هذه إحدى مقالاتنا /السوداوية/ المنشورة قبل نحو عامين:
لدعم الاستقرار النسبي لليرة: ماذا فعلت الحكومة لحث السوريين على استهلاك منتجاتهم المحلية وترشيد الاستيراد؟



سيرياستيبس- زياد غصن-خاص

فجأة...اقتنع الجميع مؤخراً بأهمية تركيز كل الجهود على زيادة الإنتاج... فالمصرف المركزي مستعد لتمويل كل مستوردات مستلزمات الإنتاج، الاقتصاد تقلص الموافقات الممنوحة لإجازات استيراد السلع وتفتح الباب أمام إجازات استيراد مستلزمات الإنتاج والمواد الأولية، المصارف تدرس منح قروض تشغيلية،.... الخ.

قبل نحو عامين تقريباً وتحديداً في نيسان من العام 2013، نشرت هنا على موقع "سيرياستيبس" إحدى مقالاتي، التي يصفها البعض في الحكومة بأنها "سوداوية"، أشرت فيها إلى ضرورة الاهتمامبزيادة الإنتاج المحلي وترشيد الاستيراد وتوجيه الاستهلاك، فهذه الإجراءات وحدها القادرة على دعم الاستقرار النسبي لليرة، والتي لم تكن آنذاك قد تجاوزت 100 ليرة للدولار الواحد.

التذكير بمضمون المقالة اليوم هدفه التأكيد على أهمية الحوار والاستماع لمختلف وجهات النظر ومناقشتها بموضوعية بدل إجراءات الانتقام والمضايقة، لنتخيل حجم ما خسرناه اقتصادياً منذ عامين جراء إصرار الحكومة على "تخبطها" الاقتصادي المتمثل في فتح باب الاستيراد على مصرعيه، إهمال الإنتاج المحلي، وضخ ملايين الدولارات في السوق لضبط سعر الصرف دون نتائج حقيقية...وغيرها !!.

المقالة كما نشرت حرفياً:

"على مدى أكثر من عامين لم يوفق مسؤول اقتصادي واحد في مهمة توضيح ماهية قوة الليرة السورية وتماسكها رغم التأثيرات الاقتصادية العميقة التي أحدثتها الأزمة، فهذا المسؤول كان يعيد الأمر مثلاً لإجراءات وسياسات المصرف المركزي دون أن يوضح ويفصل كيف ومتى، وذلك يتحدث عن دور احتياطي البلاد الجيد من القطع الأجنبي وقوة الاقتصاد السوري متناسياً بالطبع أن هناك شرائح اجتماعية كثيرة تدفع ثمن الحديث عن تلك القوة من قوت يومها واحتياجاتها اليومية...

وحده وزير الاقتصاد السابق الدكتور نضال الشعار تحدث مؤخراً ببساطة ووضوح عن الأسباب التي وفرت لليرة السورية القدرة على مواجهة ما تشهدها البلاد من أحداث وظروف قاسية والمحافظة على استقرار نسبي، وحددها في ثلاثة أسباب هي كما وردت حرفياً:

أولاً: هناك تقريباً أكثر من مليوني عائلة تحصل على دخلها المحدود بالعملة السورية فقط وأغلب هذه العائلات من موظفي الحكومة ولا سبيل لها في تحصيل أي دخل آخر بأي عملة أخرى أو زيادة هذا الدخل، وبالتالي فإن اعتمادها على العملة السورية أمر حتمي وهي تشكل قاعدة استهلاكية ضخمة تعتمد عليها وبشكل كبير عملية تصريف البضائع.

ثانياً: هناك حركة كثيفة إلى داخل سورية من تبرعات وإعانات ومعونات بغض النظر عن أسبابها تأتي بالعملة الأجنبية وتسهم في طرح جزء لا بأس به من الدولار في السوق وعوضت وبشكل جزئي عن الأموال التي نزحت إلى خارج سورية.

ثالثاً: هناك تاريخياً وقبل عام 2011 كمية محدودة من العملة السورية في التداول (بالرغم من سلبيات هذه الحالة من الناحية التوسعية)،ولا يمكن اعتبار هذه الحالة وسيلة مقصودة لتحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة إنما جاءت على سبيل الصدفة.

وكان من بين الاقتراحات التي قدمها الشعار للمحافظة على استقرار الليرة ومنع تدهورها في ظل ما تواجهه من تحديات ضرورة إصرار السوريين على استهلاك المنتجات المحلية...والسؤال كيف يمكن تنفيذ تلك الخطوة لمساعدة المواطنين على تأمين احتياجاتهم والمحافظة على ما تبقى من القوة الشرائية لرواتبهم ومدخراتهم ؟ وماذا فعلت الحكومة في هذا السياق؟!

يرتبط تشجيع المواطنين على استهلاك المنتجات المحلية بعاملين أساسيين تتفرع عنهما تفاصيل ومتطلبات والتزامات كثيرة:

-العامل الأول يتعلق بتوفر الإنتاج المحلي بكميات تكفي حاجة الاستهلاك المحلي وتحول دون ارتفاع أسعارها في ظل حالة الفلتان التي تشهدها الأسواق المحلية والأهم لتحقيق التوازن بين الكتلة النقدية والكتلة السلعية، وهو أمر يتطلب من الحكومة بوزاراتها ومؤسساتها المعنية تخطيطاً علمياً دقيقاً يتابع تطورات الأسواق المحلية لجهة حجم ما يدخل فيها من سلع ومواد وما يتم استهلاكها ليصار إلى التدخل الحكومي المباشر وغير المباشر لتعويض النقص الحاصل في هذه المادة أو تلك، إضافة إلى ضرورة وجود تنسيق يومي بين مختلف الجهات الحكومية بما فيها مؤسسة الجيش لحماية الإنتاج الوطني من التخريب والسرقة وتسهيل عملية وصوله إلى الأسواق المستهدفة، ففي النهاية الاستهداف الاقتصادي لا يقل خطورة عن الاستهداف الأمني.

ولتوفير الإنتاج المحلي يفترض أن تعمل الحكومة على النقاط التالية:

1-زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي من خلال توفير مستلزمات الإنتاج ومتابعة الأوضاع ميدانياً بعيداً عن المذكرات والمراسلات التي يبدو أنها معظمها تتضمن معلومات غير دقيقة أو تستند إلى تقديرات مكتبية، والتحرك بسرعة لاتخاذ قرارات عاجلة لمعالجة تأثيرات الأوضاع السائدة على مناطق الإنتاج، فمن غير المعقول أن تفطن الحكومة إلى تلبية طلب المعامل الدوائية بالعمل في المناطق الهادئة رغم أشهر من المطالبات وتراجع الانتاج الدوائي، فرئيس اتحاد غرف الصناعة السورية المهندس فارس الشهابي بح صوته من مطالبة الحكومة بتخصيص مدن صناعية جديدة في مناطق كالساحل والسويداء لنقل المعامل الصناعية إليها بغية المحافظة على دوران خطوط إنتاجها!!.

2-تأمين خطوط نقل الإنتاج وإيصاله إلى الأسواق المحلية بالتعاون مع وحدات الجيش، فتعثر ذلك يفتح الباب أمام المنتج المستورد والمحتكرين والمستغلين لممارسة لعبة تستنزف القطع الأجنبي الموجود في البلد أولاً وجيوب السوريين ثانياً وتتسبب بضياع جهود المنتجين ومواسمهم ثالثاً.

3-حماية مواسم الإنتاج والمنشآت الصناعية من التخريب والسرقة ففي ذلك ضمانة لدوران العجلة الاقتصادية ولاستمرار آلاف فرص العمل وتوفير احتياجات السوريين الأساسية، ولعل ما حدث في حلب من سرقة وتخريب وتدمير لآلاف المنشآت الصناعية خير دليل على ماذا يمكن أن يفعله التهاون وعدم الانتباه إلى الإرهاب الاقتصادي.

وللدلالة على أهمية زيادة الإنتاج الوطني يمكن الإشارة إلى ما خلص إليه مسح دخل ونفقات الأسرة السورية في العام 2009 والذي أكد أن متوسط انفاق الأسرة السورية يبلغ شهرياً نحو 30 ألف ليرة، وهذا يعني بوضوح أن السوريين ينفقون شهرياً ما يصل إلى 110 مليارات ليرة مع الأخذ بعين الاعتبار تراجع ذلك الانفاق نتيجة الأزمة وفقدان مئات الآلاف من السوريين لمصدر دخلهم..

-العامل الثاني يتعلق بأهمية التوجه نحو ترشيد الاستيراد وتشجيع المواطنين على استهلاك المنتجات المحلية عبر إعادة الاعتبار لكثير من أنماط الاستهلاك السابقة، فوفق مسح دخل ونفقات الاسرة لعام 2009 فإن سنوات الانفتاح السابقة غيرت من العادات الاستهلاكية للسوريين ورفعت من قيمة السلع والمواد الغذائية أو غير الغذائية المستوردة، فمثلاً يستهلك السوريون دخاناً أجنبياً سنوياً بقيمة تبلغ نحو 12 مليار ليرة، شوكولا بنحو 2.8 مليار ليرة، عصير مكثف بنحو 368 مليون ليرة، وأجبان أجنبية بنحو 1.6 مليار ليرة...وغيرها الكثير.

أما كيف يمكن تشجيع السوريين على التوجه لاستهلاك منتجاتهم الوطنية واستبدال السلع المستوردة بأخرى وطنية فهذا يتم من خلال:

-العمل على دراسة تكلفة المنتجات الوطنية وتقديم ما يمكنه المساهمة في تخفيض تلك التكلفة لتكون في وضع منافس للمنتج المستورد في السعر والجودة لاسيما في ظل ارتفاع سعر الصرف.

-تشديد الحكومة بمؤسساتها المعنية رقابتها الفعلية والجادة على جودة السلع الوطنية وأسعارها ومنع حالات التلاعب المعروفة في التسعير والاستغلال والاحتكار.

-القيام بحملة توعية تتعاون فيها الحكومة مع الفعاليات الاقتصادية الوطنية لنشر ثقافة استهلاك المنتج الوطني، وتوجيه وسائل الإعلام لإعادة إحياء وترويج أنماط الاستهلاك القديمة المستمدة من التراث والبساطة والحد من الهدر، فمثلاً يستهلك السوريون سنوياً من مادة البرغل المفترض أنه إنتاج وطني ما قيمته 7.5 مليارات ليرة بينما من مادة الأرز المستوردة يصل الاستهلاك لنحو 22.4 مليار ليرة، ونحن هنا لا نطالب بشطب مادة الأرز من قائمة السلع الغذائية وإنما ترشيد استهلاك بما يخفض من فاتورتها التي تضاعفت اليوم إلى ضعف المبلغ السابق نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار في مواجهة الليرة السورية.

لكن ماذا فعلت الحكومة من كل ذلك...لاشيء.

هل طرحت الحكومة رؤيتها لسبل الاعتماد على المنتج الوطني...ليس بعد.

أين ذهبت نظريات وأفكار وطروحات النائب الاقتصادي....يبدو إلى ما ذهبت إليه نظريات وأفكار وطروحات سلفه.

والعمل...الأمور تسير بـ(بركة) من الله تعالى."

 

 



المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=126&id=130141

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc