على منبر العلوم الاقتصادية ..
الدكتور جمعة حجازي يحاول مقاربة الحماية الاجتماعية في سورية مع الواقع






سيرياستيبس :

عبَّر د. جمعة حجازي عن سعادته لإتاحة جمعية العلوم الاقتصادية الفرصة له للوقوف على هذا المنبر الذي تناوب عليه الكثير من الأساتذة والمختصين وكانت لهم بصمتهم عبر عقود طويلة من الزمن.

وتساءل في البداية كيف لنا أن نقارب موضوع الحماية الاجتماعية في سورية مع الواقع، وهذا هو جوهر المحاضرة الذي ستغنيه نقاشاتكم.

استعرض في البداية منظومة الحماية الاجتماعية في سورية وما تتضمنه من الخدمات الاجتماعية التي تصل إلى الأسرة عبر التعليم والصحة والرعاية والتشغيل، ومن ثم يأتي الضمان وشبكات الأمان وسوق العمل.

وأكد المحاضر أن الفكرة الأساسية للموضوع ترتكز على أن القضية ليست محصورة في انسحاب الدولة من دورها أو العودة إلى نموذج الرعاية القديم، ولكن القضية كيف تتغير وظيفة الدولة في اقتصاد السوق من ممول مباشر وداعم للأسعار وموظفٍ رئيسي… إلى ضامن للحقوق، ومنظم للسوق، ومموّل للحماية الأساسية، ومصححٍ لنتائج السوق الاجتماعية ..؟

والسؤال المطروح لماذا فشل نظام الحماية في سورية ؟

يرى د. حجازي أن الفساد والهدر وعدم الإنصاف حوّلت الموارد من حماية المواطنين إلى منظومة منخفضة الأثر والثقة، وبذلك وصلنا إلى حماية أقل، وتراجع جودة الخدمات، واتساع الفجوات الجغرافية والاجتماعية، إضافة إلى فقدان الثقة في المؤسسات، موضحاً أن النموذج السوري فريد من نوعه وهجين.


وتحدث المحاضر عن مراحل الحماية الاجتماعية في سورية وصولا إلى مرحلة ما بعد التحرير، وتشير المراجعة إلى أن الحماية الاجتماعية لم تعد تُفهم، في المرحلة الجديدة بعد التحرير، باعتبارها مجرد دعم سلعي أو معونة ظرفية أو شبكة أمان تعويضية، بل باعتبارها منظومة أوسع للأمن الإنساني والبشري، يكون معيارها الأساسي هو أثرها المباشر على دخل الأسر، وقدرتها على العيش الكريم، والوصول إلى العمل والخدمات الأساسية، ومن هذا المنظور، يصبح تحسين الدخل وحماية القدرة الشرائية نقطة الارتكاز الأولى في أي سياسة حماية حديثة، لأن الفقر في الحالة السورية لم يعد مرتبطاً فقط بنقص الخدمات، بل أيضاً بفقدان مصادر الرزق، وتراجع الأجور الحقيقية، وضعف فرص العمل، وانكشاف العاملين في القطاع غير المنظم، ولا تعني أولوية الدخل إهمال الخدمات، بل تعني توجيهها بفعالية أكبر إلى الفئات المحتاجة، فاستمرار دعم التعليم والصحة، وتحسين كفاءة الإنفاق عليهما، وتوجيههما للفئات الهشة، يمثل مدخلاً أساسياً لبناء رأس المال البشري، والحد من انتقال الفقر بين الأجيال، كما أن تعزيز كفاءة التأمينات والأنظمة الصحية، وتوسيع التغطية لتشمل العاملين خارج القطاع المنظم، يشكلان ركيزة أساسية لأي منظومة حماية حديثة، أكثر قرباً من النظم العالمية التي تنظر إلى الحماية الاجتماعية باعتبارها استثماراً في الإنسان والمجتمع، لا مجرد كلفة على الموازنة.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها لأنها تربط الحماية الاجتماعية بإعادة بناء رأس المال الاجتماعي أيضاً. فقد أظهرت الوثائق أن الحرب أضعفت الثقة، وشبكات التضامن، والمشاركة المجتمعية، وزادت الاعتماد على الحماية غير الرسمية، مثل الجمعيات، والتحويلات، وشبكات القرابة.

ومن ثم، فإن الحماية في سوريا الجديدة ينبغي أن تُبنى على عقد اجتماعي جديد يوزع الأدوار بين الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع الأهلي، والمجتمع المدني، والمؤسسات الدولية. وفي هذا الإطار، لا يكون القطاع الخاص مجرد مانح أو فاعل خيري، بل شريكاً في التشغيل، والتدريب، وتحسين شروط العمل، وتوسيع التأمينات، ودعم الخدمات، وتحمّل مسؤولية اجتماعية أكثر تنظيماً وارتباطاً بأهداف التنمية.

وفي هذا السياق، تبدو موازنة المواطن لعام 2026 محاولة لإعادة ربط الموازنة بحياة المواطن اليومية، من خلال إبراز الدعم والضمان الاجتماعي، والخدمات الأساسية، والصحة، والتعليم، ومحدودي الدخل، ضمن خطاب مالي أكثر شفافية، غير أن أهمية هذه الموازنة لا تُقاس بمجرد حجم الاعتمادات المرصودة، بل بمدى قدرتها على تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوجيه الموارد إلى الفئات المحتاجة، وتحويل الدعم من أداة واسعة وغير دقيقة إلى منظومة أكثر عدالة واستهدافاً وقياساً للأثر.

ولذلك فإن التحدي في سوريا الجديدة لا يتمثل فقط في زيادة الإنفاق على الحماية الاجتماعية، بل في بناء منظومة حماية أكثر فعالية، تركز على النتائج: دخل أفضل، عمل لائق، خدمات صحية وتعليمية أكثر جودة، تأمينات أوسع، حماية للفئات الهشة، ومجتمع أكثر تماسكاً وثقة.

وعليه فإن الحماية الاجتماعية بعد التحرير ينبغي أن تُعرض بوصفها منظومة جديدة كلياً تقترب من النظم العالمية الحديثة التي تربط الحماية بتعزيز رأس المال البشري والاجتماعي، وتحسين إنتاجية الأفراد، وبناء الأمن الإنساني، وترسيخ العدالة الاجتماعية. فهي لم تعد مجرد أدوات للتخفيف من الفقر، بل أصبحت جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة والمجتمع، عبر حماية الدخل، وتوجيه الخدمات، وتوسيع التغطية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز الشراكة، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

وبهذه الرؤية، تصبح الحماية الاجتماعية في سوريا الجديدة مدخلاً للتنمية والاستقرار، وليست سياسة تعويضية منفصلة عن التحول الاقتصادي والاجتماعي.

مؤكداً أن الخطة الخمسية العاشرة 2006–2010 كانت محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين السياسة الاقتصادية والسياسة الاجتماعية، فقد طرحت إصلاح الدعم، بناء شبكات أمان، إنشاء الصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية، تطوير التأمين الصحي، التمويل الصغير، وتحسين التعليم والصحة، لكن المشكلة الجوهرية أن الإصلاح الاقتصادي سبق الحماية الاجتماعية، إذ بدأت الدولة بالتحرير الجزئي للأسعار وتقليص بعض أشكال الدعم قبل أن تنضج أدوات التعويض والاستهداف.

لافتاً إلى أنه في مرحلة ما بعد التحرير، لا يمكن اختزال النقاش في إلغاء الدعم أو الإبقاء عليه كما هو، فالدعم القديم كان مكلفاً وغير عادل، لكن إلغاءه دون شبكة أمان بديلة قد يؤدي إلى صدمات سعرية واجتماعية واسعة، خاصة مع اتساع الفقر إلى مستويات تقارب 90% من السكان . لذلك يصبح المنطق المطلوب هو إعادة توجيه الدعم من دعم السلع إلى دعم الإنسان، وربطه بالسجل الاجتماعي، والتحويلات النقدية، والتعليم، والصحة، والتشغيل، وتوسيع التأمينات.

وتتطلب المرحلة المستقبلية بناء نظام حماية لا يختزل الحماية في الدعم ولا في التأمينات فقط، بل يدمج بين دعم الإنسان، التأمينات الموسعة، التأمين الصحي، تأمين البطالة، التعليم، الصحة، الإعانات النقدية والعينية، العمل اللائق، والرعاية الاجتماعية، ففلسفة السياسة هنا تقوم على إدارة المخاطر عبر دورة الحياة، لا فقط تعويض الفقر بعد وقوعه.

ومن المقترحات التي قدمها المحاضر للمرحلة المستقبلية المطلوب هو إعادة توجيه الدعم من دعم السلع إلى دعم الإنسان، وربطه بالسجل الاجتماعي، والتحويلات النقدية، والتعليم، والصحة، والتشغيل، وتوسيع التأمينات.

أدار الندوة الأستاذ طريف صابوني عضو مجلس إدارة الجمعية، حيث أشار إلى أن هناك إشارات استفهام كثيرة حول موضوع الحماية الاجتماعية وخاصة لدى ذوي الدخل المحدود عبر دور الدولة في الدعم المباشر وغير المباشر. وتمنى أن تكون النقاشات غنية للوصول إلى حماية اجتماعية أفضل. منوها إلى أن د. حجازي غني عن التعريف وشغل عدة مناصب لدى المنظمات الدولية.

المداخلات

– أستاذ فؤاد اللحام أمين سر جمعية العلوم الاقتصادية. شكر المحاضر على العرض الجيد. وركز على موضوع أموال التأمينات الاجتماعية التي يجب أن تبقى خاصة بالمتقاعدين لا أن تتحول لإيرادات حكومية .

– د. علاء سليمان: على القطاع الخاص أن يتولى مهمة تدريب وتأهيل الكوادر وتعزيز ثقافة سوق العمل.

– الأستاذة هنا الحسيني – قالت: باعتبار أن نسبة من هم تحت خط الفقر 90 % والفقراء 95% والأغنياء نسبتهم 5 %. فهل من المعقول من أجل عدم تشميل 5 % من الأغنياء نوقف كل الدعم ..؟!

– الأستاذ محمد حلاق: بصراحة بحث غني يحتاج إلى حوار ونقاش أكثر لكل تفصيل. والقطاع الخاص كان له دور في دعم الجمعيات الخيرية، ومشكلة التأمينات الاجتماعية بحاجة إلى حل جذري.

– الأستاذ طارق الأصيل: سبب ضعف التأمينات الاجتماعية الفساد ودور القطاع الخاص مترابط مع التأمينات الاجتماعية، وله أثر ايجابي. وفيما يتعلق بالقطاع الزراعي فهو غير مشمول بالتأمينات الاجتماعية ولا بد من حماية العمالة الزراعية.

– الأستاذ حسن جبران: يجب أن يتغير دور فلسفة الدولة وأن يكون بناء النظام قائم على العدالة والانصاف.

– د. معن النقري: طالب بتجنب الإدارة بالصدمات.

السلطة الرابعة



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=206593

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc