سيرياستيبس
وفق بيانات حديثة، لا تعمل بكامل طاقتها سوى نحو 30% من مراكز الرعاية الصحية الأولية في سورية، في وقت تعاني فيه نسبة كبيرة من المراكز الأخرى من توقف كلّي أو تشغيل جزئي بسبب نقص الكوادر والأدوية والتجهيزات والتمويل. وعوض العمل على إعادة تأهيل وتشغيل المزيد من المستوصفات، توقفت 7 مراكز مسبقة الصنع في ريف الرقة الشمالي (الرميلة، العبارة، تل السمن، الجلاء، الصالحية، الصكورة، خنيز).
والسبب؟ انتهاء عقد المنظمة المشغّلة؛ ما يعكس الخلل في هشاشة الاعتماد على المنظمات والمساعدات الدولية؛ فمركز الصالحية وحده كان يخدم ما بين 40-50 ألف نسمة، أما اليوم يضطر الأهالي إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى الرعاية الصحية، فتزيد الكلفة والمخاطر. وعلى الرغم من بقاء البنية الإنشائية والتجهيزية لمعظم المراكز بحال جيدة من حيث الأبنية والمعدات والمياه والطاقة الشمسية، فإن وزارة الصحة تتذرع بنقص الكوادر، مقابل تأكيد الأهالي والسكان على وجود كوادر صحية، وخاصة تمريضية، مستعدين للعمل في حال تأمين الدعم والرواتب، ما يعكس أزمة حوكمة، أكثر منه أزمة موارد. وبينما يعيش أكثر من 90% من الشعب تحت خط الفقر، ويحتاج نحو 15 مليون شخص إلى المساعدات، يصبح انهيار الرعاية الصحية الأولية عاملاً مضاعفاً للفقر؛ فمع توقف المستوصفات المجانية، يضطر الأهالي للجوء إلى القطاع الخاص أو المستشفيات البعيدة. وتشير البيانات إلى أن 64% من السوريين يعتبرون القدرة على تحمل التكاليف العائق الأكبر أمام الوصول إلى الرعاية الصحية، يليها نقص الأدوية والمعدات بنسبة 54%. وهذا يعني أن إيقاف المراكز المجانية لا يقلل الخدمات فحسب، بل يحول الصحة من حق إلى سلعة، يزيد من تراكم الثروة في يد قلّة، دافعاً الأسر الفقيرة إلى الاختيار بين الطعام والدواء. لم يعد مقبولاً أن تترك الحكومة ووزارة الصحة مراكز صحية قائمة خارج الخدمة، أو أن تُرهنا حق السوريين في الرعاية الصحية بتمويل خارجي متقلب. فالمرافق والكوادر والاحتياجات موجودة، وما ينقص هو قرار سياسي وتمويل وطني مستدام. إن استمرار هذا الواقع مسؤولية مباشرة تتحملها الحكومة ووزارة الصحة، وأي تأخير في معالجته يعني تحميل المواطنين كلفة عجز الدولة عن أداء واجبها.
قاسيون
|