سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:09/10/2026 | SYR: 02:35 | 09/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 حين يصبح القليل عادياً..
كيف غيّرت سنوات الأزمات مفهوم التدبير لدى السوريين؟
09/10/2026      

الحرب على إيران تعمق الغلاء في سوريا | اقتصاد | الجزيرة نت

سيرياستيبس

في البيت السوري القديم، كانت الأشياء تعرف كيف تعيش أكثر من عمر واحد؛ قميص يُرقّع بدلاً من أن يُرمى، وقطعة أثاث تجد وظيفة جديدة، وبقايا طعام لا تذهب بسهولة إلى القمامة. وكانت الأم تعرف كيف تجعل القليل يكفي، وكيف تدير البيت بما هو متاح.

كبر أجيال من السوريين على فكرة أن الضيق لا يعني نهاية الأشياء؛ يصلحون ما يتعطل، ويعيدون استخدام ما يمكن الاستفادة منه، ويقتصدون ويؤجلون بعض احتياجاتهم، على أمل أن تمر الأيام الصعبة.

لكن ماذا يحدث عندما تطول تلك الأيام؟ هل يبقى التأقلم وسيلة مؤقتة للعبور، أم يتحول تدريجياً إلى نمط حياة؟ وهل يمكن أن يعتاد الإنسان القليل إلى حد يصبح معه الحرمان جزءاً عادياً من يومه؟


المرأة الدمشقية و"فن التدبير"

تتحدث السيدة ميسون إلى موقع تلفزيون سوريا عن المرأة الدمشقية التي تصفها بأنها كانت "مدبّرة وحكيمة"، وقادرة على إدارة بيت كبير، بل وأكثر من عائلة تحت سقف واحد.

وتستعيد ميسون شكل البيوت القديمة، حين كان الأب والأم يزوجان أبناءهما ويبقون معهم في المنزل نفسه، ثم يأتي الأحفاد، فتتسع العائلة من دون أن يتغير المكان كثيراً.

وكان الطبخ، بدوره، يجري بكميات كبيرة تتناسب مع عدد أفراد الأسرة، في قدور كبيرة تشبه تلك التي كانت تُستخدم لطهي الذرة وبيعها في الطرقات.

وتتذكر ميسون أيام إعداد الكبّة، حين كانت سيدات العائلة يجتمعن ليوم كامل لتحضير أنواعها المختلفة. وكانت الكبّة تُدق في الجرن، في عملية تحتاج إلى وقت وجهد وقوة.

لاحقاً، ظهرت فرّامة اللحم وآلة الكبّة الكهربائية، فخفّفتا عن النساء كثيراً من الجهد والوقت. أما اليوم، فتقول ميسون إن كثيراً من الأسر باتت تشتري الكبّة جاهزة.

حتى ملابس العيد كانت تخضع لمنطق "التدبير". تقول ميسون إن والدتها كانت تشتري ملابس أولادها بالدين حين لا تستطيع دفع ثمنها دفعة واحدة، وكان البائع يقبل بذلك اعتماداً على علاقة الثقة بينه وبين الزبائن.

وترى ميسون أن هذه الثقة تراجعت اليوم، وأن المجتمع بات يعيش ما تصفه بـ"أزمة ثقة".

وكان الأطفال، وفق روايتها، يتعلمون الادخار منذ الصغر. إذ كان الأهل يشترون للطفل "مكمورة" من الفخار، وهي حصالة صغيرة يضع فيها جزءاً مما يحصل عليه من نقود، ثم تُكسر لاحقاً لمعرفة ما تمكن من ادخاره.

وتستعيد ميسون أيضاً حكاية علبة سمنة وُضعت، بحسب ما تتذكر، على يد تمثال حافظ الأسد في ساحة عرنوس، وتربطها بسنوات التقشف ونقص المواد، حين كانت بعض السلع تتوافر بكميات محدودة، ويحصل عليها المواطنون عبر "البون" عند توفرها.

بالنسبة إلى ميسون، لم يكن التدبير حالة طارئة، بل جزءاً أصيلاً من الحياة السورية، وإن اختلفت أدواته وطقوسه من مرحلة إلى أخرى.



من تكافل الحارة إلى تحويلات الأبناء

في حي ساروجا الدمشقي، تتحدث السيدة سوسن الزعيم إلى موقع تلفزيون سوريا عن البيوت الطينية والغرف المتراكمة فوق بعضها، وعن الألفة التي كانت تجمع سكان الحارة.

بعد وفاة والدها، تولت والدتها مسؤولية إعالة الأسرة ورعاية الأطفال. وكانت تنتظر المساء أحياناً لشراء الفاكهة بعدما ينخفض سعرها، وإذا بقي في المنزل قليل من الأرز، تحوّله إلى شوربة بالشعيرية لتقليل المصروف.

كما كانت تعمل في حياكة الصوف باستخدام سنارة واحدة، في حين كانت ابنتها الكبرى، شقيقة سوسن، تدرس في الجامعة وتعمل في الوقت نفسه للمساهمة في نفقات الأسرة.

في ذلك الوقت، لم تكن الأسرة وحدها في مواجهة الضيق. كانت الحارة جزءاً من شبكة اجتماعية أوسع، يتشارك أفرادها المساعدة والمؤازرة.

لكن هذا المشهد تغيّر مع مرور السنوات.

تقول سوسن إن التكافل الذي كان يجمع أبناء الحي أصبح اليوم، في كثير من الحالات، معونة شهرية يرسلها الأبناء أو الأقارب المقيمون خارج سوريا، تساعد الأسرة على إكمال الشهر، وقد تتحول بالنسبة إلى بعضها إلى مصدر أساسي للاستمرار.

هجرة أعداد كبيرة من الشباب، وبقاء الآباء في الداخل، وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، كلها عوامل غيّرت، وفق سوسن، شكل الحياة والعلاقات الاجتماعية داخل الحي.

وتقول إن دمشق عرفت عبر تاريخها الحروب والقلة والحصار، وربما أسهم ذلك في جعل التأقلم سمة متوارثة لدى كثير من أهلها.

لكن "القليل" اليوم ليس هو القليل بالأمس.

فكثير من الأسر، وفق سوسن، لم تعد قادرة على إدخال اللحوم والدجاج إلى موائدها كما في السابق، في حين قد تصبح الفاكهة بالنسبة إلى بعضها رفاهية، فضلاً عن النزهات أو الإنفاق على ما يتجاوز الضروريات الأساسية.

كان التدبير في الماضي يجري داخل مجتمع أكثر تماسكاً، تحيط به العائلة والجيرة وشبكات التكافل، وكان الغد، رغم صعوبته، أكثر قابلية للتوقع. أما اليوم، فتراجع جانب كبير من هذا السند، وصار التأقلم استجابة لواقع لا يعرف كثيرون متى ينتهي.

كيف نعيش بما هو متاح؟

تتحدث علا إلى موقع تلفزيون سوريا عن طريقتها في إدارة حياتها، وتقول إن الأمل يبقى حاضراً حتى في أصعب الظروف، وإن ما لا يستطيع الإنسان الحصول عليه اليوم قد يأتي لاحقاً: "إذا مو اليوم، بكرا أو بالمستقبل، كل شي بأوانه".

البيت، بالنسبة إليها، "سترة"، وداخله يمكن للإنسان أن يرتب أولوياته بحسب قدرته، من الطعام واللباس إلى ما يمكن اعتباره رفاهية.

وترى أن النزهة البسيطة قد تحمل متعة أكبر من كثير من الأنشطة المكلفة: "ممكن يكون مشوار عالجنينة أو تمشاية بالطريق فيهن متعة أكتر من كتير مشاوير مكلفة".

لكنها تشير أيضاً إلى أن الحياة لم تعد كما كانت. فلم يعد من السهل أن يعمل فرد واحد ويتكفل بمصاريف أسرة كاملة، وأصبح أكثر من فرد في العائلة مضطراً إلى المساهمة في المصروف.

كما لم يعد العمل، في كثير من الحالات، مرتبطاً بالاختصاص أو بالمسمى الوظيفي. فقد يعمل طبيب أو مهندس في التوصيل بعد انتهاء دوامه، وقد تعمل سيدة في منزل آخر، أو تطهو من بيتها، أو ترعى طفلاً لساعات مقابل أجر.

وبالنسبة إلى علا، لا مشكلة في أن يرضى الإنسان بالقليل ما دام يحاول الاعتماد على نفسه: "الشغل مو عيب، وأنا برأيي الإنسان يلي بدو يشتغل مستحيل ما يلاقي شغل حتى بأصعب الظروف، ومو غلط إنو يرضى بالقليل، أحسن ما يكون عالة عالمجتمع أو عالمقربين منه".

في النهاية، تقول علا، المهم أن يدخل شيء إلى البيت وأن تستمر الحياة بما هو متاح.


بين الاستدانة والاستغناء.. كيف تدير الأسر السورية حياتها؟

سنوات من الاعتياد

يتحدث الأخصائي الاجتماعي محمد المدني إلى موقع تلفزيون سوريا عن السوري الذي تعلّم العيش وسط أزمات متلاحقة، لا لأنه اختارها، وإنما لأنها رافقته لسنوات طويلة وأصبحت جزءاً من تجربته اليومية.

ومع كل أزمة، يقول المدني، يخفض الإنسان مستوى احتياجاته، ويؤجل رغباته ويعيد ترتيب أولوياته، وكأنه يقول للحياة: "سأعيش بما أستطيع، لا بما أريد".

ويشبّه المدني السوري بالماء؛ يتخذ شكل الوعاء الذي يوضع فيه، في إشارة إلى قدرة عالية على المرونة والتكيف والانتقال من واقع إلى آخر ومواصلة الحياة رغم التحولات الصعبة.

وساعدت في ذلك، وفق المدني، العلاقات الأسرية والمجتمعية المتماسكة والموروث الاجتماعي القادر على التعامل مع أوقات الضيق.

لكن التأقلم، برأيه، ليس دائماً مصدر قوة.

فحين تتكرر الأزمات وتطول، قد يتعلم الإنسان الاستغناء عن أشياء كانت في السابق احتياجات أساسية أو حقوقاً طبيعية، ويعتاد الحرمان إلى درجة يصبح معها أمراً عادياً.

وبهذا المعنى، ساعد التأقلم السوريين على تجاوز مراحل قاسية، لكنه قد يحمل كلفة غير مرئية أيضاً؛ من انخفاض سقف التوقعات والطموحات، إلى الاعتياد على واقع كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه استثنائياً.

ومع طول السنوات، لا يعود السؤال متعلقاً فقط بقدرة السوري على التأقلم، بل بما اضطر إلى التخلي عنه في الطريق، وبالحد الفاصل بين التدبير الذي يساعد الإنسان على تجاوز الأزمة، والاعتياد الذي يجعل القليل يبدو طبيعياً.

تلفزيون سوريا


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس