الهروب من الإنتاج الحقيقي..
سيرياستيبس :
لماذا يتحاشى المستثمرون الاستثمار في
الصناعة والزراعة؟ تكمن الإجابة في طبيعة رأس المال ذاته الباحث عن الربح
الأقصى والسريع دائماً. حيث أن الاستثمار في الإنتاج الحقيقي كالصناعة
والزراعة يتطلب نفساً طويلاً، واستثمارات في البنى تحتية، واستقراراً في
سلاسل التوريد، وهو يحقق هوامش ربح منطقية لكنها تتراكم ببطء. أما التطوير
العقاري الفاخر، فهو وسيلة مثالية لمضاعفة الأموال في فترات قياسية،
وغالباً ما يكون غطاءً لعمليات تدوير الأموال وتراكم الثروات غير المشروعة. في
سورية، الأرض التي كانت تُعرف تاريخياً بسلتها الغذائية وصناعاتها
العريقة، نقف اليوم أمام نموذج شديد الخطورة يتم فيه تهميش الزراعة
والصناعة لمصلحة المطورين العقاريين والسماسرة. تتطلب الصناعة كهرباء
ومحروقات وتكنولوجيا، وهي قطاعات ترفض السلطة الحالية كما رفضت السلطة
السابقة دعمها بشكل حقيقي، مما يجعل تكلفة الإنتاج أمام منافسة الاستيراد
المنفلت من أي قيد. وتتطلب الزراعة دعماً للأسمدة والبذور والري، وهو ما
يتم تجاهله حتى اليوم. في المقابل، نرى أمام أعيننا كيف يتم منح التسهيلات
والتشريعات والإعفاءات الضريبية السخية لمشاريع الأبهة العقارية. لا
يريد المستثمر الأجنبي ولا المحلي وجع الرأس المرتبط بالإنتاج. هو ببساطة
يريد شراء أرض بأسعار بخسة (غالباً ما تكون من أملاك الدولة أو عبر
استملاكات جائرة وعمليات تهجير للسكان)، وبناء كتل إسمنتية فارهة، وبيعها
بالعملة الصعبة لطبقة الأثرياء العابرة للحدود، والتي بدورها ستستخدمها
كنوع من المضاربة العقارية، لنجد أنفسنا أمام مدن فخمة لكنها فارغة من
السكان، تماماً كما هو الحال في مشروع سوليدير وسط بيروت. هذا الركض
خلف الريع العقاري بدلاً من الإنتاج هو مقتل أي محاولة حقيقية للنهوض
بالاقتصاد الوطني. الاستثمار في الإنتاج الحقيقي هو الذي يخلق قيمة مضافة،
وهو الذي يحمي السيادة الوطنية عبر السعي نحو تحقيق الاكتفاء، وهو الذي
يشغل الأيدي العاملة ويطور المهارات.
 غياب
الاستثمار في القطاعين الزراعي والصناعي مقابل الانكباب على ترويج
الاستثمارات العقارية يعني استمرار التبعية للاستيراد، واستمرار استنزاف
القطع الأجنبي، وبالتالي استمرار انهيار الليرة وتدني مستويات المعيشة.
وعليه، فإن أصحاب القرار الاقتصادي والمستثمرين في تحالفهم الحالي يمارسون
عملية تجريف للاقتصاد الوطني، حيث يأخذون ما تبقى من ثروات سورية هي حق
للسوريين ويحبسونها في جدران صماء مخصصة للاستثمار فقط. وهذا التوجه يطرد
الناس من الدورة الاقتصادية، محولاً إياهم إلى مجرد مراقبين بائسين لمظاهر
ثراء فاحش تبنى فوق أنقاض حياتهم السابقة.
نحو إعادة إعمار منحازة للإنسان
أي عملية إعادة إعمار لا تضع الفقير
السوري في مركز اهتمامها هي عملية إبادة اقتصادية مستمرة. حيث أن الأولوية
في دولة خارجة من حرب مدمرة يجب أن تكون للناس أولاً، وللناس أخيراً. وهذا
لا يتم عبر بناء الفنادق والملاعب، بل عبر استثمار كثيف في رأس المال
البشري وفي القطاعات التي تؤمن الحياة الكريمة للسوريين. يجب أن تتحول
البوصلة نحو دعم الصناعات الوطنية، ونحو إعادة إحياء الريف السوري وتأمين
متطلبات الإنتاج الزراعي بأسعار مدعومة. فكرامة السوري لا تكمن في رؤية يخت
يرسو على شواطئه، بل في قدرته على شراء الحليب لأطفاله، وفي وجود مدرسة
حكومية محترمة، ومشفى يقدم العلاج مجاناً. والحكومة التي تروج لـ«البولو»
بينما الناس يبحثون عن تأمين ربطة خبز هي حكومة تعيش حالة إنكار سياسي
وأخلاقي، وتؤسس لانفجار اجتماعي قادم لا محالة. إننا بحاجة إلى اقتصاد
يؤمن معيشة الناس، حيث توجه كل ليرة استثمارية نحو قطاع ينتج سلعة أو يؤمن
خدمة أساسية، اقتصاد يفرض ضرائب تصاعدية وثقيلة على مشاريع الأبهة لتوريد
عائداتها مباشرة إلى صناديق دعم الإنتاج والشرائح الفقيرة. كما يجب كف يد
«الرجال ذوي النعال الذهبية» عن الأراضي العامة والمساحات الحيوية للمدن،
ومنع تحويلها إلى محميات خاصة.
من مقال منشور في قاسيون
|