سيرياستيبس
تصطف سيارات الأجرة الصفراء بانتظار ركاب عند إشارة عرنوس وساحة المحافظة وأمام الحدائق والمطاعم، بينما يغفو بعض السائقين داخل سياراتهم، منهكين من ساعات الانتظار وارتفاع درجات الحرارة وضغوط العمل والمعيشة.
مشاهد تعكس جانباً من تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات، التي بدت واضحة اليوم على أحوال السائقين والركاب، وكذلك على شوارع دمشق التي تراجع ازدحامها المعتاد، ولا سيما في وسط المدينة ومناطقها الحيوية.
ويبقى السؤال المطروح بين السوريين: هل ستكون هذه التغيرات مؤقتة، أم أنها تمهّد لنمط معيشي جديد يفرض نفسه تدريجياً مع كل زيادة جديدة في الأسعار؟
مخاوف من الأجرة أكد سائقو سيارات أجرة أن عدد طلبات التوصيل تراجع منذ أول أمس، في ظل مخاوف لدى الركاب من اضطرارهم إلى دفع أجور تفوق قدرتهم المادية، عقب الارتفاع الجديد في أسعار المحروقات. إذ وصل سعر لتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، بزيادة بلغت نحو 40 في المئة، بينما بلغ سعر لتر بنزين "أوكتان 95" نحو 195 ليرة سورية جديدة، بعدما كان 152 ليرة سورية.
ويقول أبو حمدي، وهو سائق سيارة أجرة، إن "الحركة اليوم خفيفة"، ولا سيما مع طلب بعض السائقين أرقام كبيرة على الطلب، مشيراً إلى أن استخدام سيارات الأجرة بات يقتصر في كثير من الأحيان على من لا يملك خياراً آخر، مثل امرأة برفقة أطفالها أو مريض لا يستطيع تحمّل الازدحام في حافلات النقل العام.
ومنذ الصباح، يتنقل أبو حمدي بين شوارع دمشق أملاً في العثور على راكب. ويقول: "صارت الناس تخاف تأخذ سيارة أجرة. الراكب يقول لنفسه: أوفّر هذه الأجرة وآخذ باص نقل عام. ما لا يفهمه كثيرون أن دخل المواطن لا يتناسب مع مستوى الصرف، وهذه كارثة حقيقية".
مفاوضات مُسبقة لا تخلو عملية التوصيل من مفاوضات تبدأ حتى قبل أن يستقل الراكب سيارة الأجرة، ومع غلاء أسعار البنزين تتحول عملة التفاوض على الأجرة شرطاً أساسياً، بحسب ما يذكر السائق رامز زيتون، إذ يضطر الراكب إلى حساب الأجرة بالقياس إلى مصروفه اليومي ولا سيما مع ازدياد الأجرة في بعض الطلبات إلى 30 – 40 في المئة.
ويقول زيتون : "منذ أمس، لم يصعد معي راكب من دون اشتراط الأجرة التي تناسبه قبل الصعود. لا مشكلة في هذا البازار لكن المهم نلاقي راكب يؤشر لنا أصلاً".
أما عبد الرحمن المنصور فيتحدث أنه يركب سيارات الأجرة يومياً لقطع مسافة لا تتجاوز 800 متر، من ساحة الأمويين إلى مكان عمله في المنطقة الحرة، في حين يعتمد على باصات النقل العامة فيما عدا ذلك. وعلى غير العادة، طلب منه السائق يوم أمس أجرة 250 ليرة سورية جديدة علماً أنه كان يدفع في السابق 150 ليرة سورية جديدة.
يقول المنصور: "لا يمكنني لوم سائق التكسي، لقد بدأ الحديث من دون توقف عن غلاء المحروقات وما سيتبعه من غلاء في الخضراوات والمواد الغذائية واللحوم. ربما أضطر في الأيام المقبلة إلى تسيير بعض أموري مشياً على الأقدام أو سأعاني في ازدحام باصات النقل الداخلي".
"الوفرة خير من الانقطاع" على عكس الاستياء والغضب الذي دفع ببعض الناس إلى الشوارع احتجاجاً، يرى السائق أبو حمدي الأمور من ناحية أخرى، فتوفر المحروقات من دون طوابير لهو خيرٌ من عودة الطوابير مجدداً حتى لو كلّف ذلك مالاً أكثر.
ويقول أبو حمدي : "والله يرتفع السعر أحسن ما نشوف طوابير واصلة لآخر البلد. الوفرة خير ولو ثمنها غالي، بلا ما نتذكر طوابير زمن الأسد".
وعلى الرغم من معاناته من "عجز شهري" كما يصفه، فإن أبا حمدي يظن أن هذا الارتفاع مؤقت وستكون الأمور لاحقاً أفضل مما هي عليه الآن. ويضيف: "تعودنا، بلدنا بلد الأزمات المعيشية. لكن الله الرزاق، ليس باليد حيلة والتذمر هو الحالة المألوفة والمتوقعة للمواطن".
في حين يشير السائق فايز الدوس إلى تراجع ازدحام السيارات في الشوارع خلال اليومين الماضيين عقب ارتفاع أسعار المحروقات، ويذكر أنّ "الغلة اليومية" بسبب انخفاض عدد الطلبات، يقول: "في قرابة الساعة الواحدة ظهراً يوم أمس كان الازدحام أقل مما هو عليه عادةً في مناطق وسط العاصمة، الطلب الذي كان يستغرق معنا ساعة كاملة، لم يستغرق أكثر من ثلث ساعة. توفر البنزين لا يعني استمرار حركة السيارات!".
"ما بتوفّي معنا" لم يتعطل عمل سيارات الأجرة فقط بعد ارتفاع أسعار المحروقات، إنما توقفت بعض باصات النقل العام و"السرافيس" في بعض خطوط النقل عن العمل كإضراب واحتجاج من السائقين، لعدم رفع أجرة الركوب في مقابل الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار المحروقات.
يأتي هذا الارتفاع في أجرة الركوب كعبء إضافي على الركاب ولا سيما من طلاب الجامعات والموظفين من ذوي الدخل الضعيف. ويقول محمود الزعبي، وهو طالب في جامعة دمشق ويعمل مدرساً في إحدى مدارس الريف، إن ارتفاع أجرة الركوب لخط "مساكن برزة – شارع الثورة" من 30 إلى 40 ليرة سورية جديدة، وارتفاع أجرة خط "جديدة عرطوز البلد" من 60 إلى 80 ليرة سورية جديدة، يعني أنه سيحتاج إلى 240 ليرة سورية جديدة يومياً للوصول إلى المدرسة التي يعمل فيها.
وكانت وزارة الإدارة المحلية قد أصدرت يوم أمس قوائم بتعرفة الركوب الجديدة لـ 58 خط نقل لباصات "السرافيس" والنقل الداخلي، بالتنسيق مع فرع مرور دمشق والشركة العامة للنقل الداخلي بدمشق، ومديرية التجارة الداخلية.
يقول الزعبي: "المهم وجود الباصات وسيارات الأجرة مهما كانت أجرة الركوب لأننا عانينا فيما سبق من توقفها عن العمل أو قلّة عددها. لكن في المقابل، هذا الارتفاع في أجرة الركوب مأساوي بالنسبة لشخص دخله لا يتجاوز 250$ شهرياً، هيك ما بتوفّي معنا!".
تلفزيون سوريا
|