سيرياستيبس
كشفت منظمة التجارة العالمية عن أن التحولات الجيوسياسية والحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، سيكون لها تأثير دائم في تدفقات التجارة العالمية مع تحوط الشركات من الصدمات المستقبلية. وقالت مديرة المنظمة نغوزي أوكونغو إيويالا إن التجارة شهدت انكماشاً حاداً في الشرق الأوسط نتيجة لحرب إيران على رغم وجود سلسلة من الحلول والمسارات البديلة وأن التعافي سيستغرق بعض الوقت، مشيرة إلى أن بعض هذه التحولات ربما تصبح دائمة. وتوقعت منظمة التجارة العالمية انخفاضاً بنسبة 17 في المئة في الصادرات هذا العام وتراجعاً في الواردات بنحو 15 في المئة. وقالت مديرة المنظمة إن متخصصي القطاع الخاص توقعوا انتعاشاً بمجرد انتهاء الحرب وفتح مضيق هرمز لأنه يوفر طريقاً أقل كلفة للتجارة، لكن الصراعات المتكررة أكدت الحاجة إلى التنويع والتخطيط للطوارئ، ومن المرجح أن تستمر بعض طرق التجارة البديلة.
وتابعت في تصريحات على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي "تأكدنا أن نقاط الاختناق والأصول التي تشكل عائقاً هي أمور يجب أن نفكر فيها من أجل العالم... أعتقد أن بعض البدائل ستبقى لأن الدول والشركات على حد سواء ترغب في التحوط للاحتمالات". صدمات متكررة بحركة التجارة العالمية مع توسع الحروب
وقالت مديرة منظمة التجارة العالمية إنها تتوقع استمرار جهود التنويع الأوسع نطاقاً في مختلف المناطق والبلدان، نظراً إلى الصدمات المتكررة الناجمة عن الحروب وغيرها من الاضطرابات التجارية، بما في ذلك موجة الرسوم الجمركية الهائلة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتابعت قائلة "لا شك على الإطلاق في أن سلاسل التوريد تشهد إعادة هيكلة"، مشيرة إلى أن قادة الأعمال أثبتوا إبداعهم في إيجاد طرق تجارية جديدة، على رغم أنها أكثر كلفة.
وذكرت أن التجارة الإقليمية ستستمر في التوسع أيضاً، مشيرة إلى أن الدول الأفريقية، على سبيل المثال، يمكنها تعزيز النمو والتجارة بصورة كبيرة من خلال زيادة التجارة البينية بين الدول داخل القارة، وأضافت "يمكن للأفارقة أن يتبادلوا التجارة في ما بينهم، وأن يخلقوا قيمة حقيقية، وأن يخلقوا فرص عمل"، وأوضحت أن التجارة البينية في أفريقيا تمثل الآن نحو 20 في المئة من تجارة القارة، في حين أن التجارة داخل "الاتحاد الأوروبي" تمثل نحو 60 في المئة من تجارته. وقالت إن المستقبل لا يزال غير مؤكد في ظل النزاعات المستمرة والرسوم الجمركية والمخاوف من أن طفرة الذكاء الاصطناعي ستتلاشى أو تنهار. وتابعت قائلة "تأثير الذكاء الاصطناعي يلقي بظلاله في الاتجاهات الأخرى في التجارة، التي ليست على الجانب الإيجابي". النظام التجاري العالمي يواجه مرحلة بالغة الحساسية
في تقرير سابق، كانت منظمة التجارة العالمية، قد حذرت من أن النظام التجاري العالمي يواجه مرحلة بالغة الحساسية، داعية إلى تجنب العودة إلى سياسات تجارية أحادية الجانب، لما قد تترتب عليها من خسائر اقتصادية واسعة.
وقالت المنظمة في تقريرها السنوي إن التجارة العالمية والمنظمة نفسها تواجهان واحدة من أخطر فترات الاضطراب والاستمرار في الأزمات منذ تأسيس النظام التجاري المتعدد الأطراف قبل ثمانية عقود، في وقت لم تسجل فيه مؤشرات إلى تحسن الوضع منذ بداية العام.
جاءت تحذيرات المنظمة في ظل استمرار السياسة التجارية التي تنتهجها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025، تزامناً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط.
وقالت مديرة المنظمة في مقدمة التقرير إن القواعد المنظمة للتجارة تواجه تشكيكاً غير مسبوق منذ إنشاء المؤسسات المتعددة الأطراف عقب الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، التي أسندت إليها مهمة دعم تجارة عالمية مفتوحة ومستقرة وقابلة للتنبؤ.
وحددت منظمة التجارة العالمية أربعة عوامل رئيسة تعقد التعاون بين أعضائها، تتمثل في تغير توزيع القوة الاقتصادية عالمياً، وتزايد اختلاف مستويات وأشكال تدخل الحكومات في الأسواق، والتحولات التي تشهدها التجارة وسلاسل القيمة العالمية بفعل الرقمنة والسياسات البيئية، إضافة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية.
وحذرت المنظمة من التداعيات المحتملة لتراجع التعاون التجاري المتعدد الأطراف، استناداً إلى محاكاة أجراها متخصصوها للآفاق حتى عام 2050.
وفي سيناريو يتسم بتجزؤ جيوسياسي ينقسم فيه النظام التجاري المتعدد الأطراف إلى تكتلات مرتبطة بتحالفات سياسية، قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5.1 في المئة، والصادرات العالمية بنسبة 18.6 في المئة.
أما في حال استبدل بالتعاون المتعدد الأطراف شبكة من اتفاقات التجارة الحرة وتوقفت منظمة التجارة العالمية عن العمل بصورة كاملة، فقد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 6.9 في المئة والصادرات بنسبة 26.9 في المئة. وفي المقابل قد يقود تعزيز التعاون التجاري المتعدد الأطراف إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.9 في المئة والصادرات بنسبة 17.9 في المئة. الرسوم الأميركية تؤثر في 11 في المئة من الواردات العالمية
وأكدت المنظمة أن تداعيات تراجع التجارة المتعددة الأطراف لن تكون متساوية بين الاقتصادات، مشيرة إلى أن الدول الأصغر والأقل دخلاً ستكون الأكثر عرضة للتأثر.
وعلى رغم هذه الضغوط فلا تزال منظمة التجارة العالمية تمثل "الركيزة الأساسية في نظام التجارة العالمي القائم على القواعد".
وتشير بياناتها إلى أن نحو 72 في المئة من تجارة السلع العالمية تتم عبر الحدود بموجب اتفاقات جمركية تفاوضت عليها الدول الأعضاء والتزمتها.
وقال كبير الاقتصاديين في المنظمة روبرت ستايغر إن النسبة كانت تبلغ نحو 80 في المئة قبل عامين، معتبراً أن تراجعها يعكس الضغوط التي يواجهها النظام التجاري.
وأوضح أن التعريفات الجمركية الجديدة والقيود التجارية باتت تؤثر حالياً في نحو 11 في المئة من الواردات العالمية، وهي أعلى نسبة تسجل منذ أكثر من 15 عاماً.
وفي المقابل، أسهم توسع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دعم التجارة العالمية، إذ أدى الطلب على السلع الضرورية لتطوير هذه التكنولوجيا، مثل الخوادم والمعدات الصناعية وأجهزة الحاسوب، إلى توليد تدفقات تجارية كبيرة.
وقال ستايغر إن استمرار هذه الاستثمارات قد يكون أسهم جزئياً في الحد من تراجع كان يمكن أن تشهده التجارة العالمية لولا طفرة الذكاء الاصطناعي.
وأشار في الوقت ذاته إلى أن تطوير الذكاء الاصطناعي لا يزال متركزاً في عدد محدود من الدول، مما قد يخفي اختلافات كبيرة في اتجاهات التجارة بين المناطق.
وحذر من أن طفرة الاستثمارات في هذا المجال قد تنتهي، في وقت يثار فيه احتمال حدوث ذلك داخل الأوساط الاقتصادية والتجارية، ومن ثم لا يمكن اعتبار استمرار نمو التجارة العالمية بمعدلات مستقرة دليلاً على تجاوز الضغوط التي يواجهها النظام التجاري.
اندبندنت عربية
|