مرض الإيدز في سوريا.. هل تكشف الأرقام انتشارا أم تحسنا في الرصد؟
20/07/2026
سيرياستيبس
لم تكن "يارا" (اسم مستعار) تتوقع أن تتحول زيارة طبية روتينية إلى بداية رحلة طويلة من الأسئلة والخوف ومحاولات التأقلم مع مرض لم تكن تعرف عنه سوى الصورة النمطية المرتبطة به. ففي عام 2018، وبعد سنوات من خروجها من سوريا إلى فرنسا هرباً من ظروف الحرب، اكتشفت إصابتها بفيروس نقص المناعة البشرية HIV، بعد انتقال العدوى إليها من زوجها، بحسب روايتها، إثر علاقة أقامها خارج إطار الزواج مع فتاة فرنسية.
تقول الأربعينية لـ "تلفزيون سوريا" إنها لم تشك يوماً بإمكانية إصابتها، ولم تكن تعاني من أعراض واضحة دفعتها إلى إجراء الفحص، إلا أن ظهور تغيرات صحية لاحقاً دفعها إلى مراجعة الطبيب، لتأتي نتيجة التحليل صادمة بالنسبة لها ولعائلتها.
"كانت الصدمة الأولى هي المرض نفسه، أما الصدمة الأكبر فكانت الخوف من نظرة المجتمع"، تقول يارا، موضحة أن أكثر ما كان يؤلمها هو ارتباط الفيروس في أذهان كثيرين بسلوكيات محددة، رغم أن طرق انتقاله متعددة، وأن كثيراً من المصابين قد يكونون ضحايا انتقال العدوى من شريك أو عبر أسباب أخرى.
بعد تشخيص إصابتها، بدأت يارا رحلة العلاج والمتابعة الطبية، وتؤكد أن حصولها على الدواء بشكل منتظم ساعدها على مواصلة حياتها بصورة طبيعية، لكنها بقيت حريصة على إخفاء إصابتها خشية التعرض للوصمة أو التمييز، في ظل استمرار النظرة الاجتماعية القاسية تجاه المصابين بفيروس HIV.
قصة يارا ليست حالة معزولة، لكنها تعكس جانباً من التحديات التي تواجه المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في سوريا، في وقت تشير فيه بيانات البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز إلى ارتفاع عدد الحالات المكتشفة خلال السنوات الأخيرة، وسط تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يعكس زيادة فعلية في انتشار الفيروس، أم نتيجة تحسن عمليات الرصد والوصول إلى المصابين.
أرقام الإصابات.. ارتفاع تدريجي خلال السنوات الأخيرة
تكشف بيانات البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز عن ارتفاع تدريجي في عدد الحالات المكتشفة خلال السنوات الأخيرة، إذ سجلت سوريا 30 إصابة جديدة عام 2020، ارتفعت إلى 39 إصابة عام 2021، ثم إلى 60 إصابة عام 2022، وواصلت الارتفاع إلى 95 إصابة عام 2023، قبل أن تصل إلى 212 إصابة خلال عام 2025.
وخلال النصف الأول من عام 2026، سجل البرنامج 103 إصابات جديدة، وهو ما يعيد طرح التساؤلات حول أسباب ارتفاع أعداد الحالات المكتشفة، وما إذا كانت مرتبطة بزيادة الانتشار الفعلي للفيروس، أم بتوسع عمليات الكشف والوصول إلى المصابين.
وبحسب بيانات البرنامج، بلغ العدد التراكمي للمصابين السوريين المسجلين خلال الفترة الممتدة بين عامي 1987 و2025 نحو 1166 مصاباً. وتشير المعطيات إلى تغير مصادر الإبلاغ عن الحالات خلال السنوات الماضية، إذ كانت البيانات حتى عام 2024 تصل من أربيل في العراق، بينما أصبحت بعد عام 2025 تشمل حالات قادمة من تركيا وأوروبا، إضافة إلى الحالات المكتشفة داخل سوريا.
وتشير الأرقام إلى تسجيل حالات بين فئات مختلفة من المجتمع، من بينها 18 طفلاً في المدارس السورية مصابين بفيروس HIV، إضافة إلى تسجيل إصابات بين نساء حوامل سابقاً بنسبة بلغت نحو 4 في المئة من الحالات المسجلة.
ارتفاع الحالات.. زيادة انتشار أم تحسن في الكشف؟
يقول مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز الدكتور عمر أبو النعاج إن تسجيل 212 إصابة جديدة خلال العام الماضي لا يعكس بالضرورة ارتفاعاً حقيقياً في انتشار المرض، موضحاً أن الزيادة ترتبط بشكل أساسي بتحسن آليات الرصد والكشف، إضافة إلى عودة عدد من السوريين من الخارج ممن كانوا يعلمون بإصابتهم مسبقاً أو يتلقون العلاج خارج البلاد.
ويضيف أبو النعاج لـ " تلفزيون سوريا" أن عودة هؤلاء الأشخاص إلى سوريا دفعتهم إلى مراجعة وزارة الصحة للحصول على الأدوية والخدمات الطبية، الأمر الذي أسهم في ظهور عدد من الحالات ضمن سجلات الوزارة.
وأوضح أن الرقم المتداول حول تسجيل 1538 إصابة منذ عام 1990 هو رقم تراكمي للمرضى الأحياء وفق سجلات البرنامج، وليس عدد الحالات المكتشفة خلال عام واحد، مشيراً إلى أن تحسن الثقة بين المواطنين والمؤسسات الصحية، وضمان السرية والخصوصية، ساعدا على زيادة الإبلاغ الطوعي عن الحالات.
آليات الرصد والفحص
تعتمد وزارة الصحة في اكتشاف الحالات، بحسب البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، على عدة مسارات، أبرزها الفحوصات التي تجرى في عيادات ما قبل الزواج، وبنوك الدم، إضافة إلى المسوحات التي تنفذها الوزارة للفئات الأكثر عرضة للإصابة.
ويؤكد أبو النعاج توفر اختبارات الكشف السريع عن فيروس HIV في جميع المحافظات، مشيراً إلى أنها اختبارات سهلة الاستخدام ولا تحتاج إلى تجهيزات معقدة، ما يسمح بتوسيع نطاق الوصول إلى الأشخاص الراغبين بإجراء الفحص.
وتشير بيانات البرنامج إلى أن أكثر طرق اكتشاف الحالات خلال الفترة الأخيرة جاءت عبر مراكز المشورة والاختبار التي سجلت 399 إصابة، تليها الحالات المكتشفة نتيجة الإقامة أو المتابعة الصحية بـ121 إصابة، ثم الإحالات من المشافي بـ79 إصابة.
كما سجلت الفحوصات التي أجريت ضمن بنوك الدم 61 إصابة، بينما كشفت عيادات ما قبل الزواج عن 55 إصابة، وسجلت حالات نتيجة المخالطة الجنسية 51 إصابة، في حين أظهرت المسوحات الصحية 10 إصابات.
الوصمة الاجتماعية.. العائق الأكبر
لا يزال الخوف من الوصمة الاجتماعية والتمييز أحد أكبر التحديات التي تواجه جهود مكافحة فيروس HIV في سوريا، إذ يخشى بعض الأشخاص إجراء الفحص أو الكشف عن إصابتهم خشية ردود الفعل الاجتماعية.
ويرى أطباء مختصون في الأمراض المعدية أن التشخيص المبكر يمثل عاملاً أساسياً في السيطرة على المرض، إذ يسمح ببدء العلاج في الوقت المناسب، ويخفض من احتمالية انتقال العدوى، بينما يؤدي تأخر الفحص إلى تعقيد الحالة الصحية للمصاب.
ويؤكد مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز أن الوزارة تعمل على مواجهة هذه المشكلة عبر نشر الوعي والتثقيف المجتمعي بالتعاون مع الإعلاميين وخطباء المساجد، إضافة إلى تدريب وتأهيل الكوادر الطبية بشكل مستمر، مع الحفاظ على سرية بيانات المصابين وخصوصيتهم.
الخوف من الوصمة.. عبء نفسي يرافق المصابين
لا يرتبط التحدي الذي يواجه المصابين بفيروس HIV بالجانب الصحي فقط، إذ يحمل المرض في كثير من المجتمعات وصمة اجتماعية تجعل بعض المصابين يعيشون حالة من الخوف والعزلة، نتيجة ارتباط الإصابة في الوعي العام بسلوكيات أخلاقية محددة، رغم أن انتقال الفيروس يمكن أن يحدث عبر طرق متعددة.
ويقول الخبير النفسي رامي المحمود لـ "تلفزيون سوريا " إن المصاب بفيروس HIV لا يواجه المرض من الناحية الصحية فقط، بل يواجه أيضاً ضغطاً نفسياً واجتماعياً ناتجاً عن الصورة النمطية السائدة حول الفيروس، مشيراً إلى أن الخوف الأكبر لدى كثير من المصابين لا يكون من المرض نفسه، وإنما من رد فعل المجتمع تجاههم.
ويضيف المحمود أن ربط الإصابة بفيروس HIV بشكل مباشر بالسلوك الأخلاقي يعد من أبرز أسباب الوصمة، موضحاً أن هذه النظرة تدفع بعض المصابين إلى إخفاء حالتهم أو تجنب إجراء الفحوصات خشية الحكم عليهم أو تعرضهم للتمييز.
ويشير إلى أن التعامل مع المصاب يحتاج إلى تغيير في طريقة النظر إلى المرض، باعتباره حالة صحية يمكن التعامل معها بالعلاج والمتابعة، وليس دليلاً على سلوك أو صفة شخصية، لافتاً إلى أن انتقال العدوى قد يحدث عبر طرق متعددة، بينها الدم الملوث، أو الأدوات الحادة غير المعقمة، أو من الأم المصابة إلى طفلها في بعض الحالات.
الإصابات حسب الحالة الاجتماعية والمهنة
تظهر بيانات عام 2025 أن النسبة الأكبر من المصابين المسجلين كانت بين العازبين، إذ بلغ عددهم 203 حالات، مقابل 104 حالات بين المتزوجين، و8 حالات بين المطلقين، و5 حالات بين الأرامل.
أما من حيث المهن، فقد سجلت البيانات إصابات بين مختلف الشرائح الاجتماعية، بينها 193 إصابة ضمن فئة الأعمال الحرة، و103 إصابات بين الجامعيين، إضافة إلى 25 مهندساً، و12 طبيباً بشرياً، و9 أطباء أسنان، و9 مدرسين، و7 صيادلة.
توزع الإصابات بين المحافظات
تتركز أكبر أعداد المصابين المسجلين في محافظة دمشق، حيث بلغ عدد الحالات قيد المتابعة 276 حالة، إضافة إلى 111 حالة وفاة و12 حالة خارج القطر.
وجاءت محافظة حلب في المرتبة الثانية بـ120 حالة قيد المتابعة، و77 حالة وفاة، و31 حالة خارج القطر، تليها ريف دمشق بـ93 حالة متابعة و24 حالة وفاة.
وسجلت اللاذقية 62 حالة قيد المتابعة، و21 حالة وفاة، و12 حالة خارج القطر، في حين بلغت الحالات في حمص 40 حالة متابعة، و34 حالة وفاة، و15 حالة خارج القطر.
وسجلت درعا 23 حالة متابعة، و13 حالة وفاة، وحالة واحدة خارج القطر، وطرطوس 21 حالة متابعة، و13 حالة وفاة، وحالتين خارج القطر، والسويداء 21 حالة متابعة، و12 حالة وفاة، وحالتين خارج القطر.
وفي حماة، بلغت الحالات قيد المتابعة 20 حالة، مقابل 9 حالات وفاة وحالة واحدة خارج القطر، بينما سجلت دير الزور 21 حالة متابعة و8 حالات وفاة.
وسجلت الرقة 13 حالة متابعة، و8 حالات وفاة، و4 حالات خارج القطر، والحسكة 7 حالات متابعة و12 حالة وفاة، وإدلب 13 حالة متابعة و5 حالات وفاة.
وتظهر بيانات التوزع الجغرافي أن الإصابات المسجلة لا تقتصر على محافظة واحدة، وإنما تنتشر في مختلف المناطق السورية، مع تفاوت واضح في أعداد الحالات بين المحافظات.
العلاج الحديث.. من مرض وصمة إلى حالة يمكن التعايش معها
لا يزال فيروس HIV يرتبط في الوعي العام بصورة مخيفة، إلا أن التطورات الطبية خلال السنوات الماضية غيّرت طبيعة التعامل مع المرض، إذ أصبح المصاب قادراً على ممارسة حياته بشكل طبيعي في حال التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج.
ويقول طبيب مختص في الأمراض المعدية عدنان الأحمد لـ " تلفزيون سوريا" إن فيروس HIV لم يعد كما كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره مرضاً يؤدي حتماً إلى تدهور الحالة الصحية، موضحاً أن توفر الأدوية الحديثة المخصصة للسيطرة على فيروس HIV أحدث تحولاً كبيراً في التعامل مع المرض، إذ ساعدت المصابين على خفض نشاط الفيروس والحفاظ على حالتهم الصحية مستقرة لسنوات طويلة عند الالتزام بالعلاج والمتابعة الطبية".
ويضيف الطبيب أن سوريا تعد من الدول ذات المعدلات المنخفضة في انتشار فيروس HIV، إذ تشير التقديرات إلى وجود إصابة مكتشفة واحدة تقريباً مقابل كل 100 ألف شخص.
ويؤكد أن الالتزام بالعلاج واتباع البروتوكولات الطبية المعتمدة يمكن أن يحد بشكل كبير من انتقال الفيروس، موضحاً أن المصابين بالفيروس قادرون على الإنجاب وإنجاب أطفال غير مصابين في حال الحصول على العلاج المناسب والمتابعة الطبية المنتظمة.
ويشير إلى أن الفترة الماضية شهدت ولادة 11 طفلاً غير مصابين بالفيروس من آباء أو أمهات متعايشين مع HIV، نتيجة التزام الوالدين بالعلاج الصحيح، موضحاً أن نسبة انتقال العدوى إلى الطفل يمكن خفضها إلى نحو 1 في المئة عند تطبيق الإجراءات الوقائية المعتمدة.
وأوضح أن منع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل يعتمد على إعطاء العلاج المضاد للفيروسات في أثناء فترة الحمل، إضافة إلى أدوية وقائية للطفل بعد الولادة، مع متابعة طبية دقيقة وفق البروتوكولات الصحية المعتمدة.
كما يؤكد الطبيب أن تقديم العلاج والمتابعة للأشخاص المتعايشين مع الإيدز بدأ منذ عام 2003 وما زال مستمراً، حيث يتم تقديم أحدث الأدوية ومتابعة الاستجابة للعلاج مجاناً.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد أكدت استمرار دعم وزارة الصحة في سوريا من خلال المساهمات المالية للصندوق العالمي، وتعزيز القدرات الوطنية في مجال الاستشارة والفحص الطوعي، وتدريب العاملين الصحيين على الوقاية والتشخيص والعلاج، وتأمين الأدوية المضادة للإيدز لجميع الحالات التي يتم تشخيصها.
علاج مجاني ومتابعة دورية
يؤكد مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز أن علاج المصابين يقدم مجاناً لجميع المرضى من دون استثناء، بموجب تعميم صادر عن وزير الصحة يلزم المشافي العامة ومديريات الصحة بتوفير الخدمات الطبية والعلاجية.
وأوضح أن الوزارة تجري فحوصات متابعة دورية للمصابين، تشمل قياس الحمل الفيروسي وعدد خلايا CD4 كل ثلاثة أشهر، بهدف تقييم استجابة المرضى للعلاج والتأكد من فعاليته.
وبينما تشير وزارة الصحة إلى أن ارتفاع عدد الحالات المكتشفة يرتبط بتحسن الرصد والوصول إلى المصابين، يبقى التحدي الأكبر في الوصول إلى الأشخاص الذين لم يجروا الفحص بعد، في ظل استمرار الوصمة التي تدفع بعضهم إلى إخفاء الإصابة أو تأجيل طلب الرعاية.
فالأرقام المتزايدة لا تقدم وحدها صورة كاملة عن واقع الفيروس في سوريا، بل تكشف أيضاً عن معركة أخرى تخوضها الجهات الصحية، عنوانها بناء الثقة وتشجيع الفحص المبكر، بعيداً عن الخوف والتمييز.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=206589