سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:14/10/2026 | SYR: 02:08 | 14/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 الزراعة المنزلية في سورية... تخفيف الأعباء وشيء من الاكتفاء
14/10/2026      




سيرياستيبس :

في بلدة كفرعويد بريف إدلب الجنوبي، تقف مريم الثلجي على عتبة منزلها الذي عادت إليه بعد ست سنوات من الغياب. تنظر حولها إلى الفناء الذي كانت تملؤه الورود والنباتات قبل أن تقتلعها الحرب من جذورها، لم تعد تزرع الورود اليوم، فالمياه أصبحت أغلى من أن تسقى بها الزهور، لكنها مع ذلك أمسكت بيدها قبضة من بذور البقدونس والنعناع وشتلات من الخضر الموسمية، وغرستها في حديقتها بجانب المطبخ، ليس للزينة، بل للبقاء.
تلك العودة، التي تمت في مطلع حزيران الماضي، لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت بداية مواجهة جديدة مع واقع مختلف، فبعد سنوات من النزوح في مخيمات أطمة بريف إدلب الشمالي، حيث كانت المياه تؤمنها مجاناً منظمات المجتمع المدني.
عادت مريم إلى منزلها لتجد أن التحدي الأكبر لم يعد القصف أو الخوف، بل الماء، ذلك العنصر الذي كان يوماً مجانياً، أصبح اليوم سلعة ثمينة. تحتاج عائلتها المكونة من خمسة أفراد إلى 20 برميلاً من المياه كل أسبوع، بتكلفة تصل إلى 700 ليرة تركية أي ما يعادل نحو 15 دولاراً.
تقف الزراعة المنزلية في سورية اليوم بديلاً حقيقيّاً للاكتفاء الذاتي وسط فقر يعصف بالأسر وغلاء يلتهم الدخل، فلم تعد ترفاً ولا هواية، بل صارت ملاذاً ضرورياً تلتقط فيه العائلات أنفاسها من ضيق الحاجة، وتستعيد به شيئاً من كرامتها الغذائية في زمن بات فيه تأمين الخبز والخضر معركة يومية.
وفي مؤتمر لمكتب الأمم المتحدة في جنيف بتاريخ 23 يونيو/ حزيران، سلط ممثل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) بالإنابة في سورية، بيرو توماسو بيري، الضوء على جملة من التحديات الخطرة التي تواجه القطاع الزراعي والأمن الغذائي في البلاد، مؤكداً أن الوضع لا يزال "بالغ الخطورة" رغم التغيرات التي شهدتها سورية في الفترة الماضية. وأوضح بيري أن نحو 13.4 مليون سوري يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في حين لا تزال 30% من الأسر السورية تكافح لتأمين احتياجاتها الغذائية اليومية.  
لم تكن مريم يوماً بعيدة عن الزراعة، فهي ابنة أرض ريفية، نشأت بين الحقول والأشجار، لكن سنوات النزوح التي بدأت عام 2018، اقتلعتها من جذورها كما اقتلعت ملايين السوريين. ففي مخيمات شمال إدلب، كانت الحياة أشبه بتعايش مؤقت، والزراعة كانت حلماً بعيداً في أرض لا تملكها. ومع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بدأت موجات العودة، وكانت مريم من بين العائدين. لكنها وجدت قرية مختلفة، ماء قليلة تباع بالصهاريج بمبالغ راحت ترهقها ولا تكفي إلا نصف السكان.

التحول من "الرفاهية" إلى "الضرورة" هو جوهر الظاهرة، فما كان ينظر إليه سابقاً كهواية أو لمسة جمالية، أصبح اليوم استراتيجية بقاء في مواجهة غلاء المعيشة

دفعها هذا الواقع إلى تغيير نمط حياتها بالكامل. فزرعت كل ما تمكن زراعته في فناء منزلها، قائلة: "كل غرسة هنا توفر لي وجبة، وكل حبة بندورة أنتجها في بيتي هي حبة لا أشتريها من السوق، ورغم أزمة المياه، وجدت في الزراعة المنزلية متنفساً اقتصادياً ونفسياً، فإنتاجها الصغير من الخضر وفر علينا جزءاً من نفقات الطعام اليومية، وأعطاني شعوراً بالاستقلالية في وقت بات فيه الاعتماد على السوق رفاهية لا أستطيع تحملها". 
لم يكن ما تفعله مريم استثناء، بل أصبح نمطاً متكرراً في آلاف المنازل السورية في وقت لم يعد فيه الراتب الشهري يوازي ارتفاع الأسعار، حيث وجدت عائلات كثيرة في الزراعة المنزلية وسيلة لتخفيف الضغط عن ميزانيتها. ولم تقتصر هذه الزراعة على الأرياف بل حتى في المدن، أصبحت الزراعة على الشرفات والأسطح حقيقة واقعة، ويعتمد الناس على زراعة الخضروات والنباتات العطرية، حيث يزرع النعناع والبقدونس والبندورة والفلفل باستخدام أوعية بسيطة، هذا النمط صار سلوكاً متكرراً لدى عدد متزايد من الأسر التي تحاول تعويض جزء من دخلها المتآكل. ففي دمشق، حيث تتلاصق الأبنية وتضيق الشرفات، بدأ مراد الحسين، وهو موظف حكومي متقاعد من باب توما، زراعة شرفة منزله قبل عامين "من باب التجربة" كما يقول لـ"سورية الجديدة"، إذ لم يكن يخطط لأكثر من ملء وقت الفراغ الذي تركه التقاعد. في البداية، اقتصرت التجربة على أنواع من النعناع والبندورة على حافة شرفة لا يتجاوز عرضها أربعة أمتار. لكنه سرعان ما اكتشف أن ما توفره تلك المساحة الصغيرة يشكل فرقاً حقيقياً في نفقات أسرته الشهرية، فتحول تدريجياً من هاوٍ متردّد إلى مزارع منزلي متمرس. اليوم، تمتلئ شرفته بصفوف من التنكات والجرار البلاستيكية المعاد تدويرها، تنتج البندورة والخيار والفليفلة والبقدونس والنعناع، إضافة إلى أنواع فريز عانده في البداية قبل أن يثمر. لم يتوقف الأمر عند التوفير المالي، فمراد، الذي كان يقضي ساعات طويلة أمام التلفاز بعد تقاعده، وجد في العناية بنباتاته روتيناً يومياً، يستيقظ باكراً ليسقيها، ويفحص أوراقها بحثاً عن أي آفة، ما منحه إحساساً بالجدوى والأهمية.
وفي ريف إدلب، تجاوزت النساء مرحلة الاكتفاء الذاتي إلى الإنتاج للبيع، ففي قرى مثل كفردريان وكللي وكفرعروق وكفرنبل وحاس وحيش وغيرها، تعمل النساء بالزراعة كمورد رزق، حيث يفرز الإنتاج بين ما يستهلك داخل المنزل وما يخصص للبيع في الأسواق المحلية. تقول مها شيخ جمعة، وهي ربة منزل من بلدة حيش بريف إدلب الجنوبي: "نعيش أنا وعائلتي من خضروات المنزل، سواء بالمردود المادي الناتج عن بيع محاصيل الصيفي أو توفير مواد الطبخ اليومي".
ومع بزوغ فجر كل يوم، تخرج مها من منزلها لتبيع الخضر للجيران وللمتاجر الصغيرة في القرية، ولا تتوقف عند البيع الطازج، بل تصنع المؤونة الشتوية من دبس البندورة ودبس الفليفلة، التي تلقى رواجاً في الأسواق المحلية.
هذا التحول من "الرفاهية" إلى "الضرورة" هو جوهر الظاهرة، فما كان ينظر إليه سابقاً كهواية أو لمسة جمالية، أصبح اليوم استراتيجية بقاء في مواجهة غلاء المعيشة الذي لا يلوح أمامه أي انفراج قريب.
وفي أحد أحياء حلب القديمة، حيث البيوت متلاصقة والمساحات محدودة، وجدت فدوى الحداد وهي أم لأربعة أطفال في سطح منزلها أيضاً مساحة لبعض التفاؤل. زوجها موظفٌ حكومي براتب لا يتجاوز مليون ليرة سورية قديمة أي ما يعادل 80 دولارا أميركيا، بينما كانت تكلفة سلة الخضر الأسبوعية تلتهم أكثر من ثلث هذا الراتب.
"كنا نأكل الخضر مرتين في الأسبوع فقط، أما بقية الأيام، فنعتمد على البرغل والعدس، لكن كل شيء تغير حين قررت استثمار سطح منزلي البالغة مساحته 80 متراً مربعاً، جلبت تربة من الريف المجاور، واشتريت بذوراً بسيطة، وبدأت بزراعة البندورة والخيار والكوسا والفليفلة في الصيف والفجل والسلق والسبانخ والخس في الشتاء، لم أكن أملك خبرة سابقة، لكنني تعلمت من الجيران ومن مقاطع الفيديو على الهاتف المحمول"، هكذا قالت لـ"سورية الجديدة".
بعد ثلاثة أشهر، تحول السطح إلى مساحة خضراء، وأصبحت فدوى تنتج ما يكفي أسرتها من الخضر الصيفية والشتوية، بل وتفيض الكمية لتبيع الجيران. ليس ذلك وحسب وإنما راحت تنتج البذور من تلك الخضروات فلا تحتاج لشرائها في المواسم القادمة.

مع عودة الحياة إلى الشرفة بدأت الحياة تعود إلى راما، عادت إلى المدرسة تدريجياً، وبدأت تشارك شتلات صغيرة مع صديقاتها في الصف وتقدمها كأنشطة مدرسية

"حسبة بسيطة"

تقول فدوى وهي تخرج دفتراً صغيراً تدون فيه حساباتها. "ما كنت أدفعه شهرياً للخضر كان يساوي 500 ألف ليرة، أما اليوم، فلا أدفع أكثر من 50 ألفاً للبذور وبعض المبيدات بين حين وآخر، الفرق 450 ألف ليرة شهرياً، وهو ما يعادل نصف راتب  موظف". وتضيف لـ"سورية الجديدة": "ليس المال فقط، هناك طعم مختلف للخضر البيتية، فهو خالية من المبيدات، وأمان أن تعرف من أين يأتي طعامك".
لم يقتصر أثر الزراعة المنزلية على الجانب المعيشي والاقتصادي إنما النفسي أيضاً، ففي زاوية هادئة من مدينة إعزاز شمال غرب حلب كانت راما السعيد وهي طفلة في العاشرة من عمرها تجلس أمام نافذة غرفتها لساعات طويلة دون أن تنطق بكلمة، فمنذ أن فقدت والدها في قصف عام 2022، انسحبت من العالم تدريجياً، توقفت عن الذهاب إلى المدرسة، ورفضت اللعب مع أطفال الحي، حتى الكلام مع أمها أصبح نادراً، كانت ترسم وجوهاً بلا ملامح، وتحدق في الفراغ لساعات، تقول والدتها وتدعى لمياء: " بدت وكأنها تختفي أمام عيني، جسدها معي لكن روحها في مكان آخر".
لم تجد الأم وهي معلمة لغة عربية تجاوزت الأربعين من عمرها حلاً عند الأطباء النفسيين الذين اكتفوا بوصف مهدئات لم تجدِ نفعاً، حتى جاءت فكرة الزراعة المنزلية، لا كعلاج، بل كمحاولة يائسة لملء وقت الفراغ، أحضرت الأم بعضاً من التراب وبذوراً من البندورة والبقدونس والفول، ووضعتهما في أوعية بلاستيكية على شرفة المنزل المطلة على شارع هادئ.
في البداية، تجاهلت راما ما تزرعه أمها تماماً، لكن بعد أسبوع لاحظت براعم خضراء صغيرة تشقّ طريقها من التراب، سألت أمها بفضول عما كانت تزرعه، كانت تلك اللحظة نقطة التحول، بدأت راما تتابع النباتات يومياً، تسقيهما بنفسها، وتنقلها من الظل إلى الشمس، ثم طلبت من أمها بذوراً جديدة لتزرعها، وبعد شهر تحولت الشرفة إلى حديقة صغيرة تضم البندورة والخيار والفليفلة والنعناع.
تقول لمياء لـ"سورية الجديدة": "لاحظت أن راما أصبحت تتحدث مع النباتات وتفرح مع كل ثمرة تقطفها منها، تهمس لها كل صباح وتسألها إن كانت عطشى، وتقلق إن اصفرت ورقة، عادت إليها المسؤولية وهذا ما كانت تفتقده". ومع عودة الحياة إلى الشرفة بدأت الحياة تعود إلى راما، عادت إلى المدرسة تدريجياً، وبدأت تشارك شتلات صغيرة مع صديقاتها في الصف وتقدمها كأنشطة مدرسية وتنال تقدير معلماتها، ثم تحولت شرفتها إلى مكان يزوره أطفال الحي لتعلم الزراعة.

في بلد مزقته الحرب وأرهقته الأزمات، لم تعد الزراعة المنزلية مجرد وسيلة لتوفير الخضر أو تخفيف فاتورة الشراء الشهرية، إنها فعل مقاومة يومي

من جانبه قال الخبير الاقتصادي حسام الشاهين إن الزراعة المنزلية في سورية تجاوزت مرحلة "الحل المؤقت" إلى "الاستراتيجية الاقتصادية" للأسر. وأضاف لـ"سورية الجديدة": "ما نراه اليوم في سورية ليس مجرّد موجة عابرة من الزراعة المنزلية، بل هو تحول هيكلي في سلوك الأسر تجاه الغذاء في ظل تضخم بلغ نسباً قياسية وتراجع في القوة الشرائية لليرة السورية، فالزراعة المنزلية ليست خياراً بل ضرورة".
ويتابع: "لو أحصينا عدد الأسر التي لجأت إلى الزراعة المنزلية في السنوات الثلاث الأخيرة، لوجدنا أرقاماً تفوق الملايين، هذا ليس مجرد نشاط فردي، بل حركة اقتصادية موازية تساهم في تخفيف العبء عن السوق الرسمي وتوفير الأمن الغذائي للأسر".
ويرى الشاهين أن الزراعة المنزلية تحقق مكاسب اقتصادية عبر توفير النقد، فكل كيلوغرام من الخضر تنتجه الأسرة في منزلها هو كيلوغرام لا تشتريه من السوق، وهذا يعني توفيراً نقدياً مباشراً يمكن توجيهه لاحتياجات أخرى كالدواء والتعليم، إضافة إلى الأمن الغذائي  في زمن تتقلب فيه الأسعار بشكل جنوني، حيث تضمن الأسرة التي تزرع طعامها وجود مصدر ثابت للغذاء لا يتأثر بتقلبات السوق، بالمقابل فإن الزراعة المنزلية تعتمد على موارد بسيطة ومتاحة، ولا تحتاج إلى استثمارات كبيرة، مما يجعلها نموذجاً مستداماً يمكن الاستمرار فيه حتى في أصعب الظروف. ويشير إلى أن "ما تحتاجه سورية اليوم هو دعم هذا التوجه عبر توفير البذور المحسنة والأسمدة العضوية بأسعار مناسبة، وتنظيم دورات تدريبية لتعليم أساليب الزراعة الحديثة، فالاستثمار في الزراعة المنزلية هو استثمار في استقرار الأسر وفي الأمن الغذائي للبلاد".
وفي كفرعويد تستمر مريم الثلجي بتفقد حديقتها الصغيرة بجانب المطبخ كل صباح. لم تعد الورود التي زرعتها قبل الحرب سوى ذكرى باهتة في زاوية من الفناء، لكن البقدونس والنعناع وشتلات الخضر الموسمية التي غرستها بعد عودتها أصبحت اليوم أعمق من مجرد نباتات، إنها خيط رفيع يربطها بالأرض التي كادت تفقدها، وبالحياة التي ظنت أنها لن تعود.
في فناء مريم الصغير، يتجسد معنى أوسع مما تراه العين، ففي بلد مزقته الحرب وأرهقته الأزمات، لم تعد الزراعة المنزلية مجرد وسيلة لتوفير الخضر أو تخفيف فاتورة الشراء الشهرية، إنها فعل مقاومة يومي، وإعلان بأن الأرض مهما جفت ما زالت قادرة على العطاء لمن يعرف كيف يطلب منها، وبين قبضة البذور التي أمسكتها مريم بيدها في مطلع حزيران، وبين أول حبة خضر قطفتها بعد أشهر من العناية، تكمن حكاية سورية بأكملها شعب لا ينتظر أن تعود الحياة كما كانت، بل يزرعها من جديد.

ملحق سوريا الجديدة - العربي الجديد



شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق