معامل حلب تعمل بأقل من طاقتها.. صناعيون يحذرون من توقف الإنتاج وخسارة فرص العمل
27/07/2026
سيرياستيبس
تواجه مدينة حلب، التي عُرفت لعقود بأنها عاصمة الصناعة السورية، تراجعاً في النشاط الإنتاجي، وانخفاضاً في أعداد العاملين، وتجميداً لخطط التوسع لدى عدد من المنشآت. ولا تشير شهادات الصناعيين إلى سبب واحد للأزمة، بل تكشف عن تراكم تحديات أمنية واقتصادية وخدمية دفعت كثيراً من المعامل إلى العمل بأقل من طاقتها، في حين توقفت أخرى عن الإنتاج بصورة شبه كاملة.
في المقابل، يرى عدد من الصناعيين أن استمرار بعض المنشآت في الإنتاج والتصدير وتحقيق الأرباح يؤكد أن الأزمة لا ترتبط بتقصير الجهات المعنية وحدها، بل تتأثر أيضاً بقدرة أصحاب المعامل على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، والاستثمار في حلول بديلة تضمن استمرارية الإنتاج.
وخلال جولة أجراها موقع تلفزيون سوريا في منطقة الليرمون الصناعية ومحيطها، تكررت شكاوى الصناعيين من ارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف الخدمات، وهشاشة الوضع الأمني، وتراجع الطلب في السوق المحلية. ورغم ذلك، أكد كثير منهم تمسكهم بالاستمرار، عبر الاعتماد على بدائل الطاقة، والتوجه نحو التصدير، والبحث عن وسائل تخفض كلفة الإنتاج وتحافظ على دوران عجلة الصناعة.
من 32 عاملاً إلى عاملين
يصف صناعيون الوضع الحالي بأنه "بطالة مقنّعة" داخل المعامل. وبحسب الصناعي فادي طحان، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، فإن معمله، الذي كان يشغّل 32 عاملاً، بات يعمل اليوم بعاملين فقط، نتيجة لضعف الطلب وتراجع حركة السوق.
وأشار طحان إلى أن عدداً كبيراً من المعامل يعمل بجزء بسيط من طاقته، في حين اختار بعض أصحابها تشغيلها بالحد الأدنى لتأمين أجور العمال فحسب، في ظل غياب السيولة اللازمة للتطوير.
وحذّر من أن استمرار هذا الواقع يهدد بتحول البلاد إلى دولة مستهلكة، قائلاً: "تمثل الصناعة ركيزة اقتصادية واجتماعية، وتسهم في تعزيز القوة الاقتصادية والسياسية للدولة، وليست مجرد نشاط يقتصر على أصحاب المعامل".
بين كلفة التشغيل وبدائل الطاقة الشمسية
يشكل ارتفاع أسعار الكهرباء أحد الأعباء المباشرة التي تزيد كلفة الإنتاج، ولا سيما في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل صناعة البلاستيك.
ويرى الصناعي وائل صندفي أن الحل لا يكمن في انتظار الدعم الحكومي وحده، بل في البحث عن بدائل للطاقة.
وقال إن "المنشآت التي تستثمر في تركيب الألواح الشمسية تستطيع تغطية احتياجاتها من الكهرباء، وفي بعض الحالات بيع الفائض للدولة، بما يخفف من تكاليف التشغيل".
وأضاف: "يجب على الصناعي الناجح أن يؤمّن بدائل للطاقة، سواء عبر الألواح الشمسية أو المولدات الكهربائية، لضمان استمرار الإنتاج وعدم توقفه عند انقطاع التيار".
واعتبر صندفي أن الاعتماد على مصدر واحد للكهرباء لا يتناسب مع متطلبات العمل الصناعي.
منطقة صناعية بلا خدمات
تُعد منطقة الليرمون الصناعية من أكبر التجمعات الصناعية في حلب، إلا أنها، بحسب الصناعي محمد لبابيدي، ما تزال تعاني تداعيات الحرب، رغم مرور نحو ثمانية أشهر على خروجها من سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد".
وقال لبابيدي، لموقع تلفزيون سوريا، إن الأنقاض ومخلفات الحرب والسواتر الترابية ما تزال منتشرة في المنطقة، مشيراً إلى أن بعض المواقع تحتوي على قذائف ومخلفات حربية، في حين تغيب حاويات القمامة والخدمات الأساسية، وسط مستوى محدود من التعاون بين الصناعيين.
وبحسب شهادته، فإن الأخطر من ذلك كله هو تكرار عمليات السلب والسرقة، موضحاً أن سرقة الكابلات الكهربائية تحدث بصورة شبه يومية، ما يؤدي إلى انقطاع التيار وتكرار عمليات الإصلاح.
وطالب لبابيدي بتكثيف الدوريات الأمنية واتخاذ إجراءات رادعة، لافتاً إلى أن توقيف بعض المتورطين لا يمنعهم من العودة إلى ارتكاب المخالفات بعد فترة قصيرة.
وللتغلب على هذا الواقع، يقترح صناعيون إنشاء صندوق تمويلي خاص، تسهم فيه المعامل شهرياً، لشراء آليات لترحيل الأنقاض، وتأمين حراسة خاصة، وضبط مداخل المنطقة ومخارجها.
وقال لبابيدي إن الصناعيين مستعدون للمساهمة في تمويل خدمات المنطقة، مضيفاً: "غياب عامل الأمان يمنعنا من إدخال آلات جديدة أو التوسع في الإنتاج، ويدفعنا إلى خفض الطاقة الإنتاجية".
وأشار أيضاً إلى أن تدني أجور العمالة الماهرة يدفع الكفاءات إلى البحث عن فرص خارج البلاد، مؤكداً أن رفع الأجور يمثل عاملاً أساسياً في استقطاب العمال المهرة والحفاظ عليهم.
المنافسة والتصدير
أوضح لبابيدي أن ضعف القدرة الشرائية ينعكس مباشرة على حركة المبيعات، مشيراً إلى أن النشاط التجاري يرتفع بالتزامن مع صرف الرواتب، ثم يتراجع لاحقاً بسبب انخفاض الدخل وارتفاع معدلات الفقر.
وقال إن "تحسن الأوضاع الاقتصادية وزيادة فرص العمل من شأنهما تعزيز القدرة الشرائية".
وعلى خلاف الطرح الشائع بشأن ضرورة رفع الرسوم الجمركية، رأى لبابيدي أن المشكلة لا تكمن في المنافسة وحدها، معتبراً أن الصناعي القادر على تطوير إنتاجه يستطيع منافسة المنتجات المستوردة، بما فيها المنتجات الصينية.
وأضاف أن استمرار عدد من المعامل في العمل على مدار الساعة وتحقيقها أرباحاً يدل على أن الرسوم الجمركية ليست العامل الحاسم في نجاح المنشآت أو تراجعها.
ويتفق معه وائل صندفي جزئياً، إذ أكد أن "المنتجات عالية الجودة لا تتأثر بمنافسة المنتجات المستوردة منخفضة الجودة".
وأضاف أن قسماً من المعامل اتجه إلى التصدير لتوسيع أسواقه، داعياً الصناعيين إلى المشاركة في المعارض الخارجية، والاعتماد على التصدير، وعدم الاكتفاء بالسوق المحلية.
الطلب على العمالة الماهرة يرفع الأجور
في المقابل، يرصد عضو غرفة صناعة حلب كرم الشيخ دبس تحولاً في ملف العمالة، إذ قال إن تحسن مستوى الأمن والخدمات أسهم في إعادة تنشيط الحركة الصناعية، وشجع عدداً من أصحاب المنشآت على إعادة تشغيل معاملهم وتركيب خطوط إنتاج جديدة.
وأكد أن زيادة عدد المعامل العاملة رفعت الطلب على العمالة الماهرة، ما أدى إلى ارتفاع أجورها بصورة ملحوظة، نتيجة للمنافسة بين المنشآت الصناعية على استقطابها.
وفي قراءته لأسباب تراجع بعض المعامل، قال الشيخ دبس: "يحمّل بعض أصحاب المعامل الدولة مسؤولية تراجع أعمالهم، في حين تكمن المشكلة أحياناً في عدم التكيف مع المتغيرات الاقتصادية"، مشيراً إلى وجود معامل أخرى تعمل في القطاع نفسه وتواصل الإنتاج والتصدير وتحقيق الأرباح.
وأضاف: "اعتاد بعض الصناعيين على هوامش ربح مرتفعة، في حين تتطلب المرحلة الحالية القبول بأرباح أقل، مقابل زيادة حجم الإنتاج وتسريع دوران رأس المال".
وأكد أن تشغيل المعامل على مدار الساعة، بهوامش ربح أقل، يحقق عائداً أكبر على المدى الطويل، ويعزز القدرة التنافسية للمنتجات المحلية.
ودعا إلى تقييم واقع الصناعة بالاستناد إلى مقارنة أداء عدد من المعامل التي تعمل في النشاط نفسه، للوصول إلى صورة دقيقة عن واقع القطاع.
وأشار الشيخ دبس إلى أن استمرار العمل والإنتاج، رغم الظروف الحالية، يثير اهتمام الزوار من خارج البلاد، موضحاً أن وفداً من شركة "حياة كيميا" التركية زار منشأته الصناعية قبل نحو أسبوعين، وأبدى استغرابه من استمرار العمل في ظل التحديات القائمة.
واعتبر أن استمرار تشغيل المعامل يعكس إصرار الصناعيين على مواصلة الإنتاج رغم الظروف الصعبة.
غياب الاستجابة ودور الإعلام
شكّل غياب الرد على مطالب الصناعيين نقطة مشتركة في عدد من الإفادات، إذ قال لبابيدي إن غرفة الصناعة، بصفتها الجهة الممثلة للقطاع، ترفع مطالب الصناعيين إلى الجهات المعنية، إلا أنهم لا يتلقون ردوداً بشأنها.
وأضاف أن الصناعيين في حلب يشعرون بأن مطالبهم لا تحظى بالاهتمام الكافي، رغم تقديمهم عدة كتب رسمية.
بدوره، قال صندفي إن المحافظ يطلب رفع المطالب عبر غرفة الصناعة، في حين تؤكد الغرفة أنها لم تتلقَّ أي رد على الكتب التي رفعتها.
وأضاف أن المحافظ يطالب بتفعيل دور اللجان وغرف الصناعة والاتحاد في متابعة المطالب حتى الوصول إلى حلول عملية، بدلاً من الاكتفاء بعقد الاجتماعات.
وأشار صندفي إلى مشكلة تتعلق بتنظيم القطاع، موضحاً أن بعض المعامل ما تزال تعمل من دون ترخيص أو سجل صناعي.
وأكد أن غياب الرقابة يضر بالصناعيين الملتزمين الذين استكملوا الإجراءات القانونية وتحمّلوا تكاليفها، كما كشف عن تجاوزات تشمل سرقة الكهرباء وتهرب بعض المنشآت من التزاماتها، في ظل غياب آليات ضبط فعالة.
في المقابل، يرى الشيخ دبس أن الإعلام أصبح أداة ضغط فاعلة، وقال إن "الإعلام بات من أسرع الوسائل لإيصال مطالب الصناعيين إلى الجهات المعنية".
وأشار إلى أن عدداً من القضايا شهد استجابة مباشرة بعد طرحها إعلامياً، في حين تستغرق الإجراءات الإدارية التقليدية وقتاً أطول.
وأكد أن "الطرح الإعلامي المهني والموثق يسهم في تسريع معالجة المشكلات، ويؤدي دوراً مهماً في نقل هموم القطاع الصناعي ودعم تحسين بيئة العمل".
وتتقاطع شهادات الصناعيين في حلب عند نقطة أساسية، مفادها أن استمرار القطاع يتطلب معالجة متزامنة لملفات الأمن والخدمات والطاقة والسوق.
في المقابل، يبرز داخل غرفة الصناعة رأي يرى أن التكيف مع المتغيرات، وتعديل نماذج العمل، وتقليص هوامش الربح لمصلحة زيادة حجم الإنتاج، قد تمثل مخرجاً لبعض المنشآت.
ويحذر الصناعيون من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى توقف مزيد من المعامل وخسارة فرص عمل إضافية، كما يجمعون على أن الصناعة في حلب لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى قرارات تنفيذية سريعة تعيد إلى المناطق الصناعية وظيفتها بوصفها محركاً للاقتصاد والتشغيل.
تلفزيون سوريا
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=206645