الرهان على الذكاء الاصطناعي يبتلع سيولة عمالقة التكنولوجيا
02/08/2026



سباق الذكاء الاصطناعي يضغط على سيولة عمالقة التكنولوجيا مع تضخم الإنفاق  الرأسمالي - بوابة الأهرام بيزنس

سيرياستيبس

بعد أكثر من عقد كانت فيه شركات "وادي السيليكون" المحرك الأبرز لنمو الاقتصاد الأميركي وعوائد المستثمرين، تواجه هذه الشركات اليوم اختباراً مختلفاً مع ضخ مئات المليارات من الدولارات في سباق الذكاء الاصطناعي، في أكبر مقامرة استثمارية يشهدها قطاع التكنولوجيا.

فعلى مدى سنوات، اعتمدت شركات مثل "غوغل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" و"أمازون" على تدفقات نقدية هائلة حققتها من الإعلانات والخدمات الرقمية، مما جعلها من أكثر الشركات ربحية في العالم.

أما اليوم، فقد تغيرت الصورة جذرياً، إذ تُنفق معظم السيولة المتوافرة على بناء مراكز بيانات ضخمة، وشراء الرقائق الإلكترونية، وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، في وقت لم تتضح فيه بعد قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق عوائد تغطي كلفتها.

ويرى المتفائلون في "وادي السيليكون" والبيت الأبيض أن هذه الاستثمارات تمثل فرصة تاريخية ستقود إلى طفرة اقتصادية جديدة، وترفع إنتاجية الشركات، وتحقق أرباحاً غير مسبوقة، بينما يزداد تشكك المستثمرين والاقتصاديين بشأن موعد تحقق هذه الوعود، أو حتى إمكان تحققها أساساً.

وقال كبير الاقتصاديين في شركة "أبولو غلوبال مانجمنت" تورستن سلوك، لصحيفة الـ"واشنطن بوست"، "من الأفضل أن ينجح الذكاء الاصطناعي، لأنه إذا لم يحدث ذلك فسنواجه مشكلة كبيرة".
استثمارات تلتهم السيولة

وتظهر النتائج المالية الأخيرة أن العوائد المتحققة من الذكاء الاصطناعي لا تزال أقل بكثير من حجم الإنفاق المطلوب لبناء البنية التحتية اللازمة له.

ففي "غوغل"، أنفقت الشركة خلال الربع الأخير ما يعادل 1.15 دولار مقابل كل دولار تولد من التدفقات النقدية التشغيلية، لتمويل شراء الرقائق الإلكترونية، وبناء مراكز البيانات، والاستحواذ على الأراضي والمعدات، وهو ما اضطرها إلى زيادة الاقتراض وبيع مزيد من الأسهم لتمويل الإنفاق.

وتشير تقديرات مؤسسة "ستاندرد أند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس" إلى أن خمساً من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، وهي "غوغل" و"أمازون" و"مايكروسوفت" و"ميتا" و"أوراكل"، ستسجل تدفقات نقدية حرة سلبية خلال العام المقبل، في تحول لافت بالنسبة إلى شركات كانت تُعد الأكثر قدرة على توليد السيولة عالمياً.

وعلى رغم استمرار هذه الشركات في تسجيل أرباح محاسبية، فإن ذلك يعود إلى توزيع كلف الاستثمارات الرأسمالية على سنوات طويلة، وليس إلى تحقيق عوائد نقدية فورية تغطي الإنفاق الحالي.
مستثمرون بين التفاؤل والقلق

وخلال الأيام الماضية، أكدت شركات التكنولوجيا الكبرى للمستثمرين أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي لا يزال قوياً، مع توسع الشركات في استخدام روبوتات المحادثة وأدوات البرمجة والتسويق الذكية لتحسين الإنتاجية.

وقال الرئيس التنفيذي لـ"أمازون" آندي جاسي إن الشركة ترى "رؤية واضحة لتحقيق عوائد مالية قوية" من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، مؤكداً استمرار الطلب الكبير من الشركات على هذه الخدمات.

لكن هذه التصريحات لم تمنع تنامي المخاوف في الأسواق، إذ يرى كثير من المحللين أن حجم الاستثمارات الحالية يفوق بكثير الإيرادات المحققة حتى الآن.

وحذر بنك التسويات الدولية من أن تعثر طفرة الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى "حالات ركود واسعة النطاق" تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي.

وقال رئيس استراتيجيات الأسهم العالمية في بنك "جيفريز" كريستوفر وود للصحيفة الأميركية إنه لا يشكك في مستقبل الذكاء الاصطناعي، لكنه يتساءل عما إذا كانت الشركات الحالية ستنجح فعلاً في تحقيق أرباح من هذه الاستثمارات الضخمة.
تقلبات حادة في الأسواق

وكانت موجة التفاؤل بالذكاء الاصطناعي قد دفعت مؤشر "أس أند بي 500" إلى مستويات قياسية في يونيو (حزيران) الماضي، إلا أن الصيف الحالي شهد موجة بيع واسعة في أسهم التكنولوجيا مع تصاعد المخاوف من تضخم الإنفاق.

وتكبد المستثمرون خسائر بمليارات الدولارات بعد تراجع أسهم شركات كبرى مثل "إنفيديا" و"أوراكل" و"تيسلا" وشركات تصنيع الرقائق الإلكترونية.

في المقابل، يرى بعض مديري الاستثمار أن رد فعل الأسواق مبالغ فيه، وأن الذكاء الاصطناعي لا يزال يمتلك إمكانات هائلة ستنعكس على الأرباح مستقبلاً.
ضغوط تضخمية متزايدة

في حين لا تقتصر تداعيات طفرة الذكاء الاصطناعي على أسواق المال، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي فالإقبال الضخم على شراء الرقائق الإلكترونية المستخدمة في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي أدى إلى نقص في المعروض وارتفاع أسعارها، مما دفع شركات مثل "أبل" و"مايكروسوفت" إلى رفع أسعار بعض منتجاتها، بما في ذلك الهواتف الذكية والحواسيب وأجهزة الألعاب.

وأدى التوسع في إنشاء مراكز البيانات إلى زيادة استهلاك الكهرباء في بعض الولايات الأميركية، الأمر الذي انعكس على ارتفاع فواتير الطاقة للأسر، فيما يعتبر بعض الاقتصاديين أن هذه التطورات أصبحت أحد العوامل التي تبقي التضخم عند مستويات مرتفعة.

وطالبت جمعيات تمثل شركات الإنترنت والاتصالات الإدارة الأميركية باتخاذ خطوات لمعالجة ارتفاع أسعار الرقائق، محذرة من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تأجيل تطوير منتجات جديدة أو تحميل المستهلكين مزيداً من الزيادات السعرية.
المكاسب تتركز في المدن الغنية

في الوقت نفسه، بدأت تظهر مؤشرات على أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا توزع مكاسبها بالتساوي داخل الولايات المتحدة.

وأظهرت دراسة أجرتها مؤسسة "أوكسفورد إيكونوميكس" أن أكبر المستفيدين من الطفرة هم المدن الكبرى التي تضم شركات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، مثل منطقة خليج سان فرانسيسكو، وسياتل، ونيويورك، وواشنطن.

وترى كبيرة الاقتصاديين في المؤسسة باربرا دينهام أن هذه المكاسب أصبحت "تعزز نفسها بنفسها"، إذ تستفيد المناطق الأكثر تقدماً اقتصادياً من الاستثمارات الجديدة، بينما تتخلف مناطق أخرى عن الركب، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع الفجوة الاقتصادية داخل الولايات المتحدة.

وبينما يواصل عمال البناء والكهربائيون وشركات البنية التحتية الاستفادة من طفرة إنشاء مراكز البيانات، يبقى السؤال الأساس مطروحاً: هل ستنجح هذه الاستثمارات التاريخية في تحقيق عوائد تبرر كلفتها، أم أنها ستتحول إلى واحدة من أكبر الفقاعات الاستثمارية في تاريخ التكنولوجيا؟

اندبندنت عربية



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=131&id=206749

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc