بقلم مروان دراج
الحديث في المنابر الإعلامية الرسمية وغير الرسمية حول هموم قطاع السكن والإسكان يبدو أنه لا يندرج إلا ضمن ماهو موسمي وبالتزامن مع صدور قانون أو مرسوم يتعلق في قطاع العقارات في حين ماهو مطلوب استنفار المنابر الإعلامية وبشكل دائم للبحث في القضايا التي تمنع المواطن العادي من الحصول على سكن لائق وبأسعار تتوافق مع حقيقة الرواتب والأجور وليس كما هو واقع الحال حيث تصنف سورية في مقدمة بلدان العالم لجهة ارتفاع أسعار العقارات سواء كانت تجارية أم سكنية.
ما نقصده من خلال هذه المقدمة السريعة بأن موضوع الإسكان بشكل خاص يعتبر أحد أبرز الهواجس التي تشغل الشريحة الأوسع والأشمل في المجتمع وبالتالي لابد من النهوض في هذا القطاع للوصول إلى إصلاح سكني شامل...فالتباهي وحتى الأمس القريب بأن عدد الجمعيات التعاونية في القطر يصل إلى حدود 2000 جمعية وأنها تمكنت من تأمين نحو 200 ألف مسكن خلال العقود الأخيرة....هذا الكلام المكرور لم يعد مقنعاً ولايلقى ترحيباً في ظل الارتفاع الصاروخي لأثمان المساكن وتراجع القوة الشرائية التي تمنع من تحقيق حلم المسكن مهما كانت مساحته ضيقة وقد يستغرب البعض لو أتينا على بعض الأرقام التي سبق للمكتب المركزي للإحصاء أن أكدها قبل سنوات وتشير هذه الأرقام إلى أن حصة الفرد في سورية من الأمتار المربعة كانت قد تراجعت بصورة لم تكن مسبوقة فبعد أن كانت تصل إلى حدود 16 متراً مربعاً في مطلع السبعينات والثمانينات من القرن الماضي فقد تراجعت مع مطلع التسعينات لتصل إلى نحو 12 متراً مربعاً ولا يستبعد البعض أن تكون هذه النسبة قد تراجعت وانحسرت مع بداية الألفية الجديدة إلى حدود قد تكون الأقل قياساً بحصة الفرد في البلدان العربية.
قد يسأل البعض: ولكن من أين نبدأ وكيف من أجل تذليل المشكلات التي تحيط بقطاع العقارات...والأهم: هل رزمة التشريعات والقوانين التي صدرت كانت قد شجعت فعلياً على اتساع وتيرة الاستثمار العقاري؟!
إلى جانب البصمات الإيجابية المرتقبة التي يفترض أن تتركها شركات الاستثمار العقاري في السنوات القادمة فإن الاعتقاد السائد ومن جانب شرائح واسعة من المجتمع أنه لابد من إعادة الألق من جديد إلى قطاع التعاون السكني الممثل بالجمعيات انطلاقاً من حقيقة أن شركات الاستثمار العقاري التي أحدثت مؤخراً كانت قد أسهمت ولو جزئياً خلال السنوات الأخيرة في رفع أسعار العقارات السكنية بدلاً من خفضها في حين أن الجمعيات كانت قد لعبت دوراً هاماً في تأمين الشقق لذوي الدخل المحدود وبشروط ميسرة جداً لكن هذا الدور كان قد تراجع وانحسر لأسباب تعود أولاً إلى عدم تخصيصها المساحات من الأراضي والمقاسم المعدة للبناء وعدم تخصيص الجمعيات بحاجتها من المقاسم أدى مع مرور الزمن إلى مبادرة بعض الجمعيات إلى إغلاق أبوابها وإعادة الأموال المسددة من جانب الأعضاء الذين انتسبوا لها والأمر الغريب أن عدم تخصيص الجمعيات بالمقاسم لايعود في جوهره الى عدم توفر الأراضي أو لأن الجمعيات غير قادرة على تسديد الفواتير المالية المستحقة وإنما يحدث كل ذلك بسبب انعدام روح المسؤولية واستمرار ممارسات الروتين والبيروقراطية فأراضي أملاك الدولة لاحدود لها وهي متوفرة الى حدود تفوق حاجة الجمعيات لعشرات السنتين ومايلزمها فقط عمليات الفرز والتنظيم.
في كل الأحوال يبدو أن هذه القضية باتت في طريقها الى الحل والانفراج ومايدفعنا للحديث بلغة التفاؤل أن الجمعيات السكنية في حلب وبعد انقضاء ربع قرن على حرمانها من الأراضي والمقاسم بادرت الحكومة قبل مايزيد على الشهرين في الإعلان رسمياً عن تخصيصها بمساحات قد تلبي حاجة هذه الجمعيات ولو ضمن الحدود الدنيا وهناك من يتوقع بأنه وخلال العام 2009 سوف يتم تخصيص غالبية الجمعيات وفي كافة المحافظات بكل مايلزم من الأراضي والمقاسم خاصة وأن الأرقام الرسمية التي تم تداولها خلال مؤتمر الاستثمار والتطوير السياحي قبل شهور أكدت بأن حاجة سورية من السكن ستتجاوز الـ 500 ألف شقة سكنية لغاية عام 2010 أي مع نهاية الخطة الخمسية العاشرة وفيما لو أخذنا ببعض التقديرات والاجتهادات الصادرة عن مصممين ومختصين فإن الشركات العقارية ومعها الجمعيات السكنية وكافة الجهات المعنية بتشييد المشاريع السكنية لن تتمكن من إنجاز نصف الرقم المذكور مايعني أن الحاجة لعودة الجمعيات الى دائرة العمل باتت أكثر من ماسة وضرورية.
وإذا كنا نشير الى ضرورة عودة التعاون السكني لإحداث نقلة نوعية في الإصلاح السكني فإنه يتعين بالمقابل التذكير بأن ماهو مطلوب أيضاً من المصارف العامة والخاصة تقديم المزيد من التسهيلات بهدف تمكين كل من يرغب في شراء شقة باستجرار القرض المناسب دون مواجهة تعقيدات أو شروط تعجيزية فالأمر الذي بات مألوفاً أن الحصول على قرض عقاري من المصارف الحكومية يستوجب حضوراً وتحقيق الكثير من الشروط التجيزية ولعل أبرزها مطالبة الراغبين بسحب قرض بتسديد المصرف مبلغاً كبيراً من المال لحجزه في خزائن المصرف لمدة زمنية تمتد الى شهرين أو ثلاثة ويطلق على هذا الشرط تسمية الوديعة وفي حال عدم ترجمة هذا الشرط من جانب الزبون المحتمل فإن الحصول على القرض سيكون أقرب الى المستحيل إن لم نقل المستحيل بعينه وبيت القصيد من سرد هذه التفاصيل إطلاق الأسئلة الآتية ماهي مبررات مطالبة طالب القرض في تأمين مبلغ لايقل عن 300 ألف ليرة بينما القيمة الفعلية للعقار المحجوز عليه من جانب المصرف والممنوع من البيع والشراء قبل تسديد القرض يفوق وفي معظم الحيان قيمة القرض الممنوح للزبون والأهم من هذا وذاك أن الفائدة المترتبة الى جانب الضمانات الأخرى أليست كافية وحدها لمنح الزبون القرض ودون تردد؟!
يكفي التذكر بأن حجم القروض التي تمنح للمواطنين السوريين على مدار العام وبكافة أشكالها ومسمياتها لاتشكل سوى 5 بالألف من إجمالي الناتج المحلي وهذه النسبة تكاد لاتذكر قياساَ بحجم القروض التي تمنح في معظم مصارف دول العالم.
بمعنى أو بآخر إذا كان الإصلاح السكني يشكل هدفاً جدياً للقائمين على الحكومة فإنه يتعين بهذه الحالة إعادة الألق الى قطاع التعاون السكني كما ذكرنا إلى جانب إعادة النظر بالآليات المتبعة في منح القروض العقارية وإذا لم نفعل فإن سوق العقارات ستبقى مرشحة للمزيد من الفلتان والفوضى.
المصدر:
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=30551