حين كان الحلم العربي ممكناً… أوبريت الحلم العربي… حكاية جيلٍ سوريٍّ خذلته الأيام
20/07/2026



ما لا يفهمه العالم تمامًا هو أن الخسارة السورية لم تكن فقط خسارة مدنٍ وبيوتٍ وأرواح كانت خسارة مستقبلٍ كامل كان يمكن أن يكون , وهذا هو الجرح الحقيقي ليس فقط ما ضاع , بل ما كان ممكنًا

ضبط الإطار المالي أحد أهم عوامل النجاح.. المهندس ياسر أسعد : اللامركزية  الإدارية كأداة تنموية لإعادة الإعمار في سوريا - أخبار الاستثمار وإعادة  الإعمار في سورية

 
لن تستغرب الحديث عن " الحلم العربي " بينما يحاول الكاتب " ياسر علي أسعد " في مقاله الأسبوعي لموقع سيرياستيبس التأكيد أنّ الأحلام لاتتوقف وأن اجتاحتها الكوابيس ولونها سواد الليل بالخوف والقهر .. 
"أسعد " يريد أن يقول ويؤكد لنا جميعاً  أن الأحلام مازالت ممكنة " فما يحتاجه السوريون هو استعادة الإيمان بأنهم يستحقون مستقبلًا كبيرًا فالحلم ليس رفاهية "
  
سيرياستيبس
كتب المهندس ياسر علي أسعد
في التسعينات من القرن الماضي ، حلم الشباب السوريون أحلاما بسيطة، حلَم بأن يسافر إلى أيّ بلدٍ عربيٍّ دون أن تمنعه الحدود حلَم بأن تعتمد شهادته الجامعية في القاهرة وأبوظبي ودبي والرياض وبيروت وتونس والجزائر , حلَم بأن يعمل حيث تتوفر فرص العمل , حلَم بسوقٍ واحدة وتأشيرةٍ واحدة وقطارٍ يمتدّ من دبي إلى الدار البيضاء دون أن يحتاج المسافر إلى أن يشرح هويته كلَّ ألف كيلومتر وفوق كل ذلك  -  حلَم بأن يُحبَّ وطنًا أكبر من بلده
.
حضن يضمّنا كلنا

لمن لم يعِاصر تلك المرحلة , يصعب أن يفهم كيف كانت الروح العربية في تلك السنوات -  هشّة نعم، لكنها لم تُكسَر بعد, كانت حرب الخليج قد أحدثت جرحًا عميقًا في الوجدان وكان اتفاق أوسلو قد أعطى وهمًا بأن القضية الفلسطينية وجدت طريقها إلى الحل وكان العالم يشهد موجةً من التكتلات والتوحّد  -  أوروبا توحّدت والتجارة العالمية انفتحت وبدا أنّ التاريخ يسير نحو التقارب لا التشظّي كان ذلك في زمنٍ لم نكن نعرف فيه بعدُ كيف نحزن على المستقبل . 

في منتصف التسعينيات، كان الشابُّ السوري يجلس أمام شاشة التلفزيون الصغيرة يشاهد أوبريت الحلم العربي وعيناه تتّسعان، وقلبه يخفق بشيءٍ لا اسم له تماماً  -  شيءٍ يقع في منتصف الطريق بين الفرح والإيمان , كان يرى نجومًا من كلّ أرجاء الوطن العربي، من بغداد إلى الرباط، من صنعاء إلى الكويت، يقفون صفًّا واحدًا، ويُغنّون بصوتٍ واحد,
 " ده حلمنا طول عمرنا، حضن يضمّنا كلنا كلنا  "
 
لم يكن الأمر مجرّد أغنية كان ذلك وعدًا

والعجيب أن المؤسسات السياسية العربيه في تلك الفترة ذاتها كانت تتحرّك ولو ببطء في الاتجاه نفسه الذي كانت تُغنّيه الأوبريت, في عام 1996 عاد القادة العرب إلى الاجتماع بعد انقطاع وكانت كلمة "التكامل" على كل شفة, وفي شباط 1997، أقرّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية قرار إنشاء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وفي كانون الثاني 1998 بدأ التنفيذ تخفيض تدريجي للرسوم الجمركية طريقا نحو سوقٍ عربية مشتركة حقيقية .
 
كان ثمة لحظةٌ حيث كانت الأغنية والسياسة تسيران معًا , حيث كان الفن يُعبّئ الجماهير نحو ما كانت الاتفاقيات ترسمه على الورق, لحظةٌ ادّعت فيها الأمة العربيه أنها ستكون أكثر من مجموع أجزائها وكان الشباب السوريون يُصدّقون . 
لا ينبغي أن نُبسّط أحلام جيلٍ بكامله لكنّ ثمة خيط مشترك كان يجمع أبناء ذلك الجيل من المحيط إلى الخليج، وهو خيطٌ لم يكن سياسيًا في جوهره — كان إنسانيًّا , إنه حلم الكرامة , أن يُعامَل المواطن العربي في المطار كما يُعامَل الأجنبي , بأن لا يكون جواز سفره مصدر ريبة, بأن ينتمي إلى كيانٍ يحترمه العالم بدل أن يتعاطف معه .
كان يحلم بالرقيّ أيضا مراكز بحثية عربية تُنافس وجامعاتٌ تُصدّر العقول لا تستوردها وصناعةٌ تُنتج لا تستهلك وتجاره لاتوقفها حدود , حلَم بيومٍ تُكتب فيه تكنولوجيا يبتكرونها بالعربية دون أن تُترجَم , ببساطة حلم بالمستقبل ,مستقبلٌ يستحق الجهد والتعب .

نكسات ضيعت الحلم 

غير أن التاريخ لم يكن كريمًا , جاءت الألفيه الثانيه مُحمَّله بما لم يكن أحدٌ يتوقعه,انتفاضة الأقصى, ثم الحادي عشر من سبتمبر، ثم حروبٌ لم تنتهِ، ثم ربيعٌ تحوّل في معظمه إلى شتاءٍ طويل.  
وتساءل الشبابُ السوري، الذي بات يكبر الآن ويحمل أطفاله على كتفيه أين ذهبت سنوات الأحلام ؟ لماذا لا تزال التأشيرة حاجه ملحه ؟ لماذا المسافة الى القاهرة وبغداد، أبعد اليوم مما كانت عليه . 
الجرح السوري كان أعمق من ذلك كلّه , في نهاية التسعينيات كان الشاب السوري يحمل حلمًا صغيرًا وصامتًا داخل صدره لم يكن يحلم بثورة ولا بانقلاب كان يريد حياةً طبيعية فقط, وظيفة محترمة وبيتًا صغيرًا ومساحةً من الحرية ومستقبلًا يمكن التخطيط له دون خوف .
كانت الجامعات السورية تُنتج كفاءات حقيقية, أطباء ومهندسين وأدباء وعلماء
لكن سوق العمل كان يعمل بمنطق المحسوبيات لا الجدارة , كان السوري يتخرّج بامتياز ثم يكتشف أن الوظيفة تحتاج إلى واسطة وأن المشروع يحتاج إلى حماية وأن النجاح نفسه يحتاج إلى إذنٍ غير مكتوب , حتى الحلم البسيط — العمل والزواج والاستقرار — كان يصطدم بجدرانٍ غير مرئية .
ورغم ذلك، ظلّت سوريا تُنتج ثقافةً حيّة كانت الدراما السورية في التسعينيات وبداية الألفية تعبّر عن روح شعبٍ ذكيٍّ وموهوبٍ ومليء بالحياة
في كل مسلسل ورواية ولوحة، كان السوريون يقولون للعالم إن هذا البلد يستحق فرصةً أفضل .

ربيع دمشق .. نافذة أغلقت سريعاً 

انطلق ما عُرف بـربيع دمشق وفتح نافذةً صغيرة من الأمل فجأةً امتلأت البلاد بالمنتديات الثقافية والنقاشات العامة من دمشق إلى القامشلي , ومن حلب إلى السويداء , بدأ المثقفون يتحدثون عن الإصلاح ورفع حالة الطوارئ وإطلاق الحريات والإفراج عن المعتقلين السياسيين ومحاربة الفساد كان ذلك انفجارًا لطاقةٍ مكبوتة منذ عقود , شعر السوريون أن السماء أصبحت في المتناول .
لكن النافذة أُغلقت بسرعة كانت الرسالة واضحة الحلم الذي سُمح لكم بحلمه يمكن استرداده في أي لحظة وفي الخلفية , كان الفساد يلتهم البلاد بهدوء , تحوّل الاقتصاد إلى شبكة مغلقة تتحكم بها قلةٌ صغيرة صار من المستحيل تقريبًا على أي شابٍّ أن يبني مشروعًا حقيقيًا دون المرور عبر طبقة النفوذ , الرشاوى والمحسوبيات لم تعد استثناءً بل أصبحت أسلوب حياة كامل .
تلك أخطر رسالة يمكن أن يتلقّاها جيلٌ كامل أن الكفاءة وحدها لا تكفي
 
والرصاص سبق الحوار

وفي الوقت نفسه، كان الشباب السوري يرى العالم عبر الإنترنت
يشاهد أقرانه في بلدان أخرى يؤسسون شركاتهم، ويناقشون حكوماتهم، ويشاركون في الانتخابات، ويخططون لمستقبلهم بثقة، بينما هو يتعلّم يوميًا كيف يُصغّر حلمه كي يناسب السقف المسموح به
ثم جاء عام 2011 , خرج السوريون إلى الشوارع , لم يكونوا يطلبون المستحيل
كانوا يطلبون ما طالب به مثقفو ربيع دمشق قبل ذلك بعقد , كرامة , إصلاح , حرية , وعدالة , لم تكن يطالب بإسقاط النظام بل بإصلاحه .
لكن الرصاص سبق الحواروتحوّل الإصلاح إلى قطيعة وتحول الحلم إلى مأساةٍ مفتوحة .
ومنذ ذلك الوقت عاش السوريون واحدةً من أكبر عمليات اقتلاع الأحلام في العصر الحديث , بعضهم أصبحوا لاجئين , بعضهم تحوّل إلى عامل نظافة في أوروبا بعدما كان طالبًا في كلية الهندسة وبعضهم استبدل حلم تأسيس شركةٍ أو مختبرٍ أو مشروعٍ ثقافي بحلمٍ أبسط بكثيرأن ينجو فقط وألا يعود إلى بلاده داخل صندوق خشبي .

العودة الى الحلم 

لكن ما لا يفهمه العالم تمامًا هو أن الخسارة السورية لم تكن فقط خسارة مدنٍ وبيوتٍ وأرواح كانت خسارة مستقبلٍ كامل كان يمكن أن يكون , وهذا هو الجرح الحقيقي ليس فقط ما ضاع , بل ما كان ممكنًا .
ومع ذلك ورغم كل شيء , لم يمت الحلم وهذه هي المفارقة المدهشة في الأحلام الحقيقية , أنها تبقى حيّة حتى حين يتظاهر أصحابها بأنهم نسوها , في عام 2024، عاد “الحلم العربي” بصيغة جديدة وأصوات جديدة وربما وقف شابٌّ سوريٌّ أمام الشاشة، كما وقف أبوه قبل ثلاثين عامًا يستمع،
 "  جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما.. يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما  "
 وشعر بذلك الإحساس القديم نفسه - ذلك الشيء الذي يقع بين الفرح والإيمان وهذا وحده كافٍ لنفهم شيئًا مهمًا أن الأمة التي تعود إلى حلمها مرارًا لم تيأس منه حقًّا .

ما يحتاجه السوريون اليوم ليس فقط خطةً اقتصادية رغم ضرورتها ولا مؤتمرًا سياسيًا جديدًا رغم أهميته , ما يحتاجونه قبل كل شيء هو استعادة الإيمان بأنهم يستحقون مستقبلًا كبيرًا فالحلم ليس رفاهية ,الحلم حقٌّ إنساني والشعوب التي تُحرَم من الحلم طويلًا لا تموت فقط من الفقر أو الحرب، بل تموت من فقدان الأمل أما السوريون، فرغم كل ما حدث، فما زالوا يحاولون أن يحبّوا وطنًا يستحق أن يُحَب وربما يكون هذا تحديدًا بداية النجاة , أننا نستحق حلمًا كبيرا , عقد اجتماعي جديد أساسه حريه الرأي والمعتقد وإحترام الأخر المختلف وسياده القانون .



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=206584

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc