إنها فوجئت أكثر من مرة بكيس قمامة يسقط من أحد الطوابق بينما كانت عائدة من عملها مساءً.
وتوضح راما أن كثيرًا من الأحياء تعتمد نظامًا محددًا لجمع النفايات، حيث تمر شاحنات البلدية في أوقات معينة لالتقاط الأكياس الموضوعة في الأماكن المخصصة، إلا أن بعض السكان يختصرون الطريق بإلقاء الأكياس المحكمة الإغلاق من النوافذ، ما يدفع المارة أحيانًا إلى الابتعاد عن الأرصفة خشية سقوطها بالقرب منهم.
وترى راما أن اختلاف المدينة أو نظام جمع النفايات لا يغيّر النتيجة، ففي الحالتين، يدفع شخص آخر ثمن سلوك لم يكن طرفًا فيه، سواء كان مارًا في الشارع، أو عامل نظافة، أو جارًا يعيش في المكان.

عامل النظافة وعبء السلوكيات اليومية
وفي نهاية هذا التسلسل اليومي، يبقى عامل النظافة الشخص الذي يواجه نتائج هذه السلوكيات بشكل مباشر.
يقول أبو زياد، عامل النظافة المسؤول عن ساحة الشهبندر، لتلفزيون سوريا، إن مهمته تبدأ يوميًا عند العاشرة مساءً وتستمر حتى السادسة صباحًا، ضمن نظام عمل يقسم العمال إلى ثلاث ورديات: صباحية ومسائية وليلية.
ويؤكد أن أكثر ساعات عمله ازدحامًا تكون خلال المساء، حيث يضطر إلى العودة لتنظيف المكان نفسه مرات متتالية، وأحيانًا كل ربع ساعة، بسبب سرعة تراكم النفايات. ويضيف أبو زياد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن عربة جمع القمامة تمتلئ بما لا يقل عن خمس مرات خلال الوردية الواحدة، بينما يتضاعف حجم العمل في أيام افتتاح المحال التجارية أو الفعاليات، إذ ينتهي الحدث ويترك خلفه شارعًا مليئًا بالمخلفات.
ويستعيد أبو زياد، خلال حديثه مشهد الحفل الذي أقيم مؤخرًا في مدرج مشروع دمر، والذي تابع صوره ومقاطع انتشاره بعد انتهائه. ويقول إن المكان الذي ظهر ممتلئًا بالحضور والأضواء خلال ساعات الحفل، بدا بعد مغادرة الجمهور مختلفًا تمامًا، بعدما بقيت الأكواب البلاستيكية والعلب الفارغة والأكياس المتناثرة في أرجائه.
ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في كمية النفايات وحدها، بل في غياب الالتزام بوضعها في الأماكن المخصصة، موضحًا أنه نادرًا ما يلمس تعاونًا من المارة أو السكان للمحافظة على نظافة المكان حتى لساعات قليلة.
ويلاحظ أبو زياد أن أكثر ما يجمعه يوميًا هو أغلفة رقائق البطاطا والمكسرات والعبوات الخفيفة، التي غالبًا ما تتراكم حول الأشجار وعلى أطراف الأرصفة، في حين يبادر عدد قليل فقط من المارة إلى مساعدته، أو إلى احترام عمله بعدم ترك مزيد من المخلفات في المكان.
ولا يخفي شعوره بأن بعض الناس ينظرون إلى مهنته بنظرة دونية، ويقول إنه عندما يطلب من أحد المارة أن يتعامل مع الشارع كما يتعامل مع منزله، لا يتلقى الاستجابة التي يأملها، بل يواجه أحيانًا ردودًا متعالية.
ويضيف أن من المشاهد التي تتكرر خلال موسم المثلجات سقوط كرة البوظة من يد طفل على الرصيف، ثم متابعة الطفل طريقه وكأن شيئًا لم يحدث، لتبقى آثارها على الأرض حتى يأتي عامل النظافة لإزالتها. ولا يبدو هذا التصرف مجرد حادثة عابرة، بل يفتح سؤالًا أوسع: كيف يكتسب الطفل طريقته في التعامل مع المكان العام؟ وهل يتعلمها من التعليمات المباشرة، أم من تكرار ما يراه يوميًا في سلوك الكبار؟.
الشعور بالمسؤولية تجاه الأماكن العامة
وما يبدو تصرفًا عابرًا من شخص واحد، يتراكم مع الوقت ليغيّر صورة المكان. فقد تبدو قطعة قمامة واحدة على طرف الرصيف أمرًا عاديًا، لكن ما يتركه كل شخص خلفه يتحول تدريجيًا إلى مشهد كامل، تتغير ملامحه، وتزداد الروائح مع حرارة الصيف، وتجد الحشرات بيئة مناسبة للانتشار. عندها لا تعود القمامة مجرد مخلفات، بل تصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه على كل من يعيش في المكان أو يمر به.
توضح لجين بكداش، الاختصاصية في علم الاجتماع، في حديثها لتلفزيون سوريا، أن سلوك الأفراد تجاه المكان العام يرتبط أولًا بطريقة تشكّل علاقتهم بالممتلكات الخاصة، فالإنسان غالبًا ما يتعامل مع البيت أو السيارة بوصفهما امتدادًا شخصيًا له، ما يدفعه إلى الحرص على نظافتهما ومظهرهما، خصوصًا عند استقبال ضيوف بشكل مفاجئ، حفاظًا على الصورة الاجتماعية اللائقة.
لكن هذا الإحساس بالمسؤولية يتراجع، بحسب بكداش، عند الانتقال إلى الفضاءات العامة مثل الشوارع والحدائق، حيث لا يشعر الفرد بملكية مباشرة أو برقابة اجتماعية مماثلة، فيتعامل معها باعتبارها خارج نطاقه الشخصي.
وتشير إلى أن هذا النمط من السلوك يُكتسب اجتماعيًا منذ مراحل مبكرة، ضمن ما يُعرف في علم الاجتماع الحضري بضعف ترسيخ الوعي بالفضاء العام بوصفه مجالًا مشتركًا، مقابل التركيز الأكبر على نظافة المجال الخاص داخل المنزل.
وتضيف بكداش مثالًا من حديقة السبكي في دمشق، حيث لاحظت، بحسب مشاهدتها الشخصية، مظاهر إهمال متكررة من بعض الزوار، بما في ذلك الأطفال، ما جعلها تتردد في اصطحاب ابنها إلى الحديقة رغم موقعها في قلب المدينة، بسبب ما تصفه بـ"التلوث البصري والبيئي المبالغ فيه".
أهمية تفعيل المخالفات
وترى بكداش أن معالجة هذا السلوك لا تقتصر على التوعية فقط، بل تتطلب إعادة بناء مفهوم المسؤولية تجاه الفضاء العام عبر التنشئة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الثواب والعقاب، إلى جانب تطبيق قوانين واضحة تُشعر الفرد بأن للمكان العام حقوقًا لا تقل عن حقوق المكان الخاص.
وفي هذا السياق، لا يُفسَّر التعامل غير المسؤول مع المكان العام فقط بضعف الانتماء، بل يرتبط أيضًا بعوامل بنيوية اجتماعية واقتصادية وثقافية. فالملاحظة اليومية تُظهر تباينًا في مستوى النظافة بين الأحياء ذات الدخل المرتفع والأحياء الأقل دخلًا، حيث تبدو الأولى أكثر تنظيمًا ونظافة مقارنة بالأخرى التي تعاني من تراكم النفايات أو ضعف الخدمات.
وتشير بكداش إلى أن ما يُعرف بـ"التعوّد البصري على التلوث" قد يسهم في تطبيع المشهد غير النظيف، بحيث يصبح جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية، ما يقلل من حساسية الأفراد تجاهه مع مرور الوقت.
كما ترتبط هذه الظاهرة، بحسبها، بضعف ترسيخ ثقافة الفضاء العام، وبغياب أو تفاوت تطبيق القوانين الرادعة بين المناطق.
وتؤكد أن تعزيز احترام المكان العام لا يمر عبر التوعية وحدها، بل يحتاج إلى سياسات واضحة تشمل تفعيل الغرامات، إلى جانب ترسيخ سلوكيات يومية تجعل الفرد أكثر وعيًا بمحيطه الخارجي، لا بمساحته الخاصة فقط.
في النهاية، لا تبدو القمامة في الشارع مجرد مخلفات تُجمع ثم تختفي، بل انعكاسًا لعلاقة أوسع بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه. من مدخل بناء يتحول إلى مساحة تنظيف يومية، إلى شارع يحتاج عامل نظافة إلى العودة إليه مرات متكررة خلال ساعات عمله، وصولًا إلى حفل ينتهي وتبقى آثاره في المكان، تتكرر الصورة نفسها بأشكال مختلفة.
بين من يمرّ دون أن يلتفت، ومن يحاول الحفاظ على مكان لم يتسبب هو في اتساخه، تظهر فجوة تتجاوز السلوك الفردي إلى سؤال أعمق: كيف يصبح الفضاء العام جزءًا من مسؤولية الجميع، لا مساحة لا تخص أحدًا؟
فربما لا تبدأ المشكلة بما يُرمى على الأرض فقط، بل بالطريقة التي نرى بها المكان من حولنا؛ ما نعتبره خاصًا نعتني به، وما نتركه عامًا ننسى أنه لنا أيضًا.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=206484