اليابان... جرس إنذار لعالم غارق في الديون
02/08/2026
سيرياستيبس
لم تعُد أزمة الديون اليابانية قضية محلية تخص ثالث أكبر اقتصاد في العالم، بل تحولت إلى نموذج يراقبه المستثمرون وصناع السياسات باعتباره اختباراً عملياً لقدرة الاقتصادات الكبرى على تحمل مستويات مرتفعة من الاقتراض ضمن بيئة نقدية مختلفة تماماً عن العقود الماضية. فبعد أكثر من 30 عاماً من أسعار الفائدة شبه الصفرية، يجد بنك اليابان نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين ارتفاع كلفة خدمة الدين وضغوط العملة وصعود كلفة المعيشة، في وقت تجاوز الدين الحكومي ضعفي الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى مدى أعوام طويلة، بدت اليابان استثناءً في الاقتصاد العالمي، فالدولة تمكنت من تمويل دين تجاوز 200 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي من دون أن تواجه أزمة تمويل، مستفيدة من قيام بنك اليابان بشراء جانب كبير من السندات الحكومية، مما أبقى كلفة الاقتراض عند مستويات متدنية للغاية.
كما أن المستثمرين الذين راهنوا مراراً على انهيار سوق السندات اليابانية تكبدوا خسائر متكررة، حتى أصبحت هذه المراهنة تُعرف في الأسواق باسم "صفقة صانع الأرامل" بسبب خسائرها المستمرة.
لكن تغير البيئة الاقتصادية العالمية وعودة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة حول العالم، أعاد فتح النقاش حول مدى قدرة اليابان على الاستمرار في هذا النموذج.
معادلة يصعب حلها
يواجه بنك اليابان والحكومة خيارين، وكلاهما يحمل كلفة اقتصادية عالية، فالخيار الأول يتمثل في رفع أسعار الفائدة لحماية الين الذي تراجع إلى مستويات تاريخية أمام الدولار.
لكن هذا الخيار يعني زيادة كلفة تمويل الدين الحكومي، مما قد يرفع مدفوعات الفوائد إلى مستويات تلتهم أكثر من ربع الموازنة العامة، ويضغط على قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق الأساس.
أما الخيار الثاني، فهو الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة لحماية المالية العامة، لكنه يحمل في المقابل كلفة مختلفة تتمثل في استمرار ضعف الين، مما يرفع فاتورة الواردات، خصوصاً أن اليابان تستورد نحو 90 في المئة من حاجاتها من الطاقة ونحو 60 في المئة من حاجاتها الغذائية، مما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم والقدرة الشرائية للأسر.
وبين هذين الخيارين، تزداد الضغوط على المالية العامة، إذ تشير البيانات إلى أن خدمة الدين فضلاً عن التزامات الضمان الاجتماعي تستحوذان بالفعل على نحو 60 في المئة من الإنفاق الحكومي، مما يترك مساحة محدودة للإنفاق على التعليم والبنية التحتية والرعاية الصحية والدفاع.
الأزمة الحقيقية ليست الانهيار
يرى عدد من الاقتصاديين أن الخطر الأكبر لا يتمثل في انهيار مفاجئ، وإنما في استنزاف تدريجي للقوة الشرائية والثروة، فثلاثة عقود من أسعار الفائدة القريبة من الصفر جعلت المدخرين اليابانيين يحصلون على عوائد محدودة للغاية، بينما بدأت معدلات التضخم بتقليص القيمة الحقيقية لمدخراتهم.
وفي الوقت نفسه، يؤدي إصدار سندات جديدة بعوائد أعلى إلى زيادة كلفة الاقتراض، في حين يعمل التضخم تدريجاً على تقليص القيمة الحقيقية للدين، لكن ذلك يتم على حساب ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وفرض ضرائب أعلى مستقبلاً.
ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع لأعوام قد يؤدي إلى خسارة تدريجية في القيمة الحقيقية لثروة الأسر، حتى إن لم يشهد الاقتصاد أزمة مالية تقليدية.
لماذا يراقب العالم اليابان؟
لا تقتصر أهمية التجربة اليابانية على الاقتصاد المحلي، إذ يُنظر إليها على أنها نموذج قد تواجهه اقتصادات متقدمة أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
ففي حين تجاوز الدين الياباني 200 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، يقترب الدين الأميركي من 100 في المئة، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 120 في المئة خلال العقد المقبل، بحسب تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس.
ويحذر اقتصاديون من أن نقطة التحول الأساسية تبدأ عندما يصبح متوسط كلفة الاقتراض أعلى من معدل النمو الاقتصادي، لأن الدين عندها يبدأ بالنمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات، مما يؤدي إلى دخول المالية العامة في حلقة يصعب كسرها.
ويضيف هؤلاء أن جزءاً كبيراً من التدهور المتوقع في المالية العامة الأميركية لا يرتبط بزيادة الإنفاق الأساس، وإنما بارتفاع مدفوعات الفائدة نفسها، مما يجعل كلفة خدمة الدين أحد أكبر التحديات المستقبلية.
تأثير يمتد إلى سوق السندات الأميركية
وتكتسب التطورات اليابانية أهمية إضافية بالنسبة إلى الأسواق العالمية بسبب الدور الذي تقوم به طوكيو في تمويل الدين الأميركي.
فاليابان تُعد أكبر حامل أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، إذ تمتلك نحو 1.19 تريليون دولار من هذه السندات، ومع ارتفاع العوائد داخل اليابان، بدأت المؤسسات المالية اليابانية تفضل إعادة جزء من استثماراتها إلى السوق المحلية، مما أدى إلى بيع عشرات مليارات الدولارات من السندات الأميركية خلال الأشهر الأخيرة.
ويرى محللون أن استمرار هذا الاتجاه قد يرفع كلفة الاقتراض بالنسبة إلى الحكومة الأميركية، إذا تراجع الطلب الخارجي على سنداتها.
اختبار للنظام المالي العالمي
وتكشف التجربة اليابانية عن أن تراكم الديون لفترات طويلة قد يبدو قابلاً للإدارة عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة، لكنه يتحول سريعاً إلى تحدٍّ مالي مع تغير البيئة النقدية، وتؤكد أيضاً أن الأزمة لا تظهر دائماً في صورة انهيار مفاجئ، بل قد تأتي على صورة تآكل تدريجي في القوة الشرائية وارتفاع الضرائب وضغوط متزايدة على الإنفاق العام.
وعلى رغم أن اليابان لا تزال تمتلك اقتصاداً قوياً ومؤسسات مالية مستقرة، فإن ما يحدث فيها يمثل اختباراً حقيقياً للنموذج الاقتصادي القائم على التوسع المستمر في الاقتراض، وهو اختبار قد تجد اقتصادات متقدمة أخرى نفسها أمامه خلال الأعوام المقبلة، إذا استمرت مستويات الدين في الارتفاع بوتيرة تفوق نمو الاقتصاد.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=206750