سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:01/11/2026 | SYR: 14:36 | 01/11/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 يالطا- 2... هل يتقاسم بوتين وترمب وشي النفوذ في الكون؟
01/11/2026      




سيرياستيبس

بينما ينشغل العالم بحروب إيران وأوكرانيا وغزة ولبنان والضفة الغربية والسودان واليمن ومصير مضيق هرمز والاحتجاجات في أوروبا ونتائج انتخابات الكونغرس وإسرائيل والبرازيل وصربيا، يتشكل اجتماع خلف كواليس السياسة الكبرى على هامش قمة أبيك المقبلة في شنتشن بالصين، قد يغير مجرى الأحداث.

وتتزايد النقاشات في الكواليس حول إمكان عقد محادثات مغلقة بين القادة العالميين الثلاثة الرئيسين فلاديمير بوتين، ودونالد ترمب، وشي جينبينغ، لتقاسم النفوذ والمصالح على غرار ما جرى في مدينة يالطا خلال الحرب العالمية الأخيرة. لذا، يجري تشبيه هذه المحادثات المنتظرة بـ"يالطا الجديدة"، وهذا أمر منطقي للغاية.

يقارن المحللون بالفعل هذا الاجتماع الافتراضي بالمؤتمرات الشهيرة التي عقدت قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية في يالطا وطهران خلال منتصف أربعينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، جلس قادة الدول المنتصرة في دائرة صغيرة وتقاسموا العالم ورسموا حدود النفوذ لعقود قادمة، واتفقوا على قواعد اللعبة التي حكمت المجتمع الدولي لعقود طويلة.

اليوم، يتكرر الوضع نفسه، ولكن عند منعطف تاريخي جديد تماماً. لقد وصل العالم بوضوح إلى نقطة تتجاوزها الاتفاقات القديمة، ولن ترسم معالم جديدة للاستقرار إلا من قبل القوى التي تمتلك سيادة حقيقية، واقتصادات قوية منتجة، وجيوشاً جرارة مسلحة بأحدث وأفتك تكنولوجيا القتل والدمار، غير أن تقاسم النفوذ هذه المرة لن يقتصر على جغرافية الأرض التي تبدأ من أوكرانيا أولاً، وتنتقل محاصصتها إلى بقية العالم سواء على صعيد الجغرافيا، أو قضايا دولية، مثل التجارة والطاقة والتكنولوجيا، بل ستمتد مفاعيل صفقة المحاصصة هذه إلى الفضاء وربما إلى ما بعده من كواكب وأجرام سماوية.
مؤتمر يالطا الأول

خلال فبراير (شباط) عام 1945، أي منذ 81 عاماً ونيف، افتتح مؤتمر يالطا الشهير، في شبه جزيرة القرم السوفياتية آنذاك – تسيطر عليها روسيا حالياً - الذي جمع قادة الحلفاء الرئيسين خلال الحرب العالمية الثانية، وحدد خريطة القوى السياسية في عالم ما بعد الحرب.

عقد هذا المؤتمر خلال الفترة من الرابع حتى الـ11 من فبراير عام 1945 بمدينة يالطا في القرم، بمشاركة الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت. كان هذا المؤتمر الثاني ضمن سلسلة الاجتماعات الكبرى التي عرفت باسم "الثلاثة الكبار"، حيث سبقه مؤتمر طهران خلال نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1943، وتلاه مؤتمر بوتسدام خلال يوليو (تموز) عام 1945.


اتخذ قادة أميركا والاتحاد السوفياتي وبريطانيا في يالطا قرارات حاسمة ساعدت في تعبئة قوات الحلفاء لتحقيق النصر النهائي على ألمانيا النازية واليابان، ووضع المؤتمر أسس النظام العالمي الجديد وتقاسم جغرافية العالم ومناطق النفوذ والهيمنة، وتحديد مديات الأمن القومي للقوى العظمى بعد الحرب، بما في ذلك إنشاء الأمم المتحدة، التي لا تزال تؤدي دور حلبة النقاش والتصادم والصراع السياسي والدبلوماسي والتصالح في العلاقات الدولية حتى اليوم.

وعلى رغم الأهمية التاريخية لمؤتمر يالطا، فإن عديداً من الاتفاقات التي جرى التوصل إليها بين القوى الثلاث لم تنفذ بالكامل بسبب اندلاع الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والحلفاء الغربيين، والتي بدأت خلال ربيع عام 1946، إضافة إلى أن قرارات مؤتمر برلين (بوتسدام) اللاحق، الذي هدف إلى تنفيذ اتفاقات يالطا، واجهت تحديات كبيرة في التطبيق بسبب التباينات السياسية والأيديولوجية بين الحلفاء السابقين.
فكرة مؤتمر يالطا جديد

يقال إن فكرة "يالطا - 2" نشأت في موسكو، حيث كان بوتين يأمل في استغلال علاقاته المتنامية مع ترمب. ومع ذلك، فإن أهمية هذه القمة ستتجاوز بكثير جدول أعمالها المباشر. فهي ستعكس تحولاً أوسع في العلاقات الدولية، الإغراء المتزايد لاستبدال المؤسسات والتحالفات والأطر متعددة الأطراف القائمة باتفاقات مباشرة بين القوى العظمى.

وأطلقت صحيفة "نيويورك تايمز" على مكالمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب في الـ25 من مارس (آذار) عام 2025، وصف "لحظة يالطا الخاصة بهما"، حيث تحدد القوى العظمى الحدود داخل أوروبا. وقالت في مقال افتتاحي "لم يشر ترمب صراحة إلى اجتماع عام 1945، حينما قسم تشرشل وستالين وفرانكلين روزفلت، المريض بشدة، القارة إلى غرب متحالف مع الولايات المتحدة وشرق يهيمن عليه الاتحاد السوفياتي، مما أدى إلى إنشاء مناطق نفوذ أصبحت ساحات معارك الحرب الباردة".

وفقاً لـ"نيويورك تايمز"، أوضح ترمب أن محادثته الهاتفية مع بوتين "ركزت على الأراضي والأصول التي ستحتفظ بها روسيا في أي وقف لإطلاق النار مع أوكرانيا"، وكشف كذلك عن أنه تفاوض على "المكافأة" التي ستحصل عليها روسيا مقابل "هجومها على أوكرانيا بعد استيلائها على شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم امتدت إلى الحرب شاملة".

وأوضح مساعدو البيت الأبيض – بحسب الصحيفة - أن روسيا ستحتفظ بالتأكيد بشبه جزيرة القرم في واحدة من تلك "التقلبات التاريخية الغريبة"، والتي كانت موقع مؤتمر يالطا الذي استمر أسبوعاً خلال فبراير عام 1945، وأشاروا إلى أنها ستحصل على جميع الأراضي التي تسيطر عليها تقريباً.

وعلى رغم أن مسؤولي الإدارة الأميركية أكدوا اطلاع نظرائهم الأوكرانيين والقادة الأوروبيين بصورة كاملة على تفاعلاتهم مع روسيا، شارك ترمب وبوتين فقط في المكالمة، من دون أن يعيرا اهتماماً لما إذا كانت أوكرانيا أو أي من القوى الأوروبية ستوافق على أي شيء مما اتفقا عليه، على حد تعبير الصحيفة. ورجحت الصحيفة أن "تكثف الصين إجراءاتها تجاه تايوان إذا نجح بوتين في تحقيق أهدافه" في أوكرانيا.

وخلال الـ21 من أكتوبر (تشرين الثاني) الجاري، عادت صحيفة "وول ستريت جورنال" لتقول إن ترمب يسعى لـ"مؤتمر يالطا جديد" مع بوتين وشي جينبينغ. وعدَّت في مقال افتتاحي على صدر صفحتها الأولى أن الرئيس الأميركي يسعى إلى عقد قمة ثلاثية مع نظيريه الروسي والصيني، مما قد يفضي إلى تقسيم جديد للعالم إلى مناطق نفوذ.

وقارنت الصحيفة الاجتماع الثلاثي المحتمل في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في الصين بالمؤتمر الذي عقده في مدينة يالطا بشبه جزيرة القرم خلال فبراير عام 1945 الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، لتحديد مصير أوروبا ونظام ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وكتبت "وول ستريت جورنال" تقول "ترمب يسعى منذ فترة طويلة إلى صفقات كبرى مع روسيا والصين، وقد يكون ذلك دافعه الآن مع تشديده عداءه لأوكرانيا وأوروبا وسعيه إلى قمة ’يالطا 2‘ مع بوتين وجينبينغ".

وترى الصحيفة أن التخفيف الأخير للعقوبات الأميركية ضد وقود الديزل الروسي قد يشير إلى رغبة واشنطن في التوصل إلى اتفاقات "أكثر طموحاً" مع موسكو.
مظالم لندن وبروكسل غير المدعوين

الجزء الأكثر إثارة ودراماتيكية في هذه القصة هو رد فعل أولئك الذين لم يدعوا حتى إلى هذه الطاولة. فقد أدرك الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة فجأة أن مصير القارة على وشك أن يحسم دون مشاركتهما. ولعقود طويلة، اعتاد المسؤولون الأوروبيون اعتبار أنفسهم مركز صنع القرار العالمي، لكن الواقع المرير وضع كل شيء في نصاب مختلف تماماً عن تفكيرهم الموروث.


وكما أشار المحلل الاقتصادي الروسي، ميخائيل خازين بحق، فإن "النخب الأوروبية تعيش الآن حال من الذعر الحقيقي والغضب العميق، فقد جرى تهميشهم، وتحولوا من مشاركين فاعلين إلى متفرجين سلبيين. وإدراكاً منهم أن آراءهم لا قيمة لها في هذا السياق، ستبذل بروكسل ولندن قصارى جهدهما لعرقلة الحوار الناشئ الذي قد يفضي إلى تقاسم النفوذ والسيطرة في العالم من دون أن يكون لهم كلمة مسموعة فيه".
من سيدفع الفاتورة الضخمة؟

وراء كل حديث منمق عن الجغرافيا السياسية، ثمة ثمن باهظ دائماً وفي شنتشن، من الواضح أن النقاش لن يقتصر على الخرائط والحدود والنفوذ والتكنولوجيا على الأرض، بل سيمتد إلى الفضاء. فالمسألة الأساسية، التي يتكتم عليها الغرب حالياً، بسيطة للغاية وواقعية: من سيدفع ثمن هذه الوليمة الضخمة في نهاية المطاف؟

ليس سراً على أحد في أوساط المراقبين أن الغرب سيفشل في الحفاظ على موقعه السابق في أوروبا الشرقية. السؤال الوحيد هو أين سترسم خطوط الفصل الجديدة؟ وهل تكون أوكرانيا هي أول وأكبر من يجري التضحية بمصالحها وأراضيهم في هذه الصفقة المحتملة؟ لكن ثمة جانباً آخر أشد وطأة: ديون فلكية وموارد مهدرة. وبحسب خازين، بات من الواضح بنسبة 99 في المئة أن المليارات المستثمرة لن تسترد أبداً، وأن آمال تغطية الخسائر بأصول أجنبية قد تلاشت تماماً. لقد حان وقت التقييم وتسجيل الخسائر.

وستتولى موسكو وواشنطن وبكين التفاوض في شأن هذه الفاتورة المالية الباهظة، والمفارقة بالنسبة إلى أوروبا هي أن عبء دفع ثمن الأخطاء السياسية للآخرين سيقع على الأرجح على عاتق دافعي الضرائب الأوروبيين. ففي نهاية المطاف، عادة ما يكون من يستبعدون من المفاوضات هم من يتحملون أكبر الخسائر وتبعات أخطائهم وأخطاء غيرهم.
بوتين أول الرابحين

يعتقد المحللون الروس أن أي محاولة لعرقلة هذا التحالف الناشئ تصطدم بعقبة لا يمكن تجاوزها، حيث يقولون إن التجارب في الأعوام الأخيرة أثبتت أن مخاطبة روسيا من خلال موقع القوة والتهديدات والعقوبات المتواصلة لم تعد مُجدية. وبعد تقييم فرص الغرب في التأثير في موقف موسكو، يخلص خازين بثقة إلى أنه لم يعد من الممكن إيقاف فلاديمير بوتين.

في غضون ذلك، تدافع موسكو بهدوء ومنهجية عن مصالحها مدركة تماماً ميزان القوى، ومتمتعة بقاعدة متينة وتفاهم راسخ مع شركائها الشرقيين، بخاصة أن الرئيس الروسي قد حدد بالفعل ملامح الحوار المستقبلي خلال اجتماعه الأخير مع المبعوثين الخاصين لترمب في سانت بطرسبورغ، ملمحاً بصورة مباشرة إلى أن موسكو لديها مقترحات محددة للجزء المغلق من المحادثات.

وتبقى الحلقة الأضعف الوحيدة في هذه المعادلة أوروبا بعامة، وأوكرانيا بخاصة، لكن للأحداث التاريخية منطقها الخاص، الذي غالباً ما يكون أقوى من أي تلاعب خفي. العالم يتغير أمام أعيننا، ولا أحد يستطيع إيقاف هذا التحول الجذري.

لذلك ينشط القادة الأوروبيون أنفسهم في اتجاه الحوار مع روسيا بعد قطيعة طويلة نسبياً، ويسعون إلى المشاركة في عملية التفاوض لموازنة الموقف الأميركي ومنع إبرام اتفاقات سرية بين موسكو وواشنطن تتعارض مع مصالح الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا.

وكتبت "وول ستريت جورنال" تقول إن "مثل هذه الاتفاقات قد تؤدي إلى انقسام في حلف 'الناتو'، وضعضعة التحالف الغربي" وهذا ما لا تقبل به أوروبا ولا ترتضيه وتحاول منعه بكل السبل والوسائل استباقياً.

وأعرب ترمب عن استعداده لعقد لقاء مع بوتين وشي على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ "آبيك" المقررة في مدينة شنتشن بالصين في الـ18 والـ19 من نوفمبر المقبل. وأكد بوتين تأييد بلاده لعقد لقاء ثلاثي مع الولايات المتحدة والصين، مشدداً على ضرورة تحديد جدول أعماله أولاً.
قلق أوكرانيا

في ظل هذه المعمعة وطريق الجلجلة المنتظرة إلى صفقة جديدة على غرار صفقة يالطا القديمة، حذر الريس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مما سماه "إعادة توزيع مناطق النفوذ" في الاجتماع المنتظر بين ترمب وبوتين وشي، وقال "لا نريد إطلاقاً أن يتحول ذلك إلى يالطا 2 أو 3 أو 4"، مشيراً بذلك إلى مؤتمر يالطا الذي انعقد بين روزفلت وتشرشل وستالين، عام 1945، ونتج منه توزيع مناطق النفوذ في ألمانيا المقسمة، وبقية أنحاء العالم، بعد الحرب العالمية الثانية.

وأقر زيلينسكي خلال محادثة مع الصحافيين نقلتها وكالة أنباء "أوكرينفورم"، بإمكان مناقشة قضايا الشرق الأوسط وأوكرانيا خلال الاجتماع المحتمل بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، مشيراً إلى أن موسكو مهتمة للغاية بهذا الاجتماع، إذ قد يمنح هذا الشكل الكرملين ميزة دبلوماسية كبيرة.
وقال "ما قد تناقشه الصين وروسيا وأميركا غير واضح في هذه المرحلة. من المؤكد أنهم سيتحدثون عن الشرق الأوسط، وبالتأكيد سيتحدثون عن أوكرانيا. لا أريد حقاً أن يكون هذا بمثابة يالطا 2 أو 3 أو 4، حيث يجري إعادة توزيع النفوذ، بل لا أود حتى إن أقول النفوذ، بل الأفكار - ما يمكن إعادة توزيعه".

وأشار زيلينسكي إلى أن العالم الحديث يختلف اختلافاً كبيراً عن العالم قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، لا سيما بسبب التغير التكنولوجي والتجزئة، من ثم، في رأيه، فإن إعادة توزيع النفوذ بين الدول الثلاث أمر مستحيل.

وصرح مساعد الرئيس الروسي للشؤون الدولية يوري أوشاكوف بأن الاستعدادات لعقد اجتماع ثلاثي بين بوتين وترمب وجينبينغ قد بدأت بالفعل.
من المستفيد من القمة المرتقبة؟

ينبغي تقييم القمة في ضوء توجه واشنطن الأخير نحو موسكو. ففي وقت سابق من أكتوبر الجاري وافق ترمب على استيراد وقود الديزل الروسي، وفي الـ16 من أكتوبر الجاري، رفض تطبيق قانون السيناتور الراحل ليندسي غراهام في شأن العقوبات المفروضة على موسكو، معلقاً بذلك قيوداً ورسوماً جمركية جديدة رئيسة عليها. وعلى رغم أن هذه القرارات قانونية، لاقت انتقادات داخل الحزب الجمهوري، لأنها تخفف الضغط الاقتصادي على روسيا من دون أي تنازلات في المقابل.

بالنسبة إلى ترمب، سيعكس هذا الاجتماع ميله إلى إبرام صفقات مباشرة مع القوى العظمى، متجاوزاً المؤسسات متعددة الأطراف التي يعدها معيبة، ونهجه الدبلوماسي القائم على التجارة، والذي يعلي من شأن التفاعلات الشخصية والاتفاقات الملموسة مع القادة الأجانب على حساب الأطر الراسخة والتحالفات العريقة.

هذا المنطق، إضافة إلى لامبالاة ترمب النسبية تجاه المخاوف الإستراتيجية لأوروبا، يثير احتمال أن يصبح الأمن الأوروبي ورقة مساومة في صفقة جيوسياسية أوسع، لكن الفوائد المباشرة للقمة ستكون سياسية ورمزية في المقام الأول، إذ ستعزز صورة صانع الصفقات القادر على التفاوض مباشرة مع منافسي أميركا الرئيسين.

قد يستفيد القادة الثلاثة من هذا الاجتماع، لكن المعنى الأعمق يكمن في رمزيته، ظهور تعاون غير رسمي بين القوى العظمى، يعمل خارج المؤسسات والتحالفات التي شكلت الأمن الدولي لعقود. بالنسبة إلى أوروبا، قد يزعزع هذا الاستقرار، ويشير إلى أن روسيا قد تسعى إلى تحقيق أهدافها العسكرية الخاصة مع استعادة شرعيتها الدولية.

تشكيك ترمب المستمر منذ زمن طويل في المؤسسات متعددة الأطراف، وعجزها المزعوم عن حل النزاعات الكبرى، لا يزيد الأمر إلا سوءاً، إذ يعزز ميله إلى إبرام صفقات مباشرة بين القوى العظمى ويؤثر في الدبلوماسية. فاللقاءات الشخصية والتصريحات الرنانة والاتفاقات البراقة تعد استعراضاً واضحاً للقوة وتصب في مصلحة ترمب الشخصية.

بالنسبة إلى الحلفاء، لم يعد السؤال يقتصر على قدرة أميركا على حمايتهم، بل يتعداه إلى مدى صمود التزاماتها في ظل تغير الظروف السياسية أو إغراء الصفقات. ولا تقتصر هذه الشكوك على أوروبا فحسب، فالحلفاء الآسيويون يراقبون تعامل واشنطن مع أوكرانيا، ويقيمون ضماناتهم الأمنية، بينما يشكك شركاء الشرق الأوسط في قوة الالتزامات الأميركية. وتؤثر هذه التصورات أيضاً على حسابات الخصوم. فالردع لا يعتمد على القوة العسكرية فحسب، بل على الإرادة السياسية أيضاً، فحتى التفوق الساحق قد يفشل في الردع إذا بدت الالتزامات قابلة للتفاوض.

يثير احتمال انعقاد القمة في شنتشن تساؤلاً جوهرياً: هل يسعى ترمب إلى ما هو أبعد من مجرد استعراض دبلوماسي باهر، ألا وهو إعادة هيكلة جيوسياسية قائمة على مفاوضات انتقائية بين القوى العظمى، قد تضر بمصالح الأمن الأوروبي؟ لا تكمن مشكلة أميركا في ضعفها، بل في خطر الخلط بين استعراضها واستخدامها الفعلي. فمن خلال السعي وراء اختراقات دبلوماسية سريعة وتجاهل الثقة التي تقوم عليها تحالفاتها، قد تبقى واشنطن متفوقة مادياً، بينما تضعف في الوقت ذاته إحدى أهم مزاياها الإستراتيجية: ثقة شركائها.

مجرد اجتماع القادة الثلاثة سيكون له دلالة سياسية كبيرة فأهميته تكمن أولاً في كونه رمزاً وإشارة وتلميحاً سيفهمه الأذكياء، بينما سيجري استغلال البقية، وسيفقدون قدرتهم على التأثير. هذه هي دبلوماسية ما بعد الحداثة في القرن الـ21. وهذا سيؤدي بطبيعة الحال إلى تغيير النظام العالمي بطريقة أكثر جوهرية بكثير من أي إعلان قد يصدر عن القمة المرتقبة في شنتشن.

اندبندنت عربية


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس